الرئيسية » مقالات » في وهم تحييد الثقافة

في وهم تحييد الثقافة

ليس سهلاً، إلاّ في معرض الإطناب والتفخيم والسخاء اللفظيّ، وصف الثقافة السياسيّة العراقية بالصدقية، كي لا نقول النزاهة. فقاموس التهم المتبادلة هو جذر مشترك أعظم للحامل الاجتماعي الذي تتشكل ضمنه ما يمكن أن نطلق عليه جزافاً “نخبة مثقفة”.

واقع الأمر، أن نزعة كهذه لا تُعدم الصلة بميل طاغٍ إلى استبعاد المعاني والدلالات عموماً وردّها إلى رغبات أيديولوجيّة محضة. فحين تقوم ميليشيا مسلحة توسيع سلطتها، وتعميق حضورها، تغدو القوانين المرعية معاني بلا معنى. وحين يصرّ البعض على احتفاظ مليشيا “جيش المهدي” بسلاحها، يصير القانون العام ومبدأ احتكار الدولة لأدوات العنف، هي الأخرى، معاني بلا معنى.

تتعدد “النخبة المثقفة” هذه وتتنوع، طبقيا ودينيا واثنيا ومناطقيا، وبالتالي تتعدد القوى والنخب وتحترب دورياً على المكشوف أحياناً وعلى المضمر أحياناً أخرى بحيث تشكل حالات “السلم الأهلي” حرباً مضمرة أكثر مما تشكل حالات “الحرب الأهلية” سلماً مؤقتاً.

في هذا الخصوص، انضوت قوى السلطة ضمن فرق عدة أصبحت لكل منها نخبته المثقفة كما أن ضمن كل فريق نخب ثانوية لكل قوة وفئة فيه. وتألفت كل هذه الفرق والنخب المتفرعة عنها من نخب بالمعنى الواسع التي تضم المتعلمين والمثقفين ورجال الدين وكوادر الأحزاب وتنتشر في الأحياء والقرى والمدارس والجامعات ومن نخب بالمعنى الضيق التي تضم المفكرين والإعلاميين ورجال الدين في المراتب العليا وقادة الأحزاب.

وإذا كان حقل انتشار قوى السلطة واسعاً في السياسة والمجتمع، فإن حقل انتشار الثانية واسع في التاريخ الاجتماعي وتأثيرها السياسي، مرئياً ومسموعاً ومكتوباً، موجّه للنخب الأولى وللجمهور العريض. وتستخدم هذه النخبة وسائل الإعلام بالدرجة الأولى ثم الكتاب والنشرة والمنشور بالدرجة الثانية. وقد كانت وسائل الإعلام في عراق صدام حسين محصورة بعدد محدود من الإذاعات الرسمية ومحطتي تلفزة، واقتصر استخدامها على نخبة الفئة الحاكمة. ثم أسس السادة الجدد محطاتهم وإذاعاتهم لاحقاً، أما الصحف فأصبحت مباحة للجميع، وبخاصة في إطار التنافس بينها، في ظل الحريات العامة الواسعة، وكذا الكتب والنشرات والدوريات على اختلافها.

وبرغم التباين في مضمون خطب هذه النخب وطبيعتها، فإن مشتركين يجمعان بينها هما: أولهما، الدور الأداتي لكل نخبة، إذ باتت العدة الإيديولوجية التي تستخدمها كل قوة بما تمثل في معاركها العسكرية والسياسية فبرّرت ونظّرت لقوتها في وجه القوى والفئات الأخرى. وثانياً الطبيعة الإيديولوجية لخطب هذه النخب، إن من حيث التعبئة والتحشيد أو من حيث التمويه والتزييف .وقد كانت النخب الضيقة تضخ والنخب الواسعة تتلقى، وكلاهما في مندرج خدمة قرار القوى النافذة على أرض الواقع.

وقاد هذان المشتركان عند “النخب المثقفة” إلى لعب دور المحرض على تصعيد العنف والمنظر له، فكانت بذلك أداة التعبئة والتحشيد وأداة التمويه والتزيين والتزييف، التي أخفت الطبيعة السياسية للعنف بحجج إيديولوجية. وهذان المشتركان جعلا هذه النخب مساهمة في الخراب من زاويتين: الأولى، عدم نقد لغة العنف، كأداة لحل الخلافات، وخطاباتها المبررة لها، فكانت بذلك نخباً امتثالية لا نقدية. وإذا كانت النخب المثقفة، بالمعنى الواسع، معذورة أو غير ملامة في تقصيرها لضعف قدرتها، فكريا، وهامشية موقعها مؤسسيّاً، فإن النخب المثقفة، بالمعنى الضيق، ملامة لقدرتها على تقديم بدائل، فكريا ومؤسسيّاً. أما الثانية فهي التعبئة الإيديولوجية، إذ استطاعت هذه النخب بتغليبها الطابع الإيديولوجي على السياسي في خطاباتها أن تقنع الجمهور الواسع بمسلسل القتل على الهوية وحملات التطهير المذهبي.

وهذا بالضبط ما أصاب النخب المثقفة في هذه المرحلة؛ إذ تبين لكل منها طوباوية خطابها وعجز القوى التي تمثل عن تحقيقه. إلا أنها انكفأت في غالبيتها دون أن تراجع دورها وبقيت النخب الضيقة تمارس الدور نفسه. وبرغم وضوح غلبة الوجه الطائفي على الصراع المحلي وانكشاف الوجه الخارجي فيها، فان النخب المثقفة التي نظّرت للصراع لم تمارس نقداً لدورها، بعد انكشاف هذا التحول. كما لم تمارس النقد عندما تبين عدم نجاح أي من قواها في تحقيق مشروعها وخطل تنظيرات كل منها؛ فلا تحقق الحفاظ على الكيان وسيادته، لا بل انتقصت السيادة، ولا بناء النظام الديموقراطي أنجز، لا بل تراجع الأول وارتجت الثانية.

ومهما يكن من أمر، فإن المشهد الثقافي الراهن لا ينبئ بتغير ايجابي، لا بل التغير السلبي هو الظاهر، فالنخب المؤثرة ازداد صفاؤها الطائفي وتراجع تأثير النخب غير الطائفية في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، لا بل استتبعت، في غالبيتها للأولى، وأصبحت أكثر تماهيا مع قواها السياسة وتلعب دور أداتها، بامتياز. كما أن خطب هذه النخب اغرق بالايديولوجيا بما لا يقاس بإغراق المرحلة السابقة، فغاب الكلام السياسي أو غيّب ليحل محله كلام الهوية والرسالة والمشروع وما فوقه، وإذا ما حضر الكلام السياسي، أو بعض منه، حضر لينقض مقومات الاجتماع السياسي وانتظامه. كما تراجع حجم النخب الثقافية الرافضة منطق الاستقطاب الطائفي لتقتصر على بعض المثقفين في بعض الصحف وفي صفحات الثقافة والرأي وعلى قلة من السياسيين المرتبكين في تصريحاتهم.

إن النخب المثقفة، جماعات وإفراداً، مدعوة إلى إدراك طبيعتها المميزة ودورها المؤثر دون أوهام انسلاخ كل منها عن فئتها، وإنما بلعب دور عقلاني وواقعي وبتقديم خيارات بديلة ومتدرجة لتحقيق مصالح جماعاتها ومشاريعها، وبخاصة أن الاستقطابات الطائفية الحادة التي عرفها العراق، لم تؤتِ ثماراً لقواها المحلية ولم يتمكن أي منها من الحسم والانتصار.

كاتب وأكاديمي عراقي