الرئيسية » مقالات » (ميسان) مجردة من السلاح.. حسنا..متى تُجَرَّد من البؤس؟!

(ميسان) مجردة من السلاح.. حسنا..متى تُجَرَّد من البؤس؟!

“ميسان” حاضرة زمانها ومكانها..

ومقبرة الأحياء من أهلها ..

وشاهد حرمانهم ..

ومصدر اتهامهم الذي يلاحقهم أينما حلوا..

فهذه “العمارة”التي تشظت إلى “عمارة”ات ، ولدت وتكاثرت وتجذرت وتفرعت في مدن العراق كافة ..كمستوطنات بائسة تبغضها السلطة وتخشاها..

بدءاً من مدينة “الثورة” في بغداد التي يشكل أبناء “العمارة” معظم سكانها..

والتي منح أرضها لهم المرحوم عبد الكريم قاسم بعد أن كانوا يستوطنون على (ضفاف شطيط- اكبر مستنقع للبعوض والذباب في العراق ..الذي كان يغشى وجه بغداد الملكية) خلف السدة..وفي شقوص القصب التي يحملونها مع بؤسهم أينما يرتحلون ويتشبثون ..

وتكاثرت (شظايا) “العمارة” على الأطراف الفقيرة والمحرومة من بغداد..وفي مدن العراق الأخرى..

بل أن الفارين من أبناء هذه المدينة إلى بقاع العالم مازالوا ملاحقين بجور الأنظمة و”بغيج” أهلهم في “القادرية” و”المشرح” و”الكحلاء” و”الميمونة” و”قلعة صالح” و”علي الغربي” و”علي الشجري”و”المجر”و”العزير”و”الطويل”..

……………

هذه “الخرابة اليوم” الموبوءة بالظمأ..

سماها الآراميون ميسان “أي ..وطن المياه”..وكانت إمارة مزدهرة حكمت إقليمها لقرون مديدة قبل الميلاد..بـ(311 عاما)…

………………….

وكانت هذه (الخرابة) ولاية خصبة لعامل أبي جعفر المنصور (عمارة بن الحمزة)عندما كان المنصور منشغلا ببناء بغداد..قبل أكثر من ألف عام ..والتي سميت باسمه “العمارة”..

…………….

وهذه (الخرابة) كانت مدينة زاخرة بالزراعة والصيد عندما فتحها عتبة ابن غزوان في زمن الخليفة عمر بن الخطاب، في القرن الأول الهجري..

…………………

وفي ثورة العشرين كان أهلها في مقدمة من نحروا جيوش الغزاة الانجليز..

………………….

هذه “الخرابة” التي عرف أبنائها ككل أهل العراق بحب القراءة والعصيان على الطغاة..

شهدت افتتاح أول مكتبة عامة في الشرق الأوسط عام 1938 ، وعقد فيها أول مؤتمر للمكتبيين العرب عام 1960 برعاية اليونسكو..

………………

وتشكلت فيها أول حلقة تنظيمية فلاحية ضد الإقطاع في العراق عام 1948 ..

………………….

وتوالت على هذه “الخرابة” قرون من الطغيان والإقصاء والعسف الذي جعلها من بين اشد مدن العالم طردا للسكان ..حيث كانت في أربعينات وخمسينات القرن الماضي ثاني مدينة عراقية من حيث عدد السكان..

…………………..

وعشعش في هذه (الخرابة) اشد أشكال الإقطاع استلابا للأرض في العالم ..وبعدها تأتي الصين من حيث عسف الإقطاع واستلابه للأرض!.. (حسب دراسة الدكتور مكرم الطالباني عن الإصلاح الزراعي بعد ثورة تموز 1958 ).

……………..

وفي سجن هذه “الخرابة” المحصور بين مدرسة الأمير الابتدائية وخرابة سعده ..مرت قوافل من خيرة المناضلين الوطنيين من كل أنحاء العراق..في أربعينات وخمسينات القرن الماضي ..وحفهم أهلها بالود والتعاضد والتضامن خلال إضراباتهم داخل السجن، أو عندما كانوا يساقون لرصف الشوارع بالطابوق..

………………..

وخلدها الجواهري الكبير بقصيدة “ام عوف”..وأطلق منها مظفر النواب صرخته بوجه الإقطاع غداة الغدر بصاحب ملا خصاف..”صويحب لو يموت المنجل يداعي..”

………………….

وعلى هذه (الخرابة) توالى اشد المتحكمين المبتعثين من قبل مغتصبي بغداد وحشية وكراهية لأهلها..

………….

وعلى جفون هذه (الخرابة)وفوق هامتها ، وعلى فؤادها تساقطت كل أنواع القذائف ،وتفجرت مختلف أصناف المبيدات..في حروب النظام المقبور وحملاته الدموية وأثناء استباحة الغزاة لوطننا..

