الرئيسية » مقالات » حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق الحلقة / 19

حرب الخليج الثالثة والكارثة التي حلت بالعراق الحلقة / 19

أولا: تأليف مجلس وطني مؤقت والإعداد للانتخابات البرلمانية
بعد أن تم تشكيل الحكومة المؤقتة، انتقل الحاكم الأمريكي بول بريمر إلى الخطوة التالية القاضية بعقد مؤتمر وطني لتشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية وتشكيل مجلس الرئاسة والحكومة لتحل مكان مجلس الحكم بعد حله عملاً بنص قانون إدارة الحكم في المرحلة الانتقالية الموقع من قبله ومن قبل مجلس الحكم المنحل، الذي جرى بموجبه تحديد أجهزة المنظومة الوطنية، والتي سيجري من خلالها اختيار الأفراد لتلك الأجهزة، حيث يجري حل مجلس الحكم مع تشكيل الجمعية الوطنية الانتقالية التي تقرر أن تضم 100 عضو على أن يكون أعضاء مجلس الحكم الذين لم يشغلوا منصباً وزارياً والبالغ عددهم 20 عضواً من بين أعضاء الجمعية الوطنية المؤقتة شرط أن يتم انتخاب أعضاء الجمعية وفق الشروط التي حددتها اتفاقية إدارة الحكم في المرحلة الانتقالية التي نصت على الأسلوب التالي: . 1ـ يجري انتخاب أعضاء الجمعية الوطنية الانتقالية وفق عملية تتسم بالشفافية، والإشراك، والديمقراطية عبر لجان بحثية في كافة محافظات العراق الثمانية عشرة . 2ـ في كل محافظة تشرف سلطة التحالف المؤقتة على عملية يتم بمقتضاها تشكيل لجنة تنظيمية من العراقيين، وتشمل هذه اللجنة التنظيمية خمسة أفراد يعينهم مجلس الحكم، وخمسة أفراد يعينهم المجلس المؤقت، وفردا واحدا يعينه المجلس المحلي لأكبر خمس مدن داخل المحافظة. 3ـ تقوم اللجنة التنظيمية بالدعوة لانعقاد لجنة انتقاء بالمحافظة من الأعيان من أنحاء المحافظة المختلفة، وللقيام بذلك، يتطلب ترشيح أسماء من مختلف الأحزاب السياسية، والمجالس المحلية في المحافظات، والهيئات المتخصصة والمدنية، والكليات الجامعية، والجماعات القبلية والدينية. . 4ـ يتعين أن يفي المرشحون بالمعايير المحددة لقبول الترشيح حسب ما نص عليها في القانون الأساسي. وسيتعين الموافقة على ترشيح أي مرشح بأغلبية 11 من 15 من اللجنة التنظيمية، لاختيار هذا المرشح كعضو في لجنة الانتقاء البحثية للمحافظة. . 5 ـ تنتخب كل لجنة انتقاء بحثية لكل محافظة ممثلين يمثلون المحافظة في الجمعية الانتقالية الجديدة على أساس نسبة سكان كل المحافظة. 6 ـ تنتخب الجمعية الوطنية الانتقالية في موعد أقصاه 31 أيار 2004.
وهكذا تمت الدعوة لتشكيل هيئة عليا للإعداد للمؤتمر من عدد من القوى السياسية لتتولى الأعداد لعقد المؤتمر الوطني.
لكن الدعوة وُجهت لـ 50 حزبا فقط من اصل 135 حزبا يمثلون الاتجاهات السياسية العراقية، وقد جرى تبرير سبب عدم دعــــوة الأحزاب الثمانين كونها غير معروفة الأهداف والمنهـج، ولعدم اتساع قواعدها الجماهيرية، مما سبب توجها رافضا للمؤتمر من هذه الأحزاب التي شهدت البلاد إعلان المئات منها عقب سقوط نظام صدام حسين في نيسان /ابريل 2003.
وتم التداول لتحديد نسب وعدد الممثلين الذين سيشاركون في انتخاب أعضاء الجمعية الوطنية الانتقالية، وقد تم بالفعل تشكيل تلك الهيئة المشرفة على الانتخاب برئاسة السيد فؤاد معصوم، من التحالف الكردي لتتولى القيام بهذه المهمة.
