الرئيسية » مقالات » الأمريكية – العراقية: بين الرفض والقبول..!2-2

الأمريكية – العراقية: بين الرفض والقبول..!2-2

تتصاعد حملة الرفض للإتفاقية الأمريكية – العراقية كما هي حملة القبول، وبين كلتا الحالتين، يزداد الشد على أعصاب المواطن العراقي حتى درجة الإعياء..!

فالغلو في الرفض بات يقابله غلو في القبول، وأصبح كل فريق يسعى جاهداً الى تصعيد وتيرة رفضه أو قبوله دون أن يترك فسحة من الوقت للمواطن العادي أن يلتقط أنفاسه لكي يختار، وبين الحالتين باتت تضيع حقائق كثيرة، ومع الصخب المتصاعد أصبح من الصعب على المراقب أن يتلمس الأسباب الحقيقية التي تدعم أو تسند أي طرف من الطرفين، بل ضاعت هنا وهناك، غير قليل من المعطيات التي بإمكانها أن تبرر أي من الموقفين، وأصبح المشهد، وكأن المرء يقف أمام سوق لترويج البضائع؛ الكل فيه، يبحث عن أفضل الوسائل للتأثير على الزبائن من خلال الدعاية والإعلام والتأثير النفسي المباشر..!

– فالغلو في الرفض مبني في مجمله على منطلقات مختلفة تحكمها أهداف ومقاصد مختلفة؛

· منها ما هو مشروع في نتائجه، ومشروعيته تبنى على أساس من الحرص الوطني، وقاعدته في الرفض، مبنية على مبدأ “عدم الثقة” المطلق بالولايات المتحدة الأمريكية، وتوجس الخيفة من كل ما قد تقدم عليه أمريكا من خطوات بإتجاه الدول الأخرى، ولهذا الفريق مسلسل من الحجج والبراهين، مأخوذة من التأريخ السياسي السلبي لأمريكا في تعاملها مع الآخرين، مما يدعم موقفه في عدم الثقة المذكور. وهو موقف في مجمله يتسم بحسن النية، وتغلب عليه الحساسية الوطنية، رغم ما يشوبه من بعض ضعف في البراغماتية السياسية، وينظم تحت صفوفه قطاع واسع من الجمهور..!

· ومنها ما هو مقصود لذاته، وتحركه أجندات خاصة، يصبح معها الرفض أحد الأوراق المستخدمة في الصراع الدائر في المنطقة، وهو مدعوم بالخشية والتخوف من تداعيات الإتفاقية المستقبلية على أطراف هذا الفريق، وتنفرد بذلك بعض دول الجوار وفي مقدمتها إيران وربما سوريا الى بعض الحدود، وبذلك فهي تدفع بإتجاه الرفض وتحرض عليه، مما يعطي، ما يكفي من المبررات المساعدة للفريق الآخر(القبول)، من تصعيد حملته بالقبول، تحت تأثير ضغوط التدخل الإقليمي في الشؤون العراقية، ويعتبر القبول بالإتفاقية بديلاً لهذا التدخل.

· وموقف رافض آخر يعتمد في رفضه على براغماتية سياسية محسوبة، تحددها مصالح الأطراف الرافضة نفسها، وتمثل فيه أطراف العملية السياسية القسم الغالب، وبالذات منها تلك الممثلة في المجلس السياسي للأمن الوطني. والرفض هنا لا يدخل في دائرة المطلق، كما في الحالة الأولى، بل يتأثر بهذا القدر أو ذاك بالحالة الثانية. ويمكن حساب الموقف الحكومي ضمن هذا الفريق. وهو موقف وإن بدا عليه الرفض إلا أنه في جوهره مبني على قاعدة من القبول، الذي تتحكم فيه المصالح المختلفة لتلك الأطراف وتوازنات القوى فيما بينها. فهو في جوهره قبول مؤطر بالرفض، والرفض فيه أقرب الى التكتيكي، منه الى الستراتيجي.

· وأخيراً موقف الرفض المطلق؛ وهو مبني على قاعدة العداء والكراهية لأمريكا وتمتد جذوره الى حيث بدأ الغزو الأمريكي للعراق/2003 وتأسيساً عليه. وضمن موقف الرفض هذا تنخرط فئات عديدة من معارضي العملية السياسية ومن خارجها، وكذلك بعض من داخلها وهي تؤسس موقفها على حالة الإحتلال ، وترى في إنهائه شرطاً مسبقاً لأي إتفاقية. ومنها من يرى في إستخدام السلاح أحد الوسائل لتحقيق ذلك.

