الرئيسية » مقالات » الثقافة العراقية بين الاصالة والطفيلية

الثقافة العراقية بين الاصالة والطفيلية

في مقابلة مع قناة فضائية عراقية قبل ايام يؤكد نوري الراوي وزير الثقافة الاسبق في عهد ابراهيم الجعفري انه من المرشحين الاقوياء لتولي حقيبة وزارة الثقافة مجددا في حكومة المالكي الجديدة،وان الثقافة العراقية ازدهرت في عهده الا من بعض الصعوبات والعراقيل هنا وهناك.ويضيف الشرطي والتاجر بالعلف الحيواني وصاحب مدرسة ثقافة(حاضر سيدي) انه لا يمانع في تولي اية حقيبة وزارية اخرى فالامر يرجع الى رئاسة مجلس الوزراء الموقر.قبل ذلك،وعندما قرر المجلس المركزي للاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق في اجتماعه الاعتيادي 22 حزيران 2007 اصدار بيان يدين الممارسات الخاطئة لوزارة الثقافة في تعاملها البيروقراطي غير الودي مع الادباء ايام انعقاد مهرجان المربد الرابع في البصرة 2- 4 حزيران فانه كان يدرك تماما ان هذه الممارسات لم تكن وليدة الساعة بل نتاج تراكمات العقود الاخيرة من تاريخ العراق السياسي الحديث عندما لم توفر سياسات النظام الدكتاتوري السابق فرصا حقيقية لنمو ثقافة حرة ومنفتحة يعبر من خلالها المثقف عن عالمه الابداعي وينمي فرص تطوير المواهب والعقول الشابة الطامحة الى التعبير عن عالمها الفكري والاخلاقي والاجتماعي.رغم ذلك تكررت الممارسات الخاطئة لوزارة الثقافة في تعاملها البيروقراطي غير الودي مع الادباء ايام انعقاد مهرجان المربد الخامس في البصرة،وبدل ان يبادر جابر الجابري الوكيل الأقدم في وزارة الثقافة لتقديم الاعتذار الى الاعلاميين الذين اعتدت عليهم حراساته في حينها وجه لهم السباب والشتائم التي تكشف بقوة عن حقيقة معدنه الثقافي الردئ،وهاهو الجابري(قدس)يشن حملته الشعواء مجددا ضد الأدباء واتحادهم من على منبر مهرجان المتنبي السابع الذي انعقد مؤخرا في واسط حيث كال لهم التهم وحرض ضد وحدتهم وتدخل في شؤون مهنية ونقابية تتعلق بالحياة الداخلية للاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق التي وزارة الثقافة ليست معنية بها بصورة مباشرة بل تتعلق اساسا بالهيئة العامة للاتحاد.اثارت مقاطعة عدد من الأدباء لمهرجاني المتنبي والواسطي اللذين اقيما مؤخرا في محافظة واسط التساؤلات عن طبيعة العلاقة بين وزارة الثقافة والمنظمات غير الحكومية الثقافية ومنها اتحاد الأدباء والتشكيليين.الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق لم يخلص بعد من مشاكسات اتحاد الكتاب العرب،ليواجه اليوم طفيليي الثقافة العراقية الحرة!
