الرئيسية » مقالات » من خزين الذاكرة .. أبي يهدينا بفرح غامر كتاباً مندائياً

من خزين الذاكرة .. أبي يهدينا بفرح غامر كتاباً مندائياً

” يا أيها المختارون تدرعوا بأسلحة غير مصنوعة من حديد أو فولاذ، لتكن أسلحتكم الناصورائية المعرفة ووصايا
مقام النور الطاهرة ” ( الكنزا ربا ،الكتاب المقدس للصابئة المندائيين) *

كنا نسكن في مدينة العزيزية/ لواء الكوت 1 ، والدي يمتلك محلاً للصياغة في المدينة يزاول فيه إحدى مهن الصابئة الشهيرة والضاربة في القدم والتي عرفوا واشتهروا بها ( الصياغة ) يبيع ويشتري في محله المصوغات الذهبية والفضية بالإضافة لتصنيعها وتصليحها، بين فترة وأخرى، تعّود يذهب والدي إلى العاصمة ( بغداد ) فهي مركز العراق التجاري، للتبضع من إحدى الأسواق التجارية لسوق الجملة للصاغة ، هناك يشتري ما يحتاجه ويعوض أو يوصي على عمل ما نفذ من بضاعته أو ما أوصاه به زبائنه ويتزود بمتطلبات السوق من البضاعة الجديدة أو التي لم يتمكن من صياغتها في محله، ويبيع ما فاض عن حاجته من الذهب أو الفضة، في يوم من إحدى مساءات عام 1970 ،عاد أبى بعد رحلة تبضع فيها من سوق الصاغة ( خان الشابندر ) المجاور لسوق السراي، أحد أهم أسواق الصاغة الرئيسية في بغداد، والذي يعد من أكثر الأسواق التي يتردد عليها الصاغة من مختلف أنحاء العراق لعراقة السوق ولكونه يحتوي مختلف البضائع (الموديلات أو التصاميم ) التي تلائم طبيعة احتياجات مدنهم التي يعملون فيها، وخصوصا ً الموديلات التي تلائم المناطق الريفية العراقية فهو متخصص ويزخر بها ، ففيه أنواع متعددة من المصوغات الذهبية والفضية كالمحابس والقلائد والأساور والتراجي …. الخ .


عاد والدي من سفرته التبضعية تلك، وعند دخوله البيت كانت ابتسامة كبيرة مرتسمة على وجهه، تعبر عن فرح واضح، بعد التحية، وقف وسط الهول ـ عبارة عن فسحة واسعة كما صالة الاستقبال ـ و اخبرنا أنه يحمل معه هذه المرة هدية ثمينة سوف يفرح الجميع فيها ؛ أشار بيده إلى الكيس الذي يحمله، كان يتأبط تحت عباءته الرجالية كيس ورقي يغلف بداخله شيء ما، استلقى بهدوء على الأريكة، فيما هو يتناول قدح ماء قدم إليه، بسرعة ألتف من كان بالبيت حوله، مطالبينه بالإفصاح سريعا عما بداخل الكيس ولكثرة إلحاحنا أخرج سريعا ما ضمه الكيس، كان كتابا ً سميكا ً كبيرا ً بعض الشيء بلون اخضر فاتح( فستقي )،عرض الكتاب بين يديه بان أسم الكتاب الآن واضحا ً(الصابئة المندائيون )2 !
امتدت الأيادي لأخذ الكتاب وتصفحه، سحب والدي الكتاب وضمه لصدره، وبدأ يحدثنا عنه ((قبل فترة زمنية صدر هذا الكتاب للسوق ،العديد من الصاغة” الصابئة ” تطوع لتوزيع “بيع ” الكتاب في محلاتهم،بيعه على المندائيين طبعا ً، هذا أول كتاب يتحدث عن الصابئة باللغة العربية كتبته الإنكليزية (الليدي دراوور ) وشارك بإصداره اثنان من رجال الصابئة. ))
وبدأ والدي يحكي لنا عن طيّبي الذكر ( نعيم بدوي وغضبان رومي ) مترجمي الكتاب وكاتبي مقدمته، لمعرفته
الشخصية بهم ، فوالدي رحمه الله في عمر مقارب لهم فهو من مواليد العمارة/ الكحلاء ( 1907 ـ ت 1987م) ـ تاريخ ميلاده كما مدون في شهادة الميلاد أو هوية الأحوال المدنية ـ جميعهم ولادة وأبناء منطقة واحدة ( لواء العمارة ) ونزحوا إلى بغداد 3 من وقت مبكر.




وتحدث لنا عن مؤلفة الكتاب المستشرقة الإنكليزية الباحثة الفذة ( الليدي دراوور) والتي ذاع صيتها فأصبحت من الشخصيات المشهورة والمعروفة في الوسط المندائي، يعرفها القاصي والداني من الصابئة، والتي تركت ذكريات كثيرة في نفوس المندائيين خلال فترة تقصيها وبحثها ودراستها لأحوال وعادات وطقوس وشعائر المندائيين.

لم نمهله طويلا ً أن يحتفظ بالكتاب، تناولت الأيادي الكتاب لتصفحه، فصول كثيرة في الكتاب لم يتم فتحها،كانت الأوراق متلاصقة بسبب عدم فتحها بشكل صحيح من المطبعة ، جلبنا عدة أدوات كالمسطرة والسكين تعيننا على فتح صفحات الكتاب دون ان تسبب لصفحات الكتاب الضرر أو التلف، قلبنا مجتمعين أهم عناوين وفصول الكتاب، بعد ساعات من التصفح والقراءة، تصفحنا خلالها مجتمعين أهم عناوين وفصول الكتاب، كل منا تحفز وتحدث عن الفصل الأهم من وجهة نظره، فقد كانت فعلا ً فرحة كبيرة وغامرة قد سادت جو البيت، قد يستغرب الآن من يقرأ ما دونته بقصتي هذه، عن فرحة غامرة وهدية ثمينة وو … ، لنرى معا ًحتى نهاية الحكاية هل يستحق هذا الكتاب هذه الأهمية والفرحة ؟

في تلك الفترة كانت المكتبة العراقية (العربية ) تفتقر بشكل كبير إلى الكتب العربية الحديثة المهتمة” المتخصصة ” بدراسة الديانة المندائية، كان عندنا في البيت كتاب واحد فقط مختص بالديانة المندائية باللغة العربية، وكتيب أو نشرة مندائية ،وبعض مقالات نشرت في مجلات عراقية وعربية تتحدث عن الصابئة المندائيين، الكتاب كان من تأليف المرحوم المؤرخ العراقي ( عبد الرزاق الحسني )4 صدر الكتاب عام 1931 الموسوم (الصابئون في حاضرهم وماضيهم ) وكان يعد الكتاب في ذلك الوقت من اشهر الكتب الحديثة الموجودة والمتوفرة في السوق والمكتبات الرسمية والحكومية في العراق والعديد من الدول العربية التي تبحث في الديانة المندائية.

لكن العديد من أبناء الصابئة المندائيين لا يرغبون في اقتناء الكتاب أو مطالعته ! فلديهم على الكتاب وكاتبه ملاحظات عديدة إذ سبب وأثار مشاكل و إشكالات كثيرة للصابئة منذ إصدار طبعته الأولى.

لكن كنا مضطرين لشراء هذا الكتاب فلم يكن في السوق كتاب غيره عن الصابئة المندائيين باللغة العربية بهذه المحتويات والتفاصيل،كذلك كان معظم الصابئة المندائيين لا يعرفون قراءة كتبهم المدونة باللغة المندائية وهي اللغة التي كتبت وحفظت بها كتبهم المقدسة، وكذلك لم تترجم هذه الكتب ( المندائية ) للغة العربية لأسباب عديدة، لست بصددها شرحها الآن.

لم تبرح الذاكرة المندائية قصة الطبعة الأولى لكتاب(الصابئون في حاضرهم وماضيهم ) وموقف الصابئة المندائيين من الكاتب وكتابه وكيف اشتكته الطائفة المندائية إلى وزارة العدل / محكمة الجزاء بواسطة رئيسها الروحاني المرحوم الكنزفرا الشيخ (دخيل الشيخ عيدان ) (1881 ـ ت1964 ) وكسبت حكما ً بإدانته لما ورد في الكتاب من افتراءات ودس ومغالطات وكذلك ألزمته المحكمة بسحب الكتاب وتقديم اعتذار.




لقد سمعت من والدي رحمه الله مرات عديدة وهو يصف تلك ( المحكمة ) وكيف أحتشد رجال الصابئة المندائيون داخل قاعة المحكمة وأمام بابها في يوم مرافعتها، فيما كانت تعتلي وجوههم سمات الغضب والحنق على ما سببه لهم الكتاب من تجريح وافتراء وإهانة، مساندين شيخهم الجليل ورئيسهم الروحاني بدعواه بكل قواهم وإمكانياتهم، يقول والدي:

(كانت هنالك حشود كبيرة من المندائيين تقف أمام باب المحكمة منذ الصباح الباكر بعد أن غصت القاعة بهم )