وقد أعلن الدكتور فؤاد معصوم إن الاتفاق قد تم على توزيع المقاعد، وآلية العمل للمحافظات، وآلية العمل لباقي المقاعد، وجرى تخصيص 548 مقعداً للمحافظات حسب النسبة السكانية بناء على البطاقات التموينية، بالإضافة إلى 90 عضواً من أعضاء الهيئة العليا والذين يشكلون مختلف أطياف الشعب العراقي حزبيين وغير حزبيين إسلاميين وغير إسلاميين وعلمانيين وغيرهم من مكونات الشعب العراقي العربية والكردية والمسيحية والصابئة والأيزيدية والتيارات السياسية الأخرى المختلفة.
أما بالنسبة لبقية المقاعد الذي يصل عددها إلى 300 مقعد فقد جرى تخصيص 40% للأحزاب السياسية القديمة والحديثة الفاعلة، و40% للشخصيات الوطنية العشائرية، والعلمية والفنية والسياسية والدينية و20% لمؤسسات المجتمع المدني، مع وجوب مرعاة وضع التركمان والكلدوآشوريين كأحزاب وشخصيات، وكذلك مؤسسات المجتع المدني، وقد عقد أعضاء المؤتمر الذين جرى اختيارهم جلسات عدة انتهت باختيار أعضاء الجمعية الوطنية، حيث جرى تسمية 81 عضوا في 18 آب/ أغسطس 2004، وأضيف إليهم 19 عضواً من أعضاء مجلس الحكم السابق ليصبح العدد مائة عضو شكلوا الجمعية الوطنية الانتقالية التي حلت محل مجلس الحكم الذي جرى حله في 1 حزيران 2004، حيث ستتولى الجمعية الوطنية الانتقالية دوراً استشارياً للحكومة، من دون أن يكون لها صلاحيات تشريعية. .
لكن في حقيقة الأمر كان اختيار أعضاء الجمعية قد جرى بموجب الأجندة الأمريكية التي كان ينفذها الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، وعلى نفس الأسس الطائفية والعرقية الذي تم بموجبها اختيار مجلس الحكم من قبل، حيث توزعت المقاعد على 40 شيعيا و25 سنيا و25 كرديا و6 تركمان و2 مسيحيين و1 يزيدي و1 صابئي، وضمت عناصر تنتمي لاتجاهات ملكية وجمهورية ويسارية ودينية وعشائرية وتكنوقراط وشخصيات مجتمع مدني وعلمانيين، وحتى بعثيين وعسكريين سابقين.
لكن حزب الوفاق الذي يقوده أياد علاوي رئيس الوزراء، والمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة عبد العزيز الحكيم، وحزب الدعوة الإسلامية بقيادة إبراهيم الجعفري نائب رئيس الجمهورية والحزبين الكرديين بقيادة البارزاني والطالباني كانت لهم حصة الأسد في المجلس .
وقد وصف مستقلون وأعضاء في أحزاب عراقية، وممثلو المحافظات العراقية، وبعض مندوبي منظمات المجتمع المدني قائمة الجمعيةالوطنية الانتقالية الفائزة، والتي قدمها فؤاد معصوم ‏رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر بأنها قائمة أعدت سلفا من قبل الحاكم الأمريكي بول بريمر، ومن تدبير الأحزاب الستة الكبيرة ‏الممثلة في الحكومة العراقية الحالية، واعتبروا أن الجمعية الانتقالية لن تستطيع أن تكون جهة ضاغطة او مراقبة ‏بنزاهة لأداء الحكومة العراقية، ولذلك انسحب بعض الأعضاء من الجمعية، كان من بينهم ممثلو محافظة البصرة، احتجاجا على ضعف تمثيل الجنوب العراقي في المؤتمر على حد تعبيرهم.
ووصف السيد مثال ‏الآلوسي المجلس المنبثق عن المؤتمر الوطني وفق الآلية التي اقترحت بأنه مجلس حكم ‏موسع مشيرا ‏إلى أن بعض ممثلي الأحزاب، وبخاصة الدينية، لا يزالون يفكرون بصيغة المحاصصة الطائفية ولا ‏يستطيعون تجاوز ذلك. . كماانتقد مندوبون مستقلون المؤتمر قائلين انه يحفل بمسؤولي الحكومة ومندوبيها، وان المجلس الذي اختير للإشراف على الحكومة المؤقتة كان مجرد أداة للتصديق التلقائي على قراراتها. .