لقد رفض اتحاد الكتاب العرب ولازال شرعية الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق وليشغل الكرسي الذي كان يشغله المجرمون والقتلة وكاولية ثقافة حميد سعيد ومحمد سعيد الصحاف وهاني وهيب وسامي مهدي وعبد المنعم حمندي وجواد الحطاب ورعد بندر وامل الجبوري ونصيف الناصري وخالد علي مصطفى وعبد المطلب محمود ولؤي حقي واديب ناصر وباقي زمرة هز الوسط البعثية!رفض اتحاد الكتاب العرب عضوية منظمة الجواهري والبياتي ورشدي العامل وكوران وشيركو بيكس والتي يقودها اليوم ادباء عراقيون نار على علم لانها لا تنسجم مع اخلاقيات البعث في ضرورة مديح الطغاة ومتطلبات الامن القومي!.الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق الذي رفضت عضويته في اتحاد الكتاب العرب رفض هو الآخر مسايرة ضغوطات الابتزاز على سياسته المعلنة واكد مرارا انه لا يقبل في عضويته المتملقون واشباه الادباء والكتاب والمتطفلون والاوصياء على الادب والثقافة،ومن الذين سجلوا مواقفهم على صفحات مجلات وصحف النظام المسحوق ونشروا القصائد والقصص والمقالات والتهاني والأحاسيس والمشاعر في اوسع عملية استخفاف بعواطف الناس المغلوبين على امرهم،وكتبوا عن بطولات صدام المهزوم الموهومة وحولوا هزائمه الى نصر مؤزر وسموه بطل التحرير القومي،وكتبوا عن ايام حكمه باعتزاز وعدوها بانها فخر العرب والعراقيين وانه نعمة من الله تعالى..وذهب البعض الى وصفه بانه النبي والاله وانه حلم باسرائه ومعراجه وانه الغالب لا المغلوب والزاهي الاسعد والحاكم الامثل الاوحد والمتحضر الاول وحامي المقدسات وموحد الشعب غير المفرق والقوي الامين والزاهد والمتصوف المتدين الذي لا مثيل له ومخترع الوصايا.وقال عنه البعض بانه الكرامة والخبز والنعمة.اكد الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق الذي رفضت عضويته في اتحاد الكتاب العرب انه لا يقبل في عضويته اولئك الشحاذون والمنافقون وقتلة العراقيين الذين سجلت لهم شرف سرقة خبز الجياع وعزهم باستلامهم دنانير الطاغوت الاخرق عن كلمات تافهة ذليلة كسيحة لا تنتمي الى الادب ولا الى أي جنس ثقافي اخر،والذين كتبوا ممجدين الحرب والقتل والقنابل وازيز الرصاص باسلوب رخيص ومبتذل،والذين تجردوا من كل التزام اخلاقي فاصدروا عشرات بل مئات من روايات(قادسية صدام)وقصص تحت لهيب النار ودواوين القادسية التي تحتفي وتشجع وتمارس نزعة القتل والموت وتستهين بمشاعر واحاسيس المواطن العراقي والذي قال عنها الناقد الدعي سليم السامرائي انه(ادب ضرورة)!.واصل ادباء(بالروح بالدم)اصرارهم على عدم الاعتذار العلني للعراقيين عنما اقترفوه من آثام وتبرئة صفحاتهم الملطخة.
هل التاريخ يعيد نفسه(History repeats itself)!؟قد يعيد ولكن بشكل جديد ومادة جديدة،وعلينا استخلاص العبر والدروس.وان تواجد شبه اجماع على تقييم نوري الراوي،فان موقف الجابري يتأرجح بين الموقف الشخصي الفردي وبين الموقف الرسمي لوزارة الثقافة والجهات الرسمية في الحكومة والدولة.لقد كانت عوالم الادب والفكر والفنون والثقافة بشتى اشكالها فرصة للتشويه والالزام والتسفيه طيلة العقود الماضية مما اورث مجتمعنا تقاليد مريضة وغير صحية طغت على التقاليد الانسانية والاصيلة للثقافة والفنون والفكر والابداع في عراقنا،واتخذت حكومات ما بعد التاسع من نيسان هي الاخرى موقف المتفرج الواعظ من المثقف العراقي فيما عدا شذرات من الجهد الجاد هنا وهناك.
