الرئيسية » التاريخ » حركة بدرخان باشا 1843ـ1847م / القسم الاول

حركة بدرخان باشا 1843ـ1847م / القسم الاول

ترجمة: شعبان مزيري
منذ اليوم الذي تم فيه القضاء على حركة بدرخان باشا قسمت كوردستان بين الإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية وكانت الإمبراطوريتان تنويان منذ القدم تقسيم كوردستان فيما بينهما ولهذا السبب كانتا دوما تحاولان إن يبقى الصراع بين الأطراف الكوردية مستمرا لأن كوردستان بالنسبة إليهم لم تكن بلداَ جبلياَ فقط بل كانت موقعاَ استراتيجياَ مهماَ لما يملكه هذا الموقع من شعب حي وشجاع ومقاتل جريء.
وفي سبيل عدم توحيد الشعب الكوردي حاولت الإمبراطوريتان خلق مشاكل ومصاعب وبث السموم الإقطاعية وتشجيعها بين الزعماء الكورد وحثهم على التفرقة والاقتتال فيما بينهم وقد تم تغذية هذا الاتجاه من قبل الإمبراطوريتين إلى جانب محاولاتهم بأن يكون هناك صراع مستمر بين الإقطاعيين الكورد وكذلك حاول الطرفان إن يبقى الشعب الكوردي ممزقا ومنقسما وتبقى الإمارات الكوردية الإقطاعية على حالها منقسمة حتى تبقى ضعيفة فضلاً عن تشجيع الصراعات الداخلية بين أمراء هذه الإمارات لكي تبقى هذه الإمارات هي الأخرى لقمة سهلة وسائغة لهم لابتلاعها لأن الإمبراطوريتين كانتا تعرفان مسبقا بان توحيد الشعب الكوردي يعني إنشاء كوردستان موحد وليست مجزأة و بعبارة أخرى من المحتمل ان تنشأ قوة ثالثة في المنطقة متمثلة بنشوء دولة كوردستان الموحدة إلى جانب الإمبراطورية الفارسية والعثمانية وان نشوء قوة ثالثة في المنطقة لا يخدم مصالحهم لأن إنشاء دولة كوردستان الموحدة سوف يؤثر تأثيرا مباشرا على سياساتهم واقتصادياتهم وجيوشهم ويضع المنطقة في دوامة الخطر وفي عام 1516م عندما قام السلطان سليم بمؤامراته المكشوفة ومحاولاته لكسب زعماء اغلب الإمارات الكوردية الذين كانوا يتمتعون بشيء من الاستقلالية لينضّموا تحت لواء الإمبراطورية العثمانية . وان سلطان سليم أيضا قرر من جانبه منح عهود وتقديم فرمانات لأمراء الإمارات الكوردية الإقطاعية لكي تبقى هذه الإمارات الكوردية مستقلة ويكون الحكم فيها وراثيا ينتقل منهم إلى أولادهم وأحفادهم ولكن بشرط إن يقوموا:
1ـ بدفع الجزية أي(ضريبة الرأس)السنوية وتكون هذه الضريبة اقل بكثير من الضريبة التي كانوا يدفعونها سابقا وبعبارة أخرى (رمزية إن صح التعبير).
2ـ تقدم جنودها وقت الحاجة للانخراط في الجيش العثماني وإزاء هذه السياسة التي سار عليها السلطان العثماني فان حركة التحرر الكوردية كان من المفروض إن تسير باتجاه الاتحاد والوحدة وليس الانشقاق والتمزق ولكنها سارت بالاتجاه المعاكس لها وأدت إلى التقسيم والتجزئة ولهذا لم يعط نتيجة جيدة ومفرحة ولم تنضج ثمارها بصورة جيدة إذا ما حاولت إحدى الإمارات الكوردية إن تستغل نفوذها وقوتها وفرض سلطتها وإرادتها على الإمارات الكوردية الأخرى والتي كانت اقل قوة منها وذلك عن طريق استخدام القوة في توحيد الإمارات الكوردية وتوحيد الكورد وخلق كوردستان موحد كما حدث في ايطاليا وألمانيا.
ولكن لم يحدث هذا في كوردستان ،لأن في نية السلطان العثماني (السلطان سليم) ومعظم السلاطين العثمانيين الآخرين الذين جاءوا من بعده تمزيق كوردستان وإزالة الإمارات الكوردية من الوجود وان تحقيق هذا الهدف يكون بطريقتين هما:
1ـ استخدام قوة الجيش مباشرة أو عن طريق خلق نزاعات داخلية والاقتتال الداخلي بين الأمراء والإقطاعيين الكورد أنفسهم لكي تضعف الأطراف المتنازعة وتسهل في النهاية إزالتهم من الوجود وبسط النفوذ عليهم.
