الرئيسية » مقالات » لا يا أحبابنا…الإسلاميون ليسوا كما تتصورون

لا يا أحبابنا…الإسلاميون ليسوا كما تتصورون


في حوارات متعددة بيني وبين صديق لي ذي اتجاه يساري، تطرقