الرئيسية » مقالات » 14 تموز .. الثورة – المنعطف الكبير الحاسم في تاريخ العراق السياسي الحديث

14 تموز .. الثورة – المنعطف الكبير الحاسم في تاريخ العراق السياسي الحديث

لم تكن ثورة 14 تموز المجيدة عام 1958 مؤامرة نفذتها حفنة من الضباط في ساعة واحدة فقط مثلما وصفتها مجلة(التايم)الاميركية في اول عدد لها يصدر بعد الثورة،ولم تكن ثورة 14 تموز”اسوء لحظة في التاريخ ادت الى تدهور مركز الغرب الى ابعد حد..وفتحت جيادها باب الاسطبل المغلق وهربت اثمانها.ولابد ان يحال باي ثمن دون هروب اي جواد اخر بل لابد من استرداد الهارب الكبير”مثلما وصفتها مجلة”الايكونوميست”البريطانية لسان حال دوائر المال والاعمال البريطانية الكبرى،ولم تكن ثورة 14 تموز انقلابا او انقلابا ثوريا كما يحلو لبعض القوى السياسية المحافظة والقومية نعتها.
في غضون ساعات انزل سلاح الجو الملكي البريطاني والاسطول السادس الامريكي فيالقهما في الاردن ولبنان للوثوب الى بغداد من هناك واعادة الحصان الجامح – الهارب الكبير – الى الاسطبل الاستعماري دون جدوى،وعبثا ذلك ان شعبنا العراقي وليست حفنة من الضباط كان في غضون ساعة واحدة فقط قد نزل الى ساحة الثورة التي امتدت رقعتها لتشمل مساحة العراق من زاخو الى الفاو(14 تموز ملحمة العراق الخالد/رسالة العراق/عدد91).لكن قادة ثورة 14 تموز لم يطوروا المؤسسات التي ورثوها من الحكم الملكي ولم يلزم العراق آنذاك سوى اصلاح البرلمان والدستور وارساء اسس المؤسساتية المدنية بما يخدم مصلحة الشعب والجماهير الواسعة ويحد من نفوذ تسلط القوى التي كانت تتلاعب بها فولدت الثورة العظيمة مجالا سياسيا ديمقراطيا متخلفا في الفهم السياسي لمستجدات الاحداث واسلوب ادارة المجتمع وغرقت الزعامات في بيروقراطيتها رغم نزاهتها،وتآكل المجتمع المدني وتحول الى ركام يتندر به الجميع.
تفجرت تناقضات النظام الاقتصادي الاجتماعي في العراق عام 1958 بثورة 14 تموز المجيدة،ودكت اداته القمعية السياسية المتمثلة في النظام الملكي الاستبدادي.لقد عبرت الثورة عن عجز النظام السياسي والاجتماعي المباد في حل تناقضاته الاساسية والاستجابة لمصالح الشعب العراقي في الحرية والحياة الكريمة.وقد اكتملت ونضجت القيادة السياسية و العسكرية التي اخذت على عاتقها اسقاط النظام القديم وبناء النظام الجديد قبيل تاريخ الثورة عندما نجحت القوى السياسية الوطنية في تأليف جبهة الاتحاد الوطني عام 1957،بعد مخاض طويل وعسير،عندما تم الاتصال بين عناصر الجبهة ومنظمات الضباط الاحرار،في سبيل تفجير الثورة العظيمة!لقد تصاعد دوي جرس الانذار الطبقي في المؤسسة العسكرية العراقية وعموم المجتمع في خمسينيات القرن المنصرم،ولم يعد بمقدور السلطات الاحتفاظ بالموازنـة الطائفيـة والطبقيـة في آن واحد!ودخل النظام طور الهرم والشيخوخة،وبدأ الحكم يفقد مواقع داخلية متزايدة،وترسخت في العقلية السياسية العراقية مشروعية الاستعانة بالجيش.لم تعد مؤسسات النظام وبرلمانه موضع حرص من احد!هكذا دك الجيش العراقي الملكية واجتث النفوذ البريطاني واكد انه جيش الشعب عام 1958.
بالرغم من العيوب الكبرى في السلطة السياسية الا ان الزخم الثوري والضغط الشعبي افضيا خلال الاشهر الاولى للثورة بمجلس الوزراء الى ممارسة شئ من المناقشات الحرة داخله.والى هذه الفترة ترجع اهم الانجازات التي قامت بها ثورة 14 تموز في بداية عهدها:في الحقل الخارجي – اعادة العلاقات مع الدول الاشتراكية،استرجاع قاعدة الحبانية،الانسحاب من الاتحاد الهاشمي والتمهيد للانسحاب من حلف بغداد.على الصعيد الداخلي – اعلان الدستور المؤقت والغاء اغلب المراسيم السعيدية واطلاق سراح المعتقلين والمسجونين السياسيين،الغاء قرارات نزع الجنسية عن العراقيين والسماح للمبعدين السياسيين بالعودة للوطن،اطلاق الحريات العامة والنشاطات الحزبية،الغاء سيطرة الامن على سياسة التوظيف،اصدار قانون الأحوال الشخصية،اصدار قانون رقم 80 الهام الخاص بالثروة النفطية العراقية،الاصلاح الزراعي،عقد الاتفاقيات الاقتصادية الجديدة،اتباع سياسة التخطيط والاعمار بعد الغاء مجلس الاعمار،التحرر من الكتلة الاسترلينية.