وهكذا أصبح الأعضاء المئة للجمعية الوطنية المؤقتة بمثابة برلمان للعراق للإشراف ومراقبة عمل الحكومة المؤقتة الحالية والموافقة على ميزانية الدولة للعام المقبل 2005 إلى أن يتم انتخاب برلمان وطني المقرر في أواخر كانون الثاني من عام .2005 . ولدى التئام الجمعية الوطنية المؤقتة تحدث رئيس الوزراء الدكتور أياد علاوي في كلمته أمام المؤتمر عن مهام المجلس الوطني المنتخب بمتابعة إعادة البناء والتنمية الاقتصادية في البلاد، وضمان الأمن وتطبيق القوانين والموافقة على تعيين أعضاء رئاسة الجمهورية، والسلطة التنفيذية في حالة إخلاء مناصبهم عند الاستقالة او الوفاة، وأضاف علاوي أن صلاحيات المجلس ستشمل أيضا حق نقض قرارات رئاسة الوزراء التي لها قوة القانون خلال عشرة أيام من تاريخ إصدارها. كما سيكون للمجلس حق المصادقة على ميزانية الدولة لعام 2005 التي سيقترحها مجلس الوزراء، وقد وصف علاوي أعمال المؤتمر بالخطوة الأولى على طريق البناء الديمقراطي في البلاد لبناء عراق خال من التفرقة الدينية والعنصرية، ووصف المؤتمر بالتحدي الأكبر أمام قوى الظلام التي أرادت تمزيق وحدة البلد قائلاً:
{ إن هذا المؤتمر هو ليس نهاية المطاف في التجربة الفتية بل هو الخطوة الأولى والتي ستعقبها خطوات لقيام نظام ديمقراطي في البلاد}.
وقد حددت الحكومة العراقية في بيانها أمام المؤتمر الخطوط العريضة لمسؤولياتها ومهماتها، معتبرة أنها تتحمل مسؤولية تاريخية خطيرة للنهوض بمهمات عديدة على طريق إنجاز العملية السياسية، ونقل البلاد إلى حكم المؤسسات المنتخبة، والدستور الدائم، والاحتكام إلى الرأي العام العراقي في كل ما يتعلق بشؤونه العامة ومستقبله، وهو ما يتطلب من الحكومة العمل على توفير الأمن، وإنجاز العملية السياسية للانتقال إلى حكم المؤسسات المنتخبة، والارتقاء بالخدمات الأساسية التي يعاني منها المواطن، وتعهدت الحكومة بمخاطبة الشعب بعقل واع، وقلب مفتوح استنادا إلى التواصل والمسؤولية تجاه الوطن ومستقبله.
لكن حكومة علاوي لم تستطع إنجاز كل ما تعهدت به حيث انشغلت في معالجة الوضع الأمني في البلاد.
ثانيا: إصدار قانون الانتخابات البرلمانية
بعد تشكيل حكومة الدكتور أياد علاوي، واختيار الجمعية الوطنية الانتقالية كان أمام سلطات الاحتلال والحكومة الإعداد للمرحلة التالية، والمحددة بموجب اتفاقية إدارة الدولة في المرحلة الانتقالية، والتي نصت على تحديد موعد إجراء الانتخابات البرلمانية، مما يتطلب أصدر قانون تجري بموجبه الانتخابات، وعليه فقد بادرت سلطة الاحتلال إلى إصدار قانون جديد للانتخابات البرلمانية. . لكن القانون الجديد كان قد جعل من العراق كله منطقة انتخابية واحدة بدلاً من أن يقسم العراق إلى مناطق انتخابية متعددة كي يتعرف الناخبون على شخصيات المرشحين للبرلمان في مناطقهم، وينتخبون من يروا فيه الكفاءة والنزاهة، والإيمان الحقيقي بعراقيته، وإلمامه بما يعانيه أبناء المنطقة الانتخابية من مشاكل ومصاعب وأخطار، واتصالاته المباشرة بناخبيه، والاستماع لمطالبهم المشروعة. . أن القانون الذي جعل العراق كله منطقة واحدة قد جاء بنواب لا صلة مباشرة لهم بناخبيهم، بل جرى اختيارهم من قبل قيادة أحزابهم الطائفية والقومية الكردية، وهم أدوات طيعة بيد قيادة أحزابهم تأمرهم فيطيعون، وليست لهم علاقة بالشعب. . وهذا ما يؤكده الواقع، فقد جاءت الانتخابات بعناصر جاهلة، وإمعات، والعديد منهم قد زور شهادته لكي يترشح للانتخابات التي اشترطت أن يكون المرشح حاصلاً على شهادة الدراسة الثانوية على أقل تقدير، وهذا ما أثبتته هيئة النزاهة، وقدمت قضاياهم إلى المحاكم، كما جاءت بعناصر على صلة وثيقة بالميليشيات والعصابات الإرهابية. ورغم كل ذلك فلم يستطع مجلس النواب المنتخب من قبل أحزابهم أن يجتمع في الكثير من الأحيان بسبب عدم اكتمال النصاب حيث يقضي الكثير منهم جل وقته خارج العراق، ويتغيبون عن الجلسات دون مبرر، ودون أية محاسبة، ومن المضحك أن يهدد رئيس المجلس الأعضاء المتغيبين بعد أن تمادوا في غياباتهم، بقطع جزء من رواتبهم!!، كأنهم موظفون عاديون، لا نواب يمثلون شعبهم في أهم سلطة في البلاد هي السلطة التشريعية.
ثالثا: ظهور عشرات الأحزاب استعداداً لخوض الانتخابات
على اثر سقوط النظام العراقي في التاسع من نيسان 2003 ظهرت إلى السطح عدد كبير من الأحزاب السياسية التي لم نكن نسمع بها من قبل حتى جاوز عددها المئة وخمسين حزباً، قبيل الانتخابات الأولى التي جرت في البلاد. . ولم يكن لهذه الأحزاب أي تاريخ نضالي من قبل، وليس لها قاعدة شعبية يعتد بها، فقد كانت مجرد تجمع للعديد من الأشخاص الذين لا ماضي سياسي معروف لهم على أمل الحصول على دعم مادي من جهات وأطراف مختلفة داخلية وخارجية، والرغبة في أن يكون لهم دور في السلطة الجديدة التي أقامها الحاكم المدني بريمر على أنقاض النظام البعثي المنهار. لكن هذه الأحزاب ما لبثت بعد الانتخابات إن اضمحل معظمها كفقاعة صابون بعد أن فشلت في الحصول مقعد في البرلمان المنتخب، وكان من بين تلك الأحزاب: . 1ـ التيار العراقي الديمقراطي 2 ـ حركة المجتمع الديمقراطي 3 ـ تجمع العراق الديمقراطي 4 ـ التيار الإسلامي الديمقراطي 5 ـ التجمع الشعبي الديمقراطي6 ـ التجمع الملكي العراقي الهاشمي 7 ـ حزب الإخاء الوطني العراقي 8ـ حزب الوحدة الاسلامية في العراق 9 ـ تجمع أحفاد ثورة العشرين10 ـ تجمع الوحدة الوطنية العراقية 11ـ ائتلاف الرافدين الديمقراطي 12ـ التجمع الوطني لتيار الوسط 13ـ تجمع الديمقراطيين المستقلين 14ـ جبهة العمل المشترك الديمقراطية 15 ـ الجبهة الوطنية لوحدة العراق 16 ـ التجمع من أجل الديمقراطية العراقي 17 ـ الحركة القومية التركمانية، 18 ـ الحزب الليبرالي الديمقراطي العراقي 19 ـ التجمع الديمقراطي العراقي للتحرر والبناء 20ـ حزب البناء الديمقراطي 21ـ منظمة ثأر الله الإسلامي في العراق 22ـ حزب الوطن الديمقراطي الحر23ـ الحركة الأيزيدية من أجل الإصلاح والتقدم،24ـ حزب الشعب العراقي الديمقراطي 25ـ حزب الطليعة الإسلامي 26ـ الحزب الإسلامي الديمقراطي 27ـ ائتلاف الوطني الديمقراطي 28ـ التحالف الوطني الديمقراطي 29 ـ حركة الوفاق الإسلامي 30 ـ حركة نهضة العراق الجديد 31ـ الجبهة الديمقراطية العربية 32ـ التجمع الوطني العراقي 33ـ حزب الوحدة 34ـ حزب الإنقاذ الوطني العراقي 35ـ التجمع الجمهوري العراقي 36ـ كتلة المصالحة والتحرير37ـ حزب انصار الديمقراطية العراقي 38ـ الكتلة العراقية المستقلة39ـ حزب الأمة العراقية الديمقراطي 40 ـ الجبهة التقدمية المستقلة 41ـ الحزب الإسلامي العراقي 42ـ الحركة الوطنية العراقية والائتلاف المستقل لمنظمات المجتمع المدني 43ـ مؤتمر العراق الديمقراطي الموحد 44ـ حزب الأمة 45ـ ائتلاف العدالة والمستقبل46 ـ حزب المحافظين الكردستاني. (4)
ومن هذا التشكيلة العجيبة نجد أن معظم هذه الأحزاب قد اتخذ من الديمقراطية واجهة له، وهو يشكل بلا أدنى شك أقصى درجات التشرذم والتفكك أمام وحدة أحزب الإسلام السياسي الشيعي التي خاضت الانتخابات بقائمة واحدة أطلقت عليها اسم [الائتلاف العراقي الموحد]، ولو كانت هذه الأحزاب جادة في ديمقراطيتها لوحدت جهدها في جبهة ديمقراطية واحدة مع سائر القوى والأحزاب الديمقراطية والعلمانية والليبرالية كي تقف نداً أمام الائتلاف العراقي.
لكنها اتخذت العمل المستقل سبيلاً لها فكانت النتيجة أن أي منها لم يستطع دخول البرلمان، هذا من جهة ومن الجهة الأخرى فسحت المجال واسعاً أمام استحواذ أحزب الإسلام السياسي الشيعي للحصول عل أكثر من نصف مقاعد البرلمان. . أما الأحزاب المعروفة التي كانت تمارس العمل الحزبي السري فقد تضاءل دورها السياسي أبان عهد النظام السابق إلى أقصى الحدود بعد أن شن صدام حملة وحشية لا تعرف الهوادة تجاهها، وسن قانوناً يحكم بالإعدام على كل من ينتمي لحزب سياسي عدا حزب البعث طبعا، وقد غادر معظم قادة تلك الأحزاب إلى خارج العراق هرباً من بطش النظام الصدامي، وفي مقدمتها قادة حزب الدعوة الاسلامية، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، والحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب العربي الاشتراكي. وبقي قسم منهم في منطقة كردستان التي كانت تحت الحماية الأمريكية البريطانية منذ وقوع الانتفاضة آذار عام 1991، حيث كانت الأحزاب الكردية تمارس نشاطها في المنطقة الكردية بحرية، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الشيوعي الكردستاني، وحزب كادحي كردستان، والحزب الاشتراكي الكردستاني. . وأهم هذه الأحزاب: . 1 ـ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ـ بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم. 2 ـ حزب الدعوة الإسلامية ـ بزعامة إبراهيم الجعفري . 3 ـ الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ بزعامة السيد مسعود البارزاني. 4 ـ الإتحاد الوطني الكردستاني ـ بزعامة السيد جلال الطالباني. 5ـ الحزب الشيوعي العراقي ـ بزعامة السيد حميد مجيد موسى. 6 ـ حركة الوفاق ـ بزعامة الدكتور أياد علاوي. . 7 ـ حزب المؤتمر الوطني العراقي ـ بزعامة الدكتور أحمد الجلبي. 8 ـ الحزب الإسلامي العراقي السني ـ بزعامة السيد طارق الهاشمي.
وقد بادر العديد من قادة وكوادر وأعضاء هذه الأحزاب للعودة إلى العراق على الفور بعد سقوط نظام صدام حسين، واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية لأخذ دورها في العمل السياسي، تحدوها الرغبة في الانخراط في العملية السياسية الحصول على أكبر ما يكون من كعكة الحكم بعد أن انهار نظام صدام بكل مؤسساته وأجهزته الإدارية والأمنية.
ووجدت أحزاب الإسلام السياسي الشيعية فرصتها الذهبية في الحصول على القسم الأعظم من كعكة الحكم، فأحزاب الإسلام السياسي قد وجدت الجو مهيأ لنشاطها في المجتمع العراقي بعد الحملة الإيمانية الصدامية المزيفة، وبعد اليأس الذي أطبق على المجتمع العراقي نتيجة الظروف المعيشية الصعبة التي سببتها حروب صدام وحصار أمريكا اللا إنساني الذي كان يمثل أقسى الحروب التي عاشها الشعب العراقي، فلم يعد أمامه غير التوجه إلى الله والتديّن للخروج من تلك المحنة القاسية، وقد وجدت قوى الإسلام السياسي ضالتها المنشودة للتأثير على جماهير الشعب التي عاشت قرابة الأربعة عقود في ظل الكبت والإرهاب والقتل الذي مارسه نظام صدام ضد الشيعة في جنوب ووسط العراق، وعلى وجه الخصوص خلال انتفاضة آذار 1991، والتي جرى قمعها بأقصى الشدة والهمجية.