ويقول (كان زينا في تلك الفترة الزي العربي العقال واليشماغ الأحمر والعباءة الرجالة وما يميزنا عن الآخرين لحانا الطويلة المنسرحه على صدورنا)
يصف حشودهم والدي بعبارة يكررها دائما عند ذكر الحدث ذاكرا ًالمثل العراقي( تذب الدخن يوكع على رؤوس الزلم) أي عندما ترمي الدخن ـ نوع من البذور النباتية الصغيرة ـ يتساقط على رؤوس الناس المحتشدة لكثرة عددها ووقوفها كتلة واحدة .
أعيد طبع الكتاب بعد المحكمة بسنوات طبعة الثانية وتبعتها طبعات لاحقة عديدة جديدة كل مرة بتنقيحات وإضافات جديدة، لكن بقي الكتاب يحمل في طياته كثيرا ًمن النواقص والمغالطات، حتى أنني اقتنيت في عام 2000 الطبعة التاسعة منه بالإضافة إلى طبعة أخرى قديمة ــ لم تسعفني الذاكرة بتذكر رقم طبعتها ــ كنت أحتفظ بها، قبل مغادرتي العراق.

لم تزل هذه القصة( مقاضاة المرحوم عبد الرزاق الحسني ) يتناقلها الصابئة المندائيون في كل مناسبة إلى يومنا هذا! وكذلك تتناولها أقلام الباحثين5 والدارسين للتاريخ المندائي الحديث، ومن الطريف أن المؤرخ العراقي المرحوم ( عبد الرزاق الحسني ) بعد المحاكمة تلك ارتبط بعلاقة بالشيخ الجليل المرحوم الكنزفرا (دخيل الشيخ عيدان ) فيها نوع من الودية وذلك من خلال الرسائل المتبادلة والتي استشار فيها الشيخ الجليل المرحوم ( دخيل الشيخ عيدان ) عن العديد من الأمور المتعلقة بالمندائية.


نعود الآن إلى كتابنا الجديد ( الصابئة المندائيون ) تأليف (الليدي دراوور) يعد هذا الكتاب الذي جلبه والدي لنا كهدية كبيرة، وهو تغمره الفرحة بصيده الثمين الجديد في ذلك المساء، فهو أول كتاب يصدر عن المندائية، باللغة العربية بأيادي مندائية، وتتصدر الكتاب مقدمة طويلة توضيحية قيمة كتبت بقلم الأستاذين المرحومين ( نعيم بدوي وغضبان رومي ) وهم من الشخصيات التي كان ولم يزل لها تقديرها واحترامها ومكانتها بين الصابئة المندائيين، ويحتوي فصول عن الطقوس والشعائر الدينية المندائية التي نحتاجها بشكل ضروري جدا ً في الحياة اليومية والمناسبات، ففيها فصل عن اللغة المندائية ومدون فيه ( البراخة والرشامة) أي (الوضوء والصلاة ) و(النخاسة ) أي النحر أو الذباحة باللغة المندائية وترجمتها إلى اللغة العربية وكذلك يحتوي على شروحات وتوضيحات وافية عن طقوس وشعائر الزواج والتعميد والأعياد والطراسة وطعام الغفران( اللوفاني ) ومراسيم تكفين ودفن الموتى،والملابس الدينية المندائية (الرستة ) **، ومواضيع مهمة عن تأريخهم وابرز معاناتهم، وأهم الكتب والكتاب الذين تناولوهم بالإضافة إلى العديد من الصور والرسومات التوضيحية أنه بحق كان هدية كبيرة وثمينة وضرورية للجميع!

لقد عوضنا الكتاب عن أشياء عديدة كنا نجهلها بشكلها الدقيق عن ديننا وطقوسه وشعائره إذ كانت قد خالطتها بعض التشويهات سواء من النواقص أو الإضافات التي جاءت نتيجة النقل الشفاهي للتعليمات والمعلومات والموروثات الدينية، أي إنها في معظم الأوقات كانت تأتينا عن طريق السماع المتكرر إذ كانت تحكى وتشرح في مختلف المناسبات و اللقاءات المندائية ، لقد شذب وصحح لنا الكتاب التفسيرات الخاطئة التي نحملها وزودنا بما احتواه بمعلومات جديدة ومفيدة كنا نجهل العديد منها ونحتاجها في حياتنا العامة وخصوصا عندما نسأل عن ديننا وتفسير طقوسه وشعائره من عموم الناس في الشارع أو المدرسة أو العمل وهم يغمروننا بوابل أسئلتهم واستفساراتهم أينما نلتقي بهم بمجرد أنهم يعرفوا أننا تنتمي لديانة الصابئة المندائيين. بالرغم من أن والدي رحمه الله كان يحفظ معظم الشعائر والطقوس والفروض المندائية عن ظهر قلب وكان يؤديها بشكل يومي أو عندما تتطلب وتحين مناسباتها، وكذلك يحفظ على ظهر قلب مئات من الحكايات العامة والقصص والحكايات المندائية،والتي كان يحكيها بأسلوب شيق جميل في طريقة سردها،يشد المستمع إليه، فهو يتمتع بقابلية جميلة بطريقة التحدث، لم يبخل أو يتوانى رحمه الله لحظة واحدة من تعليمنا أيها وشرحها في كل مناسبة دينية التي تتعلق بكل حكاية أو عندما نطلب استفسار أو توضح منه. فوالدي ينحدر من أسرة مندائية جميع أفرادها ( حلالية )6 ملتزمة بشكل دقيق في أداء طقوسها وفروض دينها،