– أما الغلو في القبول، فهو الآخر له مظاهره المختلفة ومنطلقاته الخاصة ومبرراته المتباينة؛

· ومنها القبول المطلق، وهنا يجري الإعلان عن الإتفاقية، كما هو الحال في الترويج لأية بضاعة يمكن تسويقها في سوق المنافسة. ولغرض تحبيبها للنفس، لا يجري الحديث عن الإتفاقية نفسها وعن مضامينها وإيجابياتها أوسلبياتها..الخ، وإنما يتم الأمر بإتجاهين؛ ربط القبول بمساويء العهد الدكتاتوري، وبالتالي فالقبول بالإتفاقية سيكون بديلاً أفضل، كما وربط الحديث عن إنتهاك السيادة المحتمل، هو الآخر بتلك المساويء، وعليه ومن هذا المنظور، يصبح من غير المبرر الرفض بسبب الإنتهاك للسيادة، طالما أن هذه السيادة سبق وأن كانت منتهكة من قبل النظام السابق طبقاً لمقولة هذا الفريق، وضمن هذا الفريق تدخل فئات من مناصري اللبرالية الجديدة..!؟

· ومنها من يرى في القبول المشروط، حاجة فرضها الأمر الواقع، ويمكن القبول بالإتفاقية إذا ماعقدت على أساس التكافيء والندية بين الفريقين، وإذا ما حققت مصالح البلاد الأمنية والإقتصادية، وضمنت السيادة والإستقلال التام، ووفرت الحماية من أي خطر محتمل، وتعهدت إنسحاب القوات الأجنبية وفق جدول زمني، وحرمت إقامة أية قواعد عسكرية، ي جويدخل ضمن هذا الفريق قطاع واسع من منتقدي التستر على الإتفاقية، بل وحتى من بعض رافضي الإتفاقية للسبب المذكور.

· وفريق ثالث، يرى في الإتفاقية ضرورة لا بد منها، لأنها الطريق الوحيد الذي يحمي العراق الجديد والعملية السياسية والمكاسب التي تم تحقيقها، ويدرء عنه المخاطر المحتملة، وفيها يكمن الطريق في الخروج من أحكام الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة. ومن هذا الفريق أطراف سياسية رئيسة في العملية السياسية والحكومة وفي المقدمة منهم سلطة الأقليم الكوردستاني، الذي يقود إثنان من ممثليه في الحكومة الإتحادية، العملية التفاوضية..!؟

ومهما بلغت حدة وشدة دعوات الرفض للإتفاقية، فإن ما يغلب عليها هو حالة الخلط بين الأهداف والبواعث لحالة الرفض نفسها، مما يضع المواطن في حالة من البلبلة الفكرية، التي تصعب عليه عملية الفرز بين المقاصد المتعددة لجهات الرفض، بسبب كثرة أصناف الرافضين من جهة، وغياب الموقف الوطني الموحد والواضح للقوى السياسية..!

ولعل من الملفت للنظر أن تسهم عملية التعتيم والكتمان والسرية التي يمارسها طرفا العملية التفاوضية، في تعقيد موقف المواطن، وتعميق عنصر الشك والريبة لديه، من ما قد يبيت له من وراء الإتفاقية، خاصة وإن إعلام الطرفين المتفاوضين لم ينفك يعلن عن خلو الإتفاقية القادمة من أي بنود سرية، أو ملحقات خاصة تبطن ما لا تحمد عقباه، وهذا ما يدفع المواطن للتساؤل المستمر، إن كان الأمر كذلك، عن أسباب عدم نشر بنود المواد محل التفاوض، أو التي يتم الإتفاق عليها، وأسماء الوفد المفاوض. مما يعطي الرافضين الحق في دعم أسباب رفضهم للإتفاقية . ومما يعزز هواجس الريبة والتشكك، ما تسرب من معلومات عن طريق الإعلام الأجنبي حول بعض النصوص المقترحة لبنود الإتفاقية من قبل الجانب الأمريكي والتي رفضت من قبل الجانب العراقي لمسها بالسيادة العراقية، وهذا مما وسع من رقعة الرفض ..!