فأصبحت هذه “الخرابة” من البقاع المغضوب عليها من الحكام وأذيالهم..منذ تأسيس دولة “كوكس النقيب” في مطلع القرن الماضي…حيث تفشت وسادت ثقافة التمييز الطائفي والعرقي والكراهية للآخر..

……………….

وأنت اليوم تأتي ومعك قوة كبيرة من رجال الجيش والشرطة والأمن وبإسناد قوات الاحتلال..بهدف القبض على عشرات “المطلوبين” (كما ذكرت وسائل الإعلام)…..

مما يثير التساؤل المشروع..

هل يحتاج عشرات الخارجين على القانون كل هذه القوة لإلقاء القبض عليهم؟

أم أن هذه القوة جاءت لا عادة “المحافظة” إلى سلطة القانون؟

……………………….

وهنا لابد من الاستدراك..

والتأكيد على..

إننا من أشد وأول المطالبين بـ:

· تجريد العراق من الاحتلال!

· وتجريد السلطة من المحاصصة الطائفية والعرقية!

· وتجريد المجتمع من السلاح!

· وتجريد الدولة من الفساد!

· وتجريد حياتنا من التخلف!

· وتجريد ثرواتنا واقتصادنا من اللصوص والحواسم!

· وتجريد بيئتنا من التلوث!

· وتجريد إنساننا من الخوف!

ولهذا فان..تجريد (الخرابة) من السلاح جاء متأخراً..

وناقصا..

لأنه ينبغي أن يشمل العراق..كل العراق..

فوطننا بحاجة إلى التنمية الشاملة .. والتنمية لا تنبت في الأرض المشبعة بالبارود والمتخمة بالجثث..

ويأتي مُخْتَّلاً ..

لأنه ينبغي أن يكون مترافقا مع حملات “التجريد” الأخرى..

ولاشك فان تجريد “الخرابة” من السلاح..ستعقبه..كما البصرة والموصل ..(حملة للأعمار)!، وستخصصون 100 مليون دولار (أكثر أو اقل قليلا لسد الاحتياجات العاجلة لـ – الخرابةـ).

وهنا ..

نشق الزيج ونلطم على الراس!..

فـ -الخرابة- هذه لا تحتاج إلى حفنة من الكناسين بثياب سجناء جوانتنامو البرتقالية وهم يزيحون الزبالة بوجه كاميرات الإعلام..ولا إلى رصف أمتار من حجر القرميد الأحمر ..

كما فعلت حملات صدام لإعمار المدن التي خربها (واستكثر على – الخرابة- شمولها بمساحيق إخفاء العورات كما فعل بالبصرة والفاو)،بعد حربه المشؤومة مع إيران..

ولا إلى طلاء الجدران بالدهان الملون الفاقع..

“الخرابة” يا دولة رئيس الوزراء ..

تتوقع منكم وانتم تعلقون خارطتها مسمرة إلى الجدار بحثا عن مخابئ الخارجين على القانون ..الداخلين إليها من دول الجوار”الصديقة”و”الشقيقة” ..والخارجين إليها من جحور سلطة صدام الخفية..ومن أحشاء الحركات “الطائفية” المشاركة بالسلطة ومن هوامشها..

هذه “الخرابة” تتوقع منكم وانتم تتطلعون إلى خارطتها..

أن تؤشروا مكامن الثراء الكامن فيها..

كوطن للمياه..

ومهبط للخصب..

وبحر من بترول..

ومنبع لقوة بشرية وطنية هائلة للفقراء المجتهدين والصابرين..

وموئل لأولى حضارات الإنسان على الأرض..

………………..

ولكي لا ننزلق في محاسن اللفظ وننسى بؤسنا..

أقول ..

ما تحتاجه “الخرابة” هو:

1. تشكيل فريق عمل من “البناة” لا “الدعاة”.

2. وضع خطة عاجلة وأخرى متوسطة الأجل وثالثة طويلة الأجل لبناء “عمارة” بدلا عن “الخرابة”..

3. تحرير أهل المدينة (من المنتجين وأصحاب رؤوس الأموال والمفكرين والمثقفين ) من سطوة السلطة الشمولية (السياسية أو الطائفية أو الاقتصادية أو الثقافية أو القبلية)،المدعومة من أجهزة السلطة المدججة بالسلاح والمال والقوانين الهلامية..أو شرائع الكهوف!