في عام 1828م أراد السلطان العثماني السلطان محمود إن يحدث تغيراَ في الإمبراطورية العثمانية ويلبسها ثوبا جديدا ويخلق فيها نظاما مركزيا عن طريق استخدام سياسة التفرقة هذه ومع استعمال السياسة الشوفينية ضد الإمارات الكوردية حيث تقلصت الأمارات الكوردية وأزيل كثير منها حيث لم تبق منها سوى ثلاث إمارات فقط تحسب لها حساب وهن إمارة بابان والتي أصبحت مقرها في السليمانية وإمارة سوران في راوندوز وإمارة بوتان في منطقة بوتان حيث كانت الأخيرة بزعامة بدرخان باشا.(1)
أما بالنسبة لبدرخان باشا فقد شعر هو الآخر بالخطر إزاء تلك السياسة التي كان يتبعها السلطان محمود (تجاه الكورد) ولهذا السبب ومنذ سنة 1821م(2) عندما تسلم مسؤولية زعامة إمارة بوتان اخذ يدافع عن إمارته أما السلطان محمود ومن اجل تحقيق أهدافه في تطبيق السياسة المركزية التي حاول ان يحققها بالقوة قام بعزل أمراء الإمارات الكوردية من مناصبهم وحل محلهم الأتراك فإذا كانت الدولة العثمانية قد اعتقدت بان قيامها بمثل هذا العمل يصب في تحقيق المركزية والصالح العام إلاّ أنّ تنصيب الأفندية التركية (حكم الأفندية الأتراك) واستخدام الجيش من اجل بسط نفوذهم على الإمارات الكوردية في بوتان وبادينان كان عملا غير صحيح (3)
2ـ وقد أشار العلامة محمد أمين زكي إلى سنة 1821 ولكن في صفحة أخرى أيضا نوه إلى إن هذا التاريخ ليس خالياَ من الصواب(انظر محمد أمين زكي خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان, ترجمة من الكوردية إلى العربية محمد علي عوني (القاهرة ـ 1939) ,ص250 ـ252
وان هذا العمل ولد الشعور بالرفض من قبل الأمراء والإقطاعيين الكورد وكذلك لدى عموم أبناء الشعب برمته وان سحب هذه الحقوق من أمراء الكورد والتي ورثوها من أبائهم واجدادهم بعبارة أخرى(سحب البساط من تحت أقدامهم إن صح التعبير)ولد لديهم الشعور القومي وكذلك شعر الشعب بالخوف والقلق من جراء هذه السياسة الشوفينية واعتبروها عملا مشينا ووقفوا معارضين لتسلط الأتراك القساة القلوب عليهم ومن جراء هذه السياسة أصبح حمل الشعب ثقيلا لأنهم كانوا في السابق يعيشون تحت سيطرة أمرائهم وكانت مصالحهم واحدة و يتخاطبون فيما بينهم باللغة الكوردية ولكن بعد سيطرة الأفندية التركية القساة القلوب عليهم وقيام هؤلاء بفرض الجزية( ضريبة الرأس) السنوية وبنسبة عالية عليهم وأصبحت مصالحهم في خطر فولد لديهم شعور قومي بعد إن تم اضطهادهم، لكن السلطان محمود لم يقف عند هذا الحد بل أراد إن يبني جيشا قويا جرارا ومن اجل تحقيق مأربه اخذ يجبر المقاتلين الكورد على الانخراط في الجيش وهذا مما زاد الطين بلة وفضلاً عن السياسة الشوفينية التي اتبعها ألأتراك دفع الكورد للقيام بالانتفاضة (بدرخان باشا)
يقول ف. مينورسكي(إن احتلال كوردستان بهذا الأسلوب الجديد كان من الأسباب التي أدت إلى قيام الانتفاضة القومية بقيادة بدرخان باشا في سنوات 1843 م ـ 1846م(4)
إن سياسة السلطان محمود في تحقيق المركزية في الإمبراطورية العثمانية لم تكن من اجل بعث النشاط في الدولة العثمانية بل من اجل إزالة الإمارات الكوردية ولهذا أخذ بتطبيق هذه السياسة في المناطق الكوردية حيث انعكست سلبيا على الأتراك العثمانيين وإيجابا بالنسبة للأمراء الكورد وأخذت المقاومة الشعبية تأخذ طابع الـ(كوردايه تي). فتولد الشعور القومي(كوردا يه تي) وأخذ ينمو وينشط بين أمراء الكورد والنخبة السياسية الكوردية المثقفة والواعية. وبالمقابل فقد تولد الحقد والكراهية في قلوب الطبقة الكادحة والفلاحين الكورد تجاه الدولة العثمانية مما ولد صراع من نوع آخر في الدولة العثمانية حيث وقعت في مأزق أخر إلى جانب المآسي التي كانت تعاني منها الدولة العثمانية. وفي هذه الفترة بدأت بالظهور على المسرح السياسي قوة جديدة بدأت تواجه الدولة العثمانية بصورة عامة وفي كوردستان بصورة خاصة وهذه القوة تمثلت بالقوة الانكليزية الامبريالية وتدخلها بشؤون كوردستان وكذلك روسيا القيصرية حيث أخذت الأخيرة بالمحاولة ومنذ زمن طويل بالتدخل في شؤون كوردستان الداخلية والدولة العثمانية.