بالمناسبة لقد عملت ( شكندة )7 أي شاهد لوالدي لفترة تزيد على ثمانية سنوات منذ كان عمري ثمانية سنوات تقريبا ً،وذلك عند أجراءه عملية ( النخاسة ) أي عند أجراء عملية الذباحة( النحر ) للدواجن والأغنام ـ الذكور منها فقط ـ حسب الطريقة المندائية.

لقد كانت سعادة والدي كبيرة جدا ً لكون رجال الصابئة المندائيين وطليعتها المثقفة بدأت تهتم بدراسة دينها وإصدار كتب عنها، كان يؤكد لنا أن هذه المبادرة سوف تشجع العديد من المندائيين لإصدارات لاحقة، لقد كانت أسباب كثيرة وعديدة أبعدت مثقفي الصابئة المندائيين في تلك الفترة والزمنية عن التوجه للبحث والدراسة والترجمة لكتبهم الدينية والطقسية لست بصدد إيرادها وشرحها الآن.
بعد فترة من اطلاعنا على الكتاب وما دون فيه كان أبي رحمه الله يقول لنا 🙁 الآن يمكنكم أن ترشدوا من يسألكم عن الديانة المندائية أن يقرأ هذا الكتاب)
لقد كانت سعادة والدي اكثر منا وهو يرد على بعض ملاحظاتنا وابتسامة الظفر قد ارتسمت على وجهه وهو يقول أن ما في الكتاب سوف يساعدكم ويعينكم، بعد قراءتكم له، بفهم ديننا، والإجابة بشكل دقيق لمن يستفسر منكم عن ديننا.

أفادنا الكتاب بمعلوماته كثيرا ً إذ كان لنا معين ومرجع ممتاز نتناول العديد من فصوله وخصوصا في المناسبات التي تصادفنا والمدونة فيه بشروحاتها وتوضيحاتها، وكان خير معين لنا توضيحات وشروحات والدي لها بشكل عملي أحيانا ً لمحتويات العديد من فصول الكتاب، وخصوصا ً التي تتناول الجوانب الطقسية والشعائر الدينية، فتزيد من سرعة تقريب ما غمض علينا.


( أن أهمية كتاب الليدي دراوور تكمن في كونها اتصلت شخصيا وبصورة مباشرة بالصابئين في العراق وفي إيران،وقد استمرت هذه الصلة حوالي اربعة عشر عاما قضتها دراسة ومشاهدة بل وحتى ممارسة في بعض الأحيان لبعض المراسيم لإتقانها وتسجيلها تسجيلا دقيقا )8 ورغم ما صدر من كتب عديدة بعد ذلك الكتاب لكن كتاب (الصابئة المندائيون) يبقى من الكتب المهمة والقيمة والضرورية للدارسين والباحثين والراغبين بالاطلاع عن الديانة المندائية. ففيه شروحات دقيقة جدا ً للعديد من الطقوس والشعائر الدينية المندائية، سجلت بعناية فائقة وعين ثاقبة من الباحثة الرائعة ( الليدي دراوور) رحمها الله ،وترجم وعلق عليه بدقة ودراية من قبل المترجمين( مقابلين بين ما ورد فيه وبين ما هو موجود فعلا لديهم موضحين ومصححين ومعلقين حسب ما تقره الحقيقة.) 9وقد جلبت معي من بغداد إلى مملكة السويد (بشق الأنفس ) أي بصعوبة بالغة مجموعة من الكتب المهتمة بالديانة المندائية وبضمنها، الطبعة الثانية من الكتاب انف الذكر والصادرة من مطبعة الديواني ببغداد عام 1987 والذي يقع بـ 397 صفحة من القطع الكبير . وقد صدرت حديثا ًطبعة جديدة ثالثة للكتاب من مؤسسة دار المدى.

