الرئيسية » مقالات » هل تطرد كركوك أهالي ديالى؟

هل تطرد كركوك أهالي ديالى؟

توقفت سيارة الركاب المنطلقة من بغداد عند نقطة تفتيش “داقوق” جنوب كركوك كالعادة . فتح الباب عسكري يحمل بندقية وقال للركاب : من منكم من ديالى؟ . حدق الركاب ببعضهم ، وساد الصمت ليعني أن ليس هناك أحد من ديالى . كرر العسكري عبارته واتبعها بتهديد : قبل ان اطلب هويات التعريف، من منكم من ديالى؟ . عاد الصمت ثانية ، مما شجع رجل تركماني للقول بلغة عربية : لا يوجد احد من ديالى . أغلق العسكري باب السيارة وانطلق الركاب صوب كركوك !

محافظة ديالى (شرق بغداد ) لا تزل حتى اللحظة مسرحا للمسلحين، وبالرغم من تواجد القوات العراقية والأميركية فيها الا أن التهجير مستمر، والعوائل العربية تنزح حسب طائفتها. الشيعية الى الجنوب والسنية إلى مناطق الوسط والشمال، وبعضها أخذت تغادر الى بغداد بعد التحسن الأمني الكبير في العاصمة .. حصة كركوك من أهالي ديالى المهجرة باتت تتسع، فقد اخذوا يظهرون في في البيوت المستاجرة التي غادرها المستاجرون البغداديون، وفي الشوارع عبر مركباتهم التي تحمل لوحة ديالى. يقول احد مواطني كركوك : “اينما التفت تشاهد احدهم” .. ربما لان محافظة كركوك صغيرة ( ما يقارب المليون و250 الف نسمة) وأحيائها مقسمة حسب الطائفة أو الاثنية، ومن السهل ملاحظة الغرباء. هناك كرد شيعة مهجرين من قضاء مندلي ومنطقة قزانية التابعة لديالى نزحوا إلى كركوك ايضا، ولكن قوميتهم تشفع لهم من الملاحقة .هؤلاء اسمهم “أكراد فيلية”. طائفتهم هي التشيع، وقد تعرضوا في زمن نظام البعث الى أبشع حملة تطهير. اتهموا بأن أصولهم إيرانية، وقبيل الحرب العراقية الإيرانية ايلول سبتمبر 1980 بأشهر، دفع نظام صدام بمئات العوائل منهم الى الحدود مع ايران. بقوا هناك في العراء يقاسون الظروف المناخية قبل تنتشلهم إيران ومنظمات اللاجئين ..من بقي منهم في ديالى أتى اليوم ليسكن في جوار أخوته الكرد، في المدينة التي يسميها أبنائها “العراق الصغير”.

مهجرو ديالى العرب اليوم غير مرحب بهم في كركوك كما يقول (ن ي) أحد الذين قدموا مؤخرا: “أي مشكلة ولو بسيطة تحدث مع ابن ديالى سيتبعها سؤال وجواب وتحقيق طويل.. ابن ديالى الان ارهابي مع وقف التنفيذ.. تهمته انه ابن محافظة عراقية ساخنة”.

قبل سنتين، وعندما كانت بغداد تغلي بالعنف، والقتل الطائفي في أوجه، كانت كركوك تستقبل البغداديين السنة من العرب والأكراد. واجه العرب حملة مشابهة، فهم مشبوهون، وكل بيت تسكن فيه عائلة عربية بغدادية يداهمه عناصر الأمن بين فترة وأخرى ليدققوا في اوراق التهجير، ومن لديه ورقة من دائرة الهجرة تثبت أنه مهجّر، يحقق معه ايضا لكن يخرج بعد فترة قصيرة. اما من ليس عنده تلك الورقة فيعني ان التوقيف ربما يطول حتى التأكد من هويته ونيته المبيتة .. هذه يعني ان السلطات المحلية بكركوك ليسوا ضد مهجري ديالى لقصد مسبق، بل لكونهم اتوا من مكان يعج بالارهابيين والمليشيات المتنوعة. هذا ما أكده لـ “نقاش” مدير شرطة كركوك اللواء جمال طاهر، مضيفا أن ” كركوك منطقة ساخنة ، وكل زائر جديد للمدينة ينبغي معرفته”. في آخر حملة امنية قبضت القوات الامنية على 16 مشتبها به ، كان ثلاثة منهم من المطلوبين – حسب اللواء ظاهر- والباقين من المهجرين الذين لا يمتلكون اذنا بالسكن ، أطلق سراحهم بعد يومين.

في رد فعل شخصي لبعض عناصر الأمن في نقطة التفتيش المقابلة في الخالص (تابعة لديالى)، والتي يمر عبرها مسافرو كركوك الى بغداد، طلب أحد عناصر الأمن من الركاب كشف هوياتهم الثبوتية . تبين أن أحد الركاب كردي من كركوك، فقال له عنصر أمن ديالى : “ارجع من حيث أتيت ، لن تدخل ديالى ولا بغداد ، تمنعون اهلنا من دخول كركوك ، ولا بد ان نمنعكم ..” ولولا تدخل الركاب الآخرين وبعض عناصر في نقطة التفتيش من زملائه لما مر الكردي لبغداد . ربما هي رسالة تم ايصالها بطريقة شخصية، وربما يعاقب رجل الأمن هذا لو وصلت الحادثة الى وزارة الداخلية ببغداد . لكن فيما لو نظرنا إلى مشهد عنصر الامن الموجود بنقطة تفتيش داقوق الذي يمنع اهالي ديالى للدخول الى كركوك، هل كان يمنعهم بصفة شخصية أيضا ؟ الإجابة قد تبدو محيرة ، غائمة ، وربما لا تكشف للاعلام، لاننا اتصلنا بالسيد علي مهدي أحد المسؤولين الثلاثة في اللجنة الأمنية في مجلس محافظة كركوك، وهو تركماني، ونفى وجود قرار أو توجه رسمي من المحافظة بمنع اهالي ديالى من الدخول، وأكد ايضا أن “العوائل المهجرة تتعامل معهم دائرة المهجرين في كركوك وفق الضوابط المعمول بها في العراق ككل” .. السؤال الان، هل نقاط التفتيش مسؤولة عن ذلك ؟ هناك حكاية طريفة حدثت او لربما تكون اشاعة ، لكنها تلقي الضوء على التدني الثقافي لعناصر رجال التفتيش. بان اوقف رجل امن سيارة ركاب صغيرة ، وكان بين الراكبين قاض . قلب رجل الامن بطاقة تعريفه ، فوجد رسما لميزان بكفتين ، وهو دلالة العدالة ، فانبرى قائلا للقاضي: هل تعمل بعلوة (سوق) لبيع الفواكة والخضر! لقد تصور بطاقة التعريف انها معنية بالشأن الزراعي ..

من يدخل كركوك ، سيقرأ عبارة مكتوبة اعلى بوابتها “ادخلوها بسلام آمنين” . بالتأكيد انها ترحب بالزائرين وبمن يلوذ بالمدينة من هول كوارث محافظته الاصلية، علها تلقي بحنانها عليه ، وتستضيفه لمدة يقررها الشخص المعني حسب تقييمه للامن في منطقته التي تركها. اكثر البغداديون عادوا لبغداد ، واهل ديالى سيعودون لديالى حتما ، وسيبقى فقط كما يقول العراقيون حسن الضيافة، والذكريات التي يجب ان تكون سعيدة !