وما جرى في جنوب ووسط العراق جرى في كردستان العراق كذلك حيث كانت جرائم النظام الصدامي ما تزال ماثلة أمام أبناء الشعب الكردي خلال حملة الأنفال ومحرقة حلبجة، واستطاعت الأحزاب القومية الكردية التي كانت ممسكة بالسلطة تحت الحماية الأمريكية والبريطانية الحصول حصتها من كعكة الحكم بعد أن شاركت قوات البيشمركة مشاركة فعالة في الحرب إلى جانب القوات الأمريكية، ونالت الحظوة لدى سلطة الاحتلال التي مكنتها من أن تصبح القوة الثانية بعد ائتلاف أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، واستطاعت أن تحقق لها دوراً أساسياً في السلطة بتحالفها مع أحزاب الإسلام السياسي الشيعية.
أما القوى والأحزاب السياسية واليسارية والعلمانية والليبرالية فلم تستطع أن تقييم الظروف السياسية الجديدة تقييماً صحيحاً، وتستجمع صفوفها وقواها في ظل قاسم مشترك تتفق عليه جميعاً كي تستطيع أن تؤثر على مجرى الأحداث في الساحة السياسية، وعلى تركيبة السلطة، حيث بقيت على تشرذمها وانقساماتها، فلم تحقق ما كانت تصبو إليه، وأصبحت عاجزة عن التأثير الجدي في مجرى الإحداث، وجرى تهمشها، ومحاولة إزاحتها من الساحة من قبل أحزاب الإسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني على حد سواء من جهة، ومن قبل إدارة الاحتلال التي وجدت ضالتها المنشودة في قوى الإسلام السياسي، وقوى الأحزاب القومية الكردية.
رابعاً:استقطاب طائفي وعرقي، والسنة يقاطعون الانتخابات
المجتمع العراقي كما هو معروف للجميع متعدد القوميات والأديان والطوائف والمذاهب، ولذلك فقد كانت المحافظة على انسجام مكوناته وتماسكها مرهون بالالتزام بمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ونبذ التعصب والانغلاق، ورفض تكريس الولاء الطائفي
بديلا عن الهوية الوطنية، والولاء للعراق كوطن للجميع.
لقد كانت السياسة التي اتبعها نظام صدام المنهار، والتي انطوت على التصنيف القومي والطائفي، قد كرست الانقسام في المجتمع العراقي، وزرعت بذور الشقاق بين مكونات المجتمع العراقي، ومهدت السبيل للاستقطاب الطائفي والقومي الذي يشهده العراق اليوم.
وجاءت الحرب الأمريكية التي أسقطت نظام البعث لتطلق تلك النعرات الطائفية والقومية من عقالها، واستغلت قوى الإسلام السياسي والقوى القومية الكردية نتائج تلك الحرب لتكريس نهج الاستقطاب الطائفي والعرقي بدل تقديم البرنامج السياسية في تنافسها مع القوى السياسية الأخرى بغية الوصول إلى السلطة وتحكمها بمراكز القرار، وهذا ما أكدته الحملة الانتخابية التي اعتمدت على الطائفية والعرقية لتحقيق الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان، مما أدى إلى تعميق الاستقطاب الطائفي والعرقي في البلاد.