وبعد سنوات من صدور الكتاب ( الصابئة المندائيون )صدرت في اللغة العربية عشرات الكتب والدراسات والبحوث حول الديانة المندائية،كان لأبناء الصابئة المندائيين حصة كبيرة فيها رغم اعتمادهم على إمكانيتهم الذاتية دون دعم من أية جهة حكومية أو ثقافية عراقية أو عالمية ، وكذلك ترجمت العديد من الكتب المندائية للغة العربية بأيادي مندائية ، هكذا برزت كوكبة تلو كوكبة من أبناء الصابئة المندائيين بين أقلام تكتب ورجال تهتم بتنظيم الأمور الإدارية لهذه الشريحة الأصيلة في عراقيتها الرافدينية الضاربة بالقدم معتمدة على إمكانيتها الذاتية متسلحة بأيمانها بعقيدتها التوحيدية الإنسانية المسالمة السمحاء، فقد أقيمت وألقيت العديد من الندوات والمؤتمرات والمحاضرات والمهرجانات والتجمعات المهتمة بالمندائية كدين وطقوس وشعائر وكذلك لغرض تنظيم أمورها وتكيفها مع التطورات السريعة التي تمر بها، وقد أثمرت تلك الجهود عن تشكيل مؤسسات دينية وإدارية مندائية في العراق وفي مختلف بقاء العالم ، واضعة نصب أعينها دفاعها عن هويتها الدينية المندائية وتراثها الثري الكبير من الاندثار والتلاشي، مؤمنة بالسلام والتعايش السلمي غير متعصبة في نهجها وتوجهاتها منفتحة محبة مضحية لشعبها بكل أطيافه ولبلدها العراق رغم ما لحق ويلحق بها لغاية كتابة هذه المقالة من ظلم وضيم وتمييز وغبن وتهميش.
لم تزل نسخة الكتاب تلك محفوظة بعناية في بيت والدي في مدينة العزيزية، رحم الله والدي وكل الناس الطيبين.

وللحديث صلة

السويد
حزيران/2008

هوامش وتعاريف ضرورية مكملة لمقالنا

(1) مدينة العزيزية : قضاء العزيزية التابع إلى محافظة واسط جنوب العاصمة بغداد بحوالي 88 كم ،تقع على نهر دجلة، كانت محافظة واسط تسمى لواء الكوت وسميت بعدها بمحافظة واسط بعد أن أبدلت تسمية الوحدات الإدارية من تسمية لواء إلى محافظة. كانت مدينة العزيزية بتلك الفترة الزمنية ناحية و أصبحت عام 2000 قضاء، تتبع له الآن إداريا ً ناحية الحفرية وناحية الدبوني ( الخلفاء ). أقام ولم يزل يقيم في مدينة العزيزية العديد من العوائل المندائية ، لما تمتاز به المدينة من سمة الآلفة والمودة الاجتماعية، بالإضافة إلى ميزاتها الأخرى الكثيرة . وأول عائلة من الصابئة المندائيين سكنتها منذ وقت مبكر من النصف الأول من القرن الماضي كانت عائلة المغفور له طيب الذكر( جبار شغى الناشيء) (أبو عايد) وكان يمتلك في المدينة محل للصياغة أيضا ً، والتي تربطنا مع عائلتهم علاقة صداقة حميمة لغاية اليوم .


(2) كتاب( الصابئة المندائيون) القسم الأول ، من تأليف المستشرقة الباحثة الإنكليزية (الليدي دراوور ) ( 1879 ـ ت 1972 ) ترجمه وكتب مقدمة طويلة قيمة له الأستاذان المرحومان نعيم بدوي(1911ـ ت 2002) وغضبان رومي(1905 ـ ت1989 ) صدرت الطبعة الأولى منه في بغداد عام 1969، علما ً أن أسم الكتاب الأصلي للباحثة ” الليدي داوور ” كما ورد في صفحة (6) من مقدمة الطبعة الثانية من الكتاب أنف الذكر ما نصه (الكتاب المترجم وعنوانه “المندائيون في العراق وإيران ” في قسمين قمنا بترجمة القسم الأول منه وهو يعالج تاريخ الصابئين وتسميتهم وعاداتهم وتقاليدهم وشعائرهم الدينية ولغتهم بالتفصيل . أما القسم الثاني منه وهو خاص ببعض الأساطير والقصص الدينية.) وللعلم ان كتاب المستشرقة الليدي دراورر “المندائيون في العراق وإيران ” كان قد طبع عام 1937.