سقط الطاغية ولم تسقط الولاءات والافكار الشريرة الخبيثة التي تعيق المسيرة الثقافية في بلادنا لتنتعش الولاءات دون الوطنية وبالاخص الطائفية والعشائرية والشللية والمناطقية وليزدهر الفساد الذي يعيش اوج كرنفالاته اليوم.الثقافة الوطنية في بلادنا اصيلة في نهجها النزوع الى التغيير حسب مقتضيات الحاضر ومتطلبات تطوير التجربة التاريخية،وفضح طرائق تبرير النكوص الى الماضي وتقديسه ونفيه وتفريغه من محتواه بدعوى تجاوزه والانتقال من اصولية مقنعة الى اصولية سافرة،وفضح المواقف الجامدة الآيديولوجية الرجعية باطلاق العنان للفكر وتحريره من اسر الادلجة.الثقافة الوطنية في بلادنا اصيلة بفضحها النهج الذي يقاوم رياح الانفتاح والتغيير ومحاولات التكيف والاندماج مع متطلبات العصر،والنهج الذي يترجم النصوص الدينية ويفسرها على هواه وحسب مصالحه ليستخرج منها خطابه السياسي والتعبوي الذي ينوي به السيطرة على المجتمع وتحويله بالقوة والعنف الى مجتمع يتماشى مع مخططاته ورؤيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والآيديولوجية اي برامج لا تختلف عن التوجهات الدكتاتورية ولكن باوجه والوان واسماء مختلفة.الثقافة الوطنية في بلادنا اصيلة بفضحها نهج الهيمنة الشمولية على تفكير الرأي العام والسيطرة على ردود افعاله عبر عملية غسل الدماغ المنظمة والمدروسة.الثقافة الوطنية في بلادنا اصيلة بفضحها الحركات والافكار السياسية التي تسعى الى اقامة الدولة الاسلامية والدولة الطائفية بهذا الشكل او ذاك.الثقافة الوطنية في بلادنا اصيلة بفضحها محاولات غسل ذاكرة الشعب الوطنية التي ابتدأت بالجريمة الأساس في حرق المكتبة الوطنية – الذاكرة العلمية للشعب ومصدره في البحث العلمي ومثلها كل مكتبات العراق ومراكزه البحثية المعرفية من مختبرات ومصانع بحوث، وبفضحها محاولات اعتقال العقل واغتياله وممارسة الارهاب ضده – العمل الخطيرالذي ينذر بالكارثة المحدقة لصالح تسيير الناس وتدجين وتضليل عقولهم وفي السعي للابتلاع الحكومي لوسائل الأعلام!.الثقافة الوطنية في بلادنا اصيلة لأنها تبقي الثقافة وسيلة للتنوير والارتقاء الروحي وشرطا لتطوير المجتمع وأنسنته.الثقافة الوطنية الحقة- ثقافة غائبة،وتنعم اليوم ب(حاضر سيدي)المثقف– الهارب من وجه العدالة وزراء للثقافة في حكومات الائتلاف العراقي الموحد.ومع ان الثقافة لا تصنعها الدولة ذلك ان من يصنعها هم المثقفون انفسهم،الدولة يمكنها ان تساهم سلبا او إيجابا في انعاش طراز معين من الثقافة،فان صناعة الثقافة يقوم بها المثقفون انفسهم،بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والأهلية،وهي نتاج تحول اجتماعي وشاهدة عليه،وهي منجزات فردية بالدرجة بالأولى.
يبدو ان اصل المشكلة الثقافية اليوم في العراق هي محاولات التدخل الحكومية البائسة لتحويل الدولة العراقية الى مركز عصبوي جديد استبدادي بدل ان تكون وسيلة استخراج وبلورة الارادة والاجماع الوطني،وهذا احتضار سياسي ومسخرة كاريكاتيرية تعري محاولات تكوين طائفة جديدة او قبيلة جديدة هي عصابة اصحاب الحكم واتباعهم!وليس غريبا ان نجد وزارة الثقافة اليوم تعج بالموتورين من الحثالات الثقافية – القطاعات الثقاقية المنبوذة او المتساقطة في معمعانة الصراع الثقافي حامي الوطيس.ثقافة الراوي والجابري هي ثقافة الخداع الدائم والشقاوة الابدية وثقافة الرايات السوداء والملابس السوداء والبكاء على الأموات والاطلال واللطم على الصدور وضرب الرأس بالقامات واسالة الدماء منها ولبس الأكفان البيضاء والتباهي بها وضرب السلاسل وتعذيب الذات،ثقافة اشاعة مشاريع الجهاد(احتراف القتل)الى مالا نهاية، ثقافة الفساد.التطور الانترنيتي والتطور الرياضي والاقمار الصناعية،الموسيقى والباليه والسينما والمسرح والفن التشكيلي والمهرجانات الشعرية، كلها لا تعجب بالطبع الانظمة الشمولية وأعداء التقدم الاجتماعي لأنها تشعرهم بالضعف والعجز عن التحكم بالناس ومراقبتهم!ان المنظومة الفكرية والثقافية للدكتاتورية البائدة والطائفية السياسية لوثتا الشارع العراقي وسممت اجواءه الثقافية معتمدة على ثقافة العنف والتصفية والتهميش والتجهيل والتنسيق مع حلفائهما من الظلاميين والمجرمين الذين يعتبرون النور والثقافة المتنورة كفر وضلالة ويعملون على عودة الناس الى الكهوف والظلام.