ولكن وفي ظل هذه الأجواء تتواصل عملية المفاوضات بين الطرفين الامريكي والعراقي، وتتوالى التصريحات المتناقضة من جانب الطرف الحكومي ، بين الطريق المسدود وبين التواصل، كما تتوالى التصريحات من الجانب الامريكي بين التطمينات والتفاؤل، ولكن شيئاً واحداً يمكن تأكيده، هو أن عملية الإعداد للإتفاقية الأمريكية – العراقية، تجري على قدم وساق، وتطبخ على نار هادئة، في ظل هذا الصخب الدائم والتصريحات المتناقضة للمسؤولين العرااقيين، بدءً من رئيس الوزراء وإنتهاء بأعضاء مجلس النواب..!

فالتلويح الرسمي برفض مشروع المسودة الأمريكية لإنتهاكه السيادة العراقية، والذي فترت سخونته في الأيام الأخيرة، بل وآخذ التنصل منه بطريقة حريرية،(1) لم تدعمه الحكومة بشفافية حقيقية، ترفع فيها ستر التعتيم والسرية عن المفاوضات وعن البنود التي تجري حولها، في وقت تطلب فيه من الجمهور العراقي مساندة المفاوض العراقي، وفي وقت باتت ترشح فيه الكثير من المعلومات السرية عن المطالب الأمريكية للجانب العراقي، وهي في جملتها منتهكة للسيادة العراقية، تلك السيادة، التي يرى فيها البعض من المتحمسين للإتفاقية، أن لا “قيمة” لها، طالما قد أنتهكت سابقاً من قبل النظام السابق..!

وحتى اللحظة لم تبادر الحكومة الى عرض تفاصيل ما جرى ويجري على مجلس النواب، بل تكتفي بالمداولات التي تجري في إجتماعات المجلس السياسي للأمن الوطني، الذي يضم رؤساء بعض الكتل السياسية الممثلة في مجلس النواب، والذي على الصعيد العملي، قد إختزل دور مجلس النواب، وخاصة في القضايا المصيرية، الى حد التغييب..!؟

كل ما قدمناه سابقاً من حديث حول مشروع الإتفاقية المزمع توقيعها قريباً، والدائر بين الرفض والقبول المشروط، وما قدم حولها من سيناريوهات إفتراضية،(2) (3) يظل مجرد تكهنات وإفتراضات، يتحكم بها موقف الكتمان والسرية والغرف المظلمة الذي يمارسه الطرفان المتفاوضان، في جو من الضبابية وإختلاط أوراق اللعبة السياسية، ومع ذلك، فإنه من وارد الكلام التطرق الى ذكر المنطلقات الأساسية التي تندفع منها الأطراف الأساسية التي تقف وراء عقد الإتفاقية المذكورة، ويمكن إيجازها في ما يلي:

· الموقف الأمريكي: (*)

1. ويتحدد في ضرورة عقد الإتفاقية، لكونها تصب في صلب السياسة الأمريكية المعلنة في المنطقة، وتعتبر أحدى الوسائل الأساسية لضمان قوة النفوذ الأمريكي في ميدان الصراع الدولي والإقليمي على مصادر الطاقة، مستفيدة من تواجدها العسكري في العراق، ومن حالة الإحتلال المشرعنة دولياً، مستغلة خصوصية الوضع السياسي في العراق، المُرتهن بأحكام بنود الفصل السابع لميثلق الأمم المتحدة (قرار مجلس الأمن 661 لعام/ 1990 ). فالخروج من أحكام الفصل السابع وفك الإرتهان على الإحتياطي النقدي العراقي(50 مليار دولار) في البنوك الأمريكية، يعتبران من أقوى أوراق الضغط التي تستخدمها أمريكا من أجل الوصول الى عقد الإتفاقية، طبقاً لشروطها التي تؤمن لها تلك الأهداف.

2. عقد الإتفاقية يرتبط شكلياً وعلى أقل تقدير، بحالة النصر التي تدعي تحقيقها الإدارة الأمريكية من وراء غزو العراق علم /2003 وهي في طريقها الى تسليم مقاليد الأمور الى الإدارة الجديدة نهاية العام الحالي.

3. عقد الإتفاقية طبقاً للشروط الأمريكية، يفتح الطريق أمام تلك الإدارة في التأثير على إتجاهات السياسة العراقية وتوجهاتها، في الميادين العسكرية والسياسية والإقتصادية والتعليمية والثقافية.

4. عقد الإتفاقية طبقاً للشروط الأمريكية، يسهل الطريق لربط العراق بمنظومة الدول التي تدخل معها أمريكا بمعاهدات وإتفاقيات عسكرية، مثل تركيا وحلف الأطلسي.