(3) نزحوا إلى بغداد : لقد نزحت بوقت مبكر عشرات من العوائل المندائية من لواء العمارة إلى بغداد والى غيرها من مدن العراق الرئيسية في النصف الأول من القرن الماضي، بحثا ً عن فرص للعمل وحياة معيشية أفضل. لقد عمل والدي منذ صغره بالصياغة ، فمنذ بداية القرن الماضي وبسبب الظروف المعيشية القاسية التي كانوا يعيشونها أخذ قسم من الصاغة يتنقلون في أماكن عملهم ،يجوبون المدن الكبيرة والأرياف لغرض العمل ( عزاب بدون عوائلهم )، يقضون فترة في هذه المدينة أو تلك، ثم يرحلون عنها إلى مدينة ثانية، يحملون عدة عملهم اليدوية( العدد والمعدات اليدوية الخاصة بالصياغة ) حتى أن العديد منهم وصلوا في ترحالهم وعملهم إلى العديد من مدن الجارة إيران، ، يقضون موسم كامل أو اكثر في ترحالهم ثم يعودون إلى أهلهم ومدينتهم العمارة، وكانت دائما ًعودتهم تكون قبل حلول الأعياد الدينية المندائية وخصوصا ًعيد دهوا ربا( الكرصة ) أي عيد رأس السنة المندائية و كذلك عيد البرونايا (البنجة ) لتبدأ بعدها بأيام رحلتهم من جديد، قسم منهم استقر في بغداد من عشرينات وثلاثينات وأربعينات القرن الماضي.

حتى ان بعض من الصاغة ليس من لواء العمارة فقط ، امتدت رحلاتهم إلى بعض البلدان العربية والأوربية وأمريكا بعد أن برعوا في فن الصياغة ، وردت في مقالة جميلة بالموقع الشخصي الأستاذ ثائر صالح عايش على شبكة الإنترنت بعنوان( الصائغ صالح عايش 1880-1952) يتحدث المقال عن حياة هذا الصائغ الفنان المبدع ، ويتناول في مقاله من سافروا منهم للبلدان الأوربية من الذين أجادوا و أبدعوا في فن الصياغة ومنم ( صالح عايش وعباس عمارة و أسمر هرمز ملا خضر ويعرف باسم ( زهرون )و جاني سهر ونوري خنجر وسبع فياض وشوكت غالب ) لهم الرحمة والذكر الطيب جميعا ً.

وقد اطلعت في بغداد عام 1997على كتاب ضخم ،الموسوم (دليل العراق الرسمي لعام 1936 ) ووجدت فيه العديد من أسماء أصحاب محلات الصياغة في بغداد من الأقارب والأعمام والمعارف من العمارة وقد علق بعض من تلك الأسماء بذاكرتي ــ أتمنى أن لا تخونني الذاكرة الآن وأنا أدون أسمائهم ــ ومنهم أعمامي ( عودة أرميض الأميري1900ـ ت 2001) و (ناهي جبر الأميري 1900ــ ت 1972) وجاسم الشاوي ( أبو نصرت ) والصائغ الشهير الشيخ عنيسي الفياض وغيرهم، ومعذرة من عدم ذكر أسماء العديد من الصاغة الآخرين ( لهم جميعا ًالدعاء بالرحمة والذكر الطيب ).
وتشير الباحثة الإنكليزية ( الليدي دراوور ) إلى وجود الصابئة في بغداد وبقية المدن العراقية وهم يمارسون مهنة الصياغة في كتابها الموسوم ( في بلاد الرافدين ) والذي دونت أحداثه منذ سنة1919 والصادر عام 1923 وترجمه للعربية المرحوم الأستاذ ( فؤاد جميل )عام 1961 ففي صفحة 227 تقول ( وعلى جانب الدكان ( لافتة ) سوداء كتب عليها ما ترجمته للعربية ( من أتباع يوحنا المعمدان ) صائغ الفضة العماري ، وعلى مقربة منه دكاكين أخرى، عليهم سيماء الجد ومظاهر الوسامة، وهناك طائفة من هذه الدكاكين في كل مدينة من مدن العراق تقريبا ً، والقليل من يرحل من البلاد و لا يصطحب معه نماذج من مصاغات الفضة والتي صنعها أبناء هذه الطائفة الغريبة ) .


(4) المؤرخ عبد الرزاق الحسني : (1903ــ1997) مؤرخ عراقي مشهور له العديد من المؤلفات وأشهرها كتاب تأريخ الوزارات العراقية ،لكونه يعد من أهم المصادر لتأريخ العراق الحديث ،وله مؤلفات عديدة ومنها : الأسرار الخفية في حركة سنة 1941 التحررية ، كتاب بغداد ، رحلة في العراق ، العراق قديما ً وحديثا ً، أحداث عاصرتها ، تاريخ العراق السياسي الحديث ،البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، الصابئون في حاضرهم وماضيهم وغيرها العديد من المؤلفات.
وبالإضافة لما نشره من دس وافتراءات على الديانة المندائية في كتابه (الصابئون في حاضرهم وماضيهم ) فقد أطلعني في عام 1996 صديقي العزيز (حسني مبارك مال الله) ـ كان محله مجاور لمحلي في سوق الصاغة في خان الشابندر ببغداد ـ على مقالة طويلة كتبها المؤرخ المرحوم عبد الرزاق الحسني عام 1932في مجلة ( الهلال ) المصرية وقد عجبت اشد العجب، عند قراءتي لها لما تحتويه تلك المقالة من تلفيقات مدسوسة وغير صحيحة، وكلما أقرأ كتابا ً من كتبه الأخرى يتملكني العجب والحيرة .. فالرجل رحمه الله يكتب على ضوء الوثائق والوقائع فلماذا كتب عن الصابئة كل هذه الافتراءات (بدون وثائق ووقائع ) من بداية عنوان المقالة تشويه وافتراء على الديانة المندائية ومعتنقيها عنوانها (عبدة الكواكب والنجوم لازالوا يعيشون في العراق ) ؟