وفي بداية القرن التاسع عشر وقبل إن يبدأ بدرخان باشا بالانتفاضة بسنين طويلة كانت كوردستان ساحة للصراع بين القوى الكبرى المتمثلة بـ(بريطانيا وروسيا) الى جانب أمريكا التي كانت تحاول إن تجد لها موطئ قدم في المنطقة وتتدخل في هذا الصراع .
كان التدخل البريطاني قد تم عن طريق البعثات الدينية (التبشيرية) وتحت غطاء نشر الدين المسيحي وكذلك عن طريق الرحالة المدنيين والعسكريين وتحت غطاء البحث والتنقيب عن المعادن والآثار وهكذا كانوا يسرحون ويمرحون في الأطراف الأربعة من كوردستان وأخذوا يخططون ويرسمون خارطة كوردستان وجمع المعلومات عن العشائر الكوردية ودراسة موقع كوردستان وأهميتها ودورها المهم من الناحية الاقتصادية والعسكرية والإستراتيجية وان الإمبراطورية البريطانية وكما فعلت روسيا القيصرية أخذت تهتم بالأقليات الدينية وخاصة الاثورية والأرمنية والكلدانية الموجودة في كوردستان وأخذت تدعي بأنهم مضطهدون وأصبحت هذه الحجة (شماعة التدخل) من أجل إن تجد لها موطئ قدم في هذه المنطقة الحيوية من الإمبراطورية العثمانية وهكذا أخذت تتدخل في شؤونها الداخلية ومن اجل تكريس هذه السياسة وكسب ود هذه الأقليات والاطمئنان إلى مستقبلهم قامت بفتح المدارس التبشيرية بين صفوف هذه الأقليات الدينية في كثير من مناطق كوردستان التابعة للدولة العثمانية ليس من اجل التوعية والتثقيف والقضاء على التخلف والأمية وتطوير المنطقة وإنما من اجل مصالحهم الإستراتيجية(5) وبالمقابل من سياسة الاضطهاد والفخفخة واللا معقولية والرجعية الشوفينية التي كانت تمارسها الدولة العثمانية ضد الأقليات القومية والدينية كانت تقدم الرعاية للدول الامبريالية عن طريق القناصل والرحالة الأوربيين والذين كانوا يتسلمون الدعم المادي والمعنوي منهم وبالمقابل تقوم هذه الدول بتوفير الحماية اللازمة في المنطقة إن الدول الامبريالية وخاصة بريطانيا كانت تنتظر بفارغ الصبر مجيء ذلك اليوم الذي يتم فيها تقسيم وتمزيق الإمبراطورية العثمانية التي كانوا يسمونها (الرجل المريض) وأضف إلى ذلك كانت بريطانيا لا ترغب في إن تحدث حركة أو انتفاضة قومية منظمة لها نهج ومبادئ قومية في داخل الإمبراطورية العثمانية وخاصة في منطقة مهمة وحيوية وإستراتيجية ضمن الإمبراطورية العثمانية والتي تسمى بـ(كوردستان) وفي منطقة(بوتان) بالذات ويتم فيها تأسيس مؤسسات قوية ولهذا فان بروز شخصية قوية قومية مثل بدرخان باشا والذي كانت نظرته بعيدة ليس لتحقيق استقلال إمارته (إمارة بوتان). بل ابعد من ذلك بكثير وهي إنشاء دولة كوردستان العظمى مستقلة (6) اكبر من كوردستان الخاضعة للدولة العثمانية.
فأن ظهور أمير كوردي وشخصية مناضلة مثل بدرخان باشا تحمل أفكار توعية ولها طموح في تحقيق الاستقلال لكوردستان فأن مثل هذه الشخصية لا تنسجم مع ما تريده الدول الامبريالية
ولهذا السبب وقفت الدولة العثمانية ومعها الدول الامبريالية ضد الانتفاضة التحررية الكوردية بزعامة بدرخان باشا أمير إمارة بوتان وحاربوها. وفي سنة 1843 وللظروف السياسية التي كانت تمر بها كوردستان بصورة عامة وإمارة بوتان بصورة خاصة كان المناخ مهيأً لقيادة الانتفاضة التحررية الكوردية لأن إمارة بوتان في تلك الفترة كانت اقوى الإمارات الكوردية القائمة في كوردستان آنذاك حيث كان يقود هذه الإمارة زعيم وطني شجاع في الوقت الذي كانت فيه إمارة راوندوز بزعامة ألأمير محمد الأعور(باشاي كوره) حيث قامت الدولة العثمانية بالقضاء عليها كذلك الحال بالنسبة لإمارة بابان والتي كان قد دب فيها ضعف كبير. ولذلك اجتمعت كل هذه الظروف في كوردستان ودفعت بأمير بدرخان باشا لقيادة انتفاضته وبالمقابل قامت الدولة العثمانية التي كانت غير راضية عن الأوضاع السياسية التي تجري في إمارة بوتان بجمع كل إمكانياتها المتوفرة لديها واستخدامها ضد إمارة بوتان في سبيل وضع نهاية لهذه الإمارة وإخضاعها لسيطرتها .

التآخي