5. مسعى الإدارة الأمريكية الحالية الى توصيف المعاهدة المقترحة، بالإتفاقية، لتجنب عرضها الى الكونغرس الأمريكي وطلب الموافقة، وبنجاح الإدارة بهذا التوصيف، تكون قد حققت الأهداف المرسومة من وراء غزوها للعراق.

· الموقف العراقي: (**)

1. ويتحدد في الحاجة التي تستشعرها كافة الكتل السياسية ضمن العملية السياسية الى المعاهدة، ولكن من منطلقات مختلفة، ترتبط بطبيعة المصالح التي تحرك توجهاتها السياسية. ومنها من ترى في إبرام الإتفاقية الطريق الأضمن لتحقيق تلك المصالح، ومنها من تعتقد بإمكانية الإستفادة من الدعم المعرفي والتقني والخبرة العلمية، التي توفرها الإتفاقية، من أجل إعادة الإعمار والبناء الإقتصادي للعراق، وبناء الدولة الجديدة.

2. القلق المشترك الذي يلقي بظله على الجميع، من إحتمالية تداعيات إنسحاب القوات متعددة الجنسيات في نهاية العام إذا لم يتم التوقيع على الإتفاقية، وما قد ينجم عنه من تعريض التجربة العراقية الى مخاطر التدخل الخارجي والإحتراب الداخلي من أجل السلطة، وتعريض مصالح الكثير من هذه القوى للخطر.

3. الضعف البنيوي لقوى الدولة المسلحة فنياً وتجهيزاً وخبرة وعددا. وهي من الأوراق التي تستثمرها الإدارة الأمريكية في إطالة بقاء وجود قواتها في العراق. تحت طائلة عدم آهلية القوات المسلحة العراقية.

4. التطلع الى الخلاص من إرتهان العراق الى بنود أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو الآخر من الأوراق التي تحاول الإدارة الأمريكية التعلل بها من أجل فرض شروطها المنتهكة لسيادة العراق على المفاوض العراقي.

وكي يتحرر المرء من كل القيود في تقييمه لإتفاقية هي في حكم معاهدة بين بلدين، لم يُعلن عن بنودها بعد، ويجري التفاوض عليها في ظل سرية تامة وكتمان شديد، إلا ما تيسر له من معلومات تسربها وسائل الإعلام هنا وهناك، وجملة تصريحات متناقضة لعدد من المسؤولين من كلا الطرفين، ليس أمامه إلا الرجوع الى المنطلقات الأساسية التي تدفع بالطرفين المتفاوضين لإبرام مثل تلك المعاهدة..!

ومن خلال ملاحظة تلك المنطلقات لكلا الطرفين، يشاهد المراقب الهوة الواسعة بين الإرادتين، من جهة، والتفاوت الحاد بينهما من حيث التكافؤ والندية من جهة أخرى. وبالتالي فإن أي تعاون مشترك يأخذ صيغة التعاهد والتكافل، بين طرفين غير متكافئين في مقياس الندية، وغير متجانسين في حجم الأهداف وطبيعتها، وخاصة في جوانبها الأمنية، ناهيك عن الجوانب الأخرى، إنما هو تعاهد مشوب بالعيب، وهو أقرب في حالته الظاهرة وما تسرب من بعض بنوده السرية، الى عقود الإذعان، التي إذا ماحصلت فإنما يعتبر إبرامها إنتهاك للسيادة الوطنية وتدخل فض في الشؤون الداخلية للبلاد، من خلال إستغلال الأوضاع الإستثنائية التي يمر بها العراق وحاجته لكسر قيود الإرتهان، رغم ما تقوله القاعدة الفقهية ؛ بأن العقد شريعة المتعاقدين..!؟

الملفت للنظر ان المفاوض العراقي رغم كل ما قيل ويقال حول الإتفاقية، ولإسباب غير معلنة، لا زال ممسكاً بحبل السرية والكتمان، محاولاً تمريرها من خلال تلميع صورتها، مقارنة لها بأبشع منها، وهي صورة التدخل الإيراني، مما يعزز لدى المواطن العراقي ولحد بعيد، كل توجسات الخيفة مما يضمره المستقبل له من وراء إبرام إتفاقية غير واضحة المعالم، وتجري في ظل ظروف عدم الإستقرار..!
______________________________________________________
(*) وفقاً لما أعلن عن طريق وسائل الأعلام العالمي حول بنود المسودة الأمريكية للإتفاقية
(**) وفقاً لجملة التصريحات الرسمية ووسائل الأعلام الحكومية
(1) Sotaliraq.com – صوت العراق
(2) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=137243
(3) http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=121232