(5) وعن تلك المحكمة وكتابات المؤرخ المرحوم عبد الرزاق الحسني حول الصابئة سوف أستشهد بمقطع مما كتبه الباحث الدكتور (رشيد الخيُّون ) في مقالته الموسومة( المندائيون في الذاكرة الإسلامية ) والمنشورة في موقع اتحاد الجمعيات في المهجر ، وأدناه نص المقطع :
( خرق الشيخ دخّيل صمت المندائيين عن تجاوزات الآخرين فيما يخص الشأن الديني، يوم تقدم لمقاضاة المؤرخ عبد الرزاق الحسني بسبب ما جاء في كتابه “الصابئون في ماضيهم وحاضرهم”. ففي (11 كانون الثاني من عام 1931م)، فتح الشيخ كتاب “الكنزا ربا” وقرأ أمام هيئة المحكمة ببغداد، باللسان المندائي (الآرامي الشرقي) وكان الأب انستاس الكرملي يترجم إلى العربية، وقد اقتنعت المحكمة أن المندائيين ليسوا عبدة كواكب ونجوم بل يعبدون الحي الأزلي، قرأ الشيخ بوثات (آيات) من الكتاب الأول، تسبيح التوحيد. تحقق ذلك بتعاطف من قبل متصرف بغداد آنذاك الأستاذ أمين الخالص والحاكم الأول لمحكمة الجزاء شهاب الدين الكيلاني مع قضية المندائيين.
وحصل أن اعتذر الحسني من الشيخ ووعده أن لا يعيد نشر الكتاب إلا بعد أخذ ملاحظات وتوصيات الشيخ، لكنه طبعه عدة طبعات، وحتى السبعينيات كتب في مجلة “التراث الشعبي” مقالاً بعنوان “إذا مات الصَّبي “( [4])، واضعاً فيه ما يدور بين العامة حول المندائيين، من أنهم يخنقون المحتضر، بينما الصحيح هم يلبسونه الثياب الدينية وهي الرسته، ويطهرون بدنه قبل الوفاة، والعامة التي لم تكشف لها طقوس الدين المندائي لم تحسب حساب خطورة اعتقادها بمواطنيها المندائيين، فما اشاعته عنهم هو القتل بعينه، والسؤال إذا كان المندائيون يقتلون أو يخنقون المحتضر فكيف لا يتعرضون للعقوبة الجنائية، وكيف جرى المؤرخ الحسني خلف هذا الادعاء الباطل؟ ومعلوم أن قتل الرحمة لم يجز إلا في بعض الدول الأوروبية وبعد نقاشات وصراعات حامية في البرلمانات، وهذا لا يجاز إلا بطلب المريض الشخصي، وفي حالة معاناته من قسوة الألم مع اليأس التام من شفائه، فأين ومتى مارسه المندائيون، وهم كما أسلفنا يعتذرون عن ذبح الحيوان والطير!)

وقد قرأت بتاريخ 11 /11 /2007 بموقع الياهو كروب المندائي مقالة، بقلم المهندس ( رياض الشيخ دخيل ) أحد أبناء الشيخ دخيل عيدان تحوي المقالة على معلومات قيمة عن تلك القضية ( مقاضاة عبد الرزاق الحسني ) على ضوء ما دونه المرحوم والده في مذكراته وأوراقه.

6) الحلالية : (مفردها ” الحلالي ” وهو شخص من عامة الصابئين طاهر طقسيا ًومؤهل لحمل جثمان الميت وإجراء مراسيم الذبح والقيام بوظيفة المساعد ( شكنده ) ويمكن أن يحل محل ” رجل الدين ” الأصغر الترميذه في عقد الزواج إذا لم يتيسر وجود العدد الكافي من رجال الدين .) المصدر كتاب الصابئة المندائيون ط2 هامش الصفحة 78. علما ً لقد كتبت في التعريف أعلاه كلمة “رجال الدين” بدل من كاهن كما وردت في الكتاب أصلا ً لكونها أكثر دقة حسب اعتقادنا.