4. إطلاق المبادرات البعيدة عن البيروقراطية وعن المفسدين في الأجهزة الحكومية..لإعادة دورة الإنتاج الزراعي والحرفي والسياحي والصناعي والسمكي والثقافي في المحافظة،وتشجيع إنشاء الشركات والاتحادات الخاصة بمنتجي:

· الصناعات الإنشائية، والاستفادة من المواد الأولية المحلية كالقصب، والبردي ،وسعف وجذوع النخل، والطين الحر، والإسفلت.

· التمور وتصنيعها.

و..

· زراعة الرز بأنواعه الفريدة.

· وصيد السمك والطيور.

· وصناعة الألبان.

· وصناعة الجلود.

· والطباعة والنشر.

· والإنتاج الفني والإعلامي.

· والنشاط السياحي والتراثي.

· وحركة النقل بما فيها ربط المحافظة وقصباتها بشبكة سكك الحديد الوطنية.

5. إعادة الحياة إلى مصنع سكر القصب ،وإحياء حقول قصب السكر في المجر.

6. دعم تشكيل هيئات تشارك فيها كليات الجامعة في “ميسان” ومنظمات المرأة ، والمهندسين ،والفنيين ،والأطباء ،ورجال القانون ،والشباب،والأدباء و الفنانين، والإعلاميين، والصناعيين، ورجال الأعمال،والمقاولين..لصياغة :

· رؤية تنموية علمية..للانتقال بالمحافظة من طور الخرائب إلى مصاف المدن المترفة ..العائمة فوق محيط من الذهب الأسود الذي أصبحت أسعاره فلكية مثل حرمان أهلنا!.

· منهج دقيق وعاجل ودءوب، لمعالجة أزمات السكن والصحة والتعليم والطاقة.

· الاعتماد على القوى المنتجة الوطنية، لمعالجة مشكلة البطالة،في كل فروع الاقتصاد والخدمات والإنشاءات.

· الاستعانة بالشركات العالمية المتقدمة والمتخصصة بتصميم وبناء المدن الحديثة، لوضع تصاميم للمحافظة واقضيتها ونواحيها وفق طبيعتها ،وبما ينمي مواردها الاقتصادية ويؤمن الرخاء لأهلها.

· استثمار الشواطئ الممتدة على ضفاف دجلة والمشرح والكحلاء والمجر والميمونة لتنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية،وربطها بشبكة طرق حديثة.

· إحياء شركات النقل النهري بين مركز المحافظة واقضيتها ونواحيها وأطرافها ومع المحافظات الممتدة على الشواطئ ..النقل النهري الذي كان احد معالم المدينة الاقتصادية .. وتزويدها بالزوارق الحديثة لنقل البضائع والأشخاص.

· وحماية واحتضان الصابئة ..لان – وطن المياه- وطنهم قبل غيرهم، ومنه تبعثروا قسرا إلى بقاع العالم الغريبة والقريبة..ويكفيهم فخرا أنهم منحوا العراق عالما فذا كعبد الجبار عبد الله..

· حماية العوائل المسيحية القليلة العدد والكثيرة العطاء ..لأنهم تشبثوا بـ”الخرابة” رغم عسف السلطة وجور البيئة المحيطة بهم.

· إحياء شارع المعارف ..لأنه ذاكرة “العمارة” وفيء ثقافتها، وملاذ مثقفيها..

7. وضع تصميم أساسي لـ – وطن المياه- بعيدا عن الخرائب والأطلال القائمة للـ “العمارة” التي عمرها أهلها قبل عشرات القرون. ولم تدخل عليها الأنظمة المتعاقبة غير الخراب والإذلال!.

إن “الخرابة”تتطلع اليوم إلى عهد تضاف لها فيه “لمسة في المكان وهمسة في الزمان” فأهلها لليوم يتذكرون بامتنان المرحوم عبد الكريم قاسم ..لأنه جعل لهم عاصمة في العاصمة رغم بؤسها..فهذه طبيعة أحزمة الفقر التي تلتف حول المدن الكبيرة..

تكون دائما حاضنة للثوريين والقتلة..

للمثقفين والدجالين..

للشعراء وقطاع الطرق..

للبناة والمخربين..

وهاهم اليوم – ضحايا التخلف وناشروه – رغم خراب عقولهم..يفرون من أحشاء أحزمة الفقر في كل مدن العراق ..ويلوذون بمنابعهم في تخوم ومفاصل “الخرابة” بعد أن ضللهم “الدعاة”وروع أهلهم المحتلون..

إن التخلف والبؤس هما حاضنة الكراهية والقسوة..

ولكي نتقي صيرورة وتفشي وباء الإرهاب..

ينبغي تطهير الوطن من التخلف والتعسف والبؤس..

وليس من البنادق فحسب!

……………….

ستجدون في “وطن المياه” نساءً ورجالا ..

تجذرت وطنيتهم بطين شواطئه الحري..

فلا تخذلوهم!