وهكذا جرت الانتخابات في الثلاثين من كانون الثاني عام 2004 تحت ظل الشعارات الطائفية والعرقية، فالمواطنون الشيعة صوتوا لطائفتهم بشكل عام بعد الذي أصابهم من طغيان النظام المنهار ما أصابهم، وكذلك الأكراد صوتوا لقوميتهم في ذهنهم حملة الأنفال السيئة الصيت، وجريمة ضرب حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وكانت المقابر الجماعية التي تم كشفها لمئات الألوف من المواطنين الشيعة والأكراد وسائر الوطنيين قد ساهمت إلى حد كبير في تأجيج مشاعر الكراهية والعداء تجاه الطائفية السنية، واستغلت كسلاح فعال في الحملة الانتخابية التي جاءت بنتائج حاسمة لصالح قوى الإسلام الطائفي الشيعية، والأحزاب القومية الكردية، ولاسيما بعد أن قاطعت الطائفة السنية بمختلف توجهاتها الانتخابات تحت تأثير القوى الإرهابية التي كانت تمارس جرائمها الوحشية على الساحة العراقية من جهة، وتحت تأثير قوى الإسلام الطائفي السنية المتمثل بـ [مجلس الشورى وأهل السنة] بزعامة حارث الضاري، وجبهة الوفاق العراقية والمرتبطة بشكل مباشر بالنشاط الإرهابي الذي كانت تمارسه العناصر البعثية بالتعاون والتنسيق مع عناصر القاعدة التي كانت تتسلل عبر الحدود السورية والسعودية والإيرانية كل يوم، وتنفذ جرائمها الوحشية البشعة في مختلف المدن العراقية حيث لم يكد يمر يوماً واحداً دون تفجير السيارات المفخخة والعبوات والأحزمة الناسفة، منزلة الخسائر الجسيمة بأرواح المواطنين الأبرياء، وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، ولاشك أن قوى الإرهاب الفاشية والظلامية لعبت دوراً كبيراً في تعميق وتفاقم مشاعر الكراهية والعداء لدى المواطنين في الطائفتين الشيعية والسنية من جهة، والتعصب القومي والكراهية من جهة أخرى لمنع أي تقارب وتنسيق بين القوى السياسية المتنافسة على السلطة، بل سعت بدل ذلك لدفعها للصراع المسلح.
وهكذا دخلت الأحزاب الدينية الشيعية في ائتلاف فيما بينها أطلقت عليه [قائمة الائتلاف العراقي الموحد] في 6 كانون الأول /ديسمبر2004. فيما شكلت الأحزاب الكردية قائمتها الموحدة تحت اسم [ قائمة التحالف الكردستاني]. في حين امتنعت أحزاب الإسلام السياسي السني عن المشاركة في الانتخابات وقاطعتها، واضطرت الغالبية من الطائفة السنية غير المرتبطة بهذه الأحزاب إلى الانكفاء وعدم المشاركة خوفاً من قوى الإرهاب التي كانت تسيطر على الشارع العراقي في تلك المناطق ذات الأغلبية السنية، وفي بغداد العاصمة، مما مهد الطريق لأحزاب الإسلام السياسي الشيعية والأحزاب القومية الكردية لجني اكبر المكاسب في الانتخابات دون منافس، وخرجت القائمتان من تلك الانتخابات بحصة الأسد في عدد المقاعد التي حصلت عليها، حيث شكلت كتلة الائتلاف العراقي الشيعية، وكتلة الأحزاب القومية الكردية أغلبية الثلثين في البرلمان، وبادرت إلى تشكيل تحالف بينهما، وبات هذا التحالف يتحكم بمراكز السلطة كافة، ولعب دوراً أساسياً في تشريع الدستور العراقي الجديد الذي جاء مخيباً لآمال الشعب العراقي في قيام نظام حكم ديمقراطي علماني في البلاد، وعمقت العديد من بنوده الخلافات بين مكونات الشعب العراقي، وباتت كبرميل بارود يهدد الوحدة الوطنية بانفجار الصراع الطائفي والعراقي على نطاق واسع.
أما القوى العلمانية والديمقراطية واليسارية فقد أصيبت بخيبة أمل كبير من نتائج الانتخابات بعد أن هيمنت أحزاب الإسلام السياسي الشيعية، والأحزاب القومية الكردية على سائر مرافق السلطة والبرلمان، من دون أن يكون لها أي دور مؤثر على مجرى العملية السياسية في البلاد. وأخيراً بدأت تدرك بعد فوات الأوان ضرورة وأهمية وحدة القوى العلمانية والليبرالية واليسارية، حيث وجه الحزب الشيوعي والحزب الوطني الديمقراطي والحزب العربي الاشتراكي مؤخراً دعوة لتشكيل تحالف جديد فيما بينها ، مع دعوة سائر القوى العلمانية والليبرالية واليسارية الأخرى للإنظمام لهذا التحالف، لكن ذلك يتطلب وقتاً طويلاً وجهدا كبيراً وإمكانيات مادية يفتقدها، ليأخذ هذا التحالف دوره المؤثر على الساحة العراقية.