(7) الشكندة : وهو الشخص الحلالي الشاهد على صحة أجراء مراسيم الذباحة، بشكل سليم وفق الشريعة المندائية وطقوسها إذ لا يمكن إجراء عملية الذبح بدونه، ويتوجب على الحلالي أو رجل الدين الذي يقوم بعملية الذبح أن يرتدي الملابس الدينية المندائية (الرستة )،ويقوم بعملية الرشامة ( الوضوء ) التطهر بالماء الجاري قبل الذبح ،ويطهر معها السكين وقطعة من الخشب تمسك مع مقبض السكين أثناء عملية الذبح، ويجب أن ينظف الطير أو الحيوان جيدا ً ثم يطمش ، ويجب أن يكون سليما ًصحيا ًوغير ناقص أو مشوه، وبعدها يتم الذبح وترافق العملية قراءة بوثة خاصة بالذبح على كل طير أو حيوان تجرى له عملية النحر ، ويكون الشخص الذي يقوم بعملية الذبح باتجاه القبلة المندائية والتي هي صوب الشمال، ويكون رأس الطير أو الحيوان عند النحر متجها ًنحو جهة الشرق .

ويجب ان تكون السكين حادة جدا ً،فيما يقف الشكندة خلف ظهر الحلالي الذي يقوم بعملية الذبح ملامسا ًبكف يده اليمنى كتف الحلالي ويردد كلمة مندائية ( أنا سهدخ ) بمعنى أنا شاهد على أجراء عملية الذبح ، بعدها يقوم الشخص الذي أتم عملية الذبح بالذهاب إلى النهر أو أي ماء جاري (الحنفية ) إجراء عملية التهليل من خطيئة الذبح، بقراءة دعاء استغفار، طالبا ً فيه من الحي العظيم رب العزة والجلال أن يغفر له هذه الخطيئة ، وأنه ذبح الطير أو الحيوان هذا لحاجته للغذاء ، وترجمة دعاء استغفار التهليل من الخطيئة للغة العربية كما وردت في كتاب الصابئة المندائيون ط2 ص354 ما نصه ( بسم الحي العظيم وأسم مندا ادهي منطوقان عليّ،ذبحت بالحديد وغسلت بالماء الجاري أنا الخاطيء، والهي الغافر، اغفر لي خطاياي وحوباتي واغلاطي وذنوبي، ومساوئي، أنا ( الاسم الديني ) أسم الحي وأسم مندا ادهي منطوقان عليّ .)


(8) المصدر كتاب الصابئة المندائيون، ترجمة نعيم بدوي وغضبان رومي ط2 ص 7
(9) المصدر السابق ط 2 ص 6
* البوثة( الآية ) 1/1/الفقرة 177 في كتاب الكنزا ربا ،الترجمة العربية للأستاذ كارلوس كلبرت ؛ كما وردت في كتاب (الدين الأول )أو مدخل للدين المندائي للدكتور الترميذا عصام خلف الزهيري ص9 .
و الكنزا ربا ، هو كتاب ( الكنزا )، أو الكنز العظيم ،أو السيدرا ، هي جميعها أسماء لكتاب واحد ألا وهو الكتاب المقدس للصابئة المندائيين ، وكنزا يكتب بالمندائية بالجيم وليس بالكاف وأثرنا على كتابته بهذا الشكل لان المندائيين ينطقون الجيم كاف . المصدر ( أسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا ) ص2 وهو دراسة ماجستير في اللغات السامية ( اللغة المندائية ) ـــ جامعة بغداد 1997 للأستاذ عبد المجيد سعدون الصباحي
** الرستة : ملابس دينية بيضاء يجب ان يرتديها الصابئي المندائي قبل قيامه بأجراء أي عمل أو طقس ديني. وورد تعريفها في كتاب من تأليف الترميذا الدكتور عصام خلف الزهيري ،الموسوم ( الدين الأول )أو مدخل إلى الدين المندائي، والصادر في سنة 2007 في الجزء الأول الصفحة 52 ما نصه : (( الرستة :والكلمة تعني “رداء الحق “.هو الرداء الديني الذي يستعمله المندائيين في جميع الفعاليات الدينية . إن كلمة الرستة تعني الرداء النوراني الذي بدونه لا يجوز للمندائي الدخول لعالم النور بعد الوفاة. يكون قماش الرستة من القطن 89 النقي (الخالص ) الأبيض وهناك نصوص 90 عديدة حول هذا الموضوع .
كان هذا الرداء هو الرسمي في الماضي،بمعنى إن المندائي كان يلبسه في جميع الأوقات. إن الرستة (وطريقة خياطتها وطريقة لبسها )مهمة للغاية طبقا ً للمفاهيم المندائية )).