يريدون اشاعة ثقافة اليأس والخنوع..ونريد اشاعة ثقافة الأمل والاحتجاج والنزاهة والثقافة المطلبية..ذلك البصيص من الضوء في آخر النفق سيتحول يوما الى نور يضيء روح الاحتجاج على الباطل والمطالبة بالحق والسعي الى خير الانسان..وتلك الرايات التي تبدو اليوم متفرقة ستخفق في ايادي ملايين المنشدين السائرين نحو عراق جديد حقا وستملأ في الغد فضاء الرافدين..لا تنفع طفيلية الثقافة العراقية الصعلكة السياسية بالمحافل والندوات والمناسف الدينية لأنها فقط ترويح عن النفس وتنفيس للاحتقان السياسي والتلذذ بلمس احلى الكلام … ياسلام!… فيما تسيل دماء الوطن وتتضخم ملفات الارهاب والفساد.الثقافة العراقية التي قادها علماء وادباء عراقيون نار على علم لم تنسجم مع اخلاقيات البعث ولن تنسجم مع الاخلاقيات الحكومية المبتذلة في ضرورة مديح متطلبات الامن الوطني والقومي والقادة – آيات الله الضرورة!لا اعمار للوطن من دون اعمار الثقافة!مجدا للمثقف العراقي شهيدا وسجينا وملاحقا عصيا على التدجين!!.


المصادر:
1. سلام ابراهيم عطوف كبة/ثقافة القطيع الاقصائية والمشاريع السياسية والطائفية المقيتة.
2. سلام ابراهيم عطوف كبة/الحقوق النقابية والتدخل الحكومي وثقافة القطيع.
3. سلام ابراهيم عطوف كبة/ثقافة السلام في العراق وكردستان.
4. سلام ابراهيم عطوف كبة/الدستور العراقي واعادة اعمار ثقافة وديمقراطية الطفل.
5. سلام ابراهيم عطوف كبة/الثقافة في عراق التاسع من نيسان.
6. سلام ابراهيم عطوف كبة/ادانة ممارسات وزارة الثقافة العراقية.
7. سلام ابراهيم عطوف كبة/عقلية الوصاية على العقل والعلم والتربية الرياضية في العراق.
8. سلام ابراهيم عطوف كبة/ثقافات الجوهر المتماثل والمظهر المختلف.
9. سلام ابراهيم عطوف كبة/اللعب بقيم الثقافة هو لعب على شفير السيف.
10. سلام ابراهيم عطوف كبة/معوقات اعادة بناء ثقافة الطفل في بلادنا.
11. سلام ابراهيم عطوف كبة/جامعة بغداد والتأرجح الاكاديمي بين العمل الحر المستقل والظاهرة الروزخونية.
12. سلام ابراهيم عطوف كبة/الثقافة والأعلام وحقوق الانسان في عراق التنمية البشرية المستدامة.
13. فاضل ثامر/هل يمثل موقف السيد الجابري سياسة وزارة الثقافة أم هو موقف فردي شخصي؟
14. رضا الظاهر/ثقافة الخنوع..ثقافة المقاومة..
15. علاء الماجد/دور المثقف والأديب في نشر ثقافة النزاهة.

17/6/2008