أشر انقلاب 14 رمضان الاسود 1963 استحواذ الفاشية على السلطة بالتحالف العريض للقوى الطبقية المتضررة من ثورة 14 تموز – الاقطاع وكبار مالكي الاراضي والتجار الكومبرادور وبمباركة اشد القوى عشائرية وطائفية.وفتح الانقلاب الاسود الابواب مشرعة للعقلية الانقلابية المغامرة وسيادة المنهج التجريبي الموالي لمصالح المراكز الرأسمالية الدولية،وجاء انقلاب 17 تموز 1968 تتويجا لهذا التوجه الارعن لتتكرس الهيمنة الشمولية.هكذا اختارت الامبريالية الامريكية الشعب العراقي ليكون المثل الذي تقدمه لشعوب العالم على قدرتها على تركيع كل من يقف امام طموحاتها في الهيمنة على العالم لاسيما وان الشعب العراقي تجرأ ورفع قامته في حضور السادة وقاوم خططها مع ثورة 14 تموز،كما قاوم هذا الشعب المقدام افظع دكتاتورية عرفها التاريخ وما اقترفته من جرائم وحروب وما نجم عنها من حصار اقتصادي وقصف باليورانيوم المنضب لاعطاب البشر والبيئة،فضلا عن ان هيمنة الادارة الاميركية على ثروات العراق النفطية تمكنها من فرض هيمنتها على العالم عن طريق الهيمنة على مصادر الطاقة،فالعراق يمتلك ثاني احتياطي العالم من النفط .
تنبه استعادة دروس وعبر ثورة 14 تموز المجيدة في ذكرى يوبيلها الذهبي،وينبه تعطش الشعب العراقي الى الديمقراطية وصحوة احترام الراي الآخر،ينبه الجميع الى ضرورة اعادة النظر المستمر في المنطلقات والممارسات الخاطئة التي ابتلى بها عراق الخير والمحبة والسلام!السياسة الاجتماعية والموقف الاجتما- الاقتصادي المتخلف والتوجهات الديمقراطية المبتسرة هي جوهر ما عانى منه العراق نصف قرن من الزمن،من سياسات الاضطهاد الشوفيني للأقليات القومية والتغيرات الجيوسياسية القسرية،وانتهاج سياسة خداع الشعب!والسلوكيات الحكومية في عقدة الأنا الكبيرة الفاضحة وشيوع ثقافة الموروث الالغائي التخويني التكفيري المستمدة من نظم تعود جذورها الى قرون طويلة من القمع والاجرام وتدمير المجتمعات والتي أظلت بظلها الكالح السواد،فدخلت ثقافتها الى النخاع وامتزجت بالمقدس لتصبح كل موبقاتها مقدسات بمرور الايام،ثقافة الانتقام و القمع!السياسة الاجتماعية والنقابية الحقة تتناقض مع الاحزاب الدينية والقومية وانصارها ممن يضعون انفسهم بمقام رب العالمين في تطبيق شريعة الله والقصاص ولا يخضعون لقانون الا قانونهم وشريعة الغاب.
تعزيز الفكر العلمي يعني فيما يعني وضع الحد لتقاليد كنه والجمالي،صدام حسين وزبانيته،جهلة الاسلام السياسي على تعدد اوجهه القبيحة،التقاليد سيئة الصيت التي تعاني العقدة المستعصية،عقدة مقاومة الاشتراكية العلمية لا بالعلم والجدل العلمي بل بتعريض اصحابها الى الاهانة المعنوية والايذاء المادي.تعزيز الفكر العلمي يعني مناهضة العمى السياسي بخزعبلاته!تعزيز الفكر العلمي يعني احياء فكر عبد الجبارعبد الله،ومحمد عبد اللطيف مطلب،سلمان جبو،نزار ناجي يوسف،محمد سلمان حسن…والآخرون!لا المتاجرة بهم واتخاذهم مطية لأغراض ميكافيلية وتهريجية ونفعية.آن الأوان لاستفاقة الاحزاب الديمقراطية واليسارية، قبل غيرها،على اسس معافاة سليمة بالعمل مع الجماهير وتوعيتها بالمهام التي تواجه الشعب وخاصة جهود استتباب الأمن والاستقرار واستعادة الاستقلال والسيادة الوطنية للبلاد والاخراج المنظم والمتفق عليه مع الأمم المتحدة لقوات الاحتلال وجهود تنمية الثقافة الاحتجاجية والمطلبية.

المصادر:
1. سلام ابراهيم عطوف كبة/هذا هو طريق 14 تموز.
2. سلام ابراهيم عطوف كبة/ملحمة 14 تموز بين التأسيس المدني والعقلية العسكرية.
3. سلام ابراهيم عطوف كبة/ثورة 14 تموز والفكر العلمي.
4. سلام ابراهيم عطوف كبة/انقلاب 8 شباط الاسود وشق الطرق الى الكوارث الصدامية والروزخونية.
5. سلام ابراهيم عطوف كبة/انقلاب 8 شباط الاسود واللجوء الى التقاليد الدينية والطائفية.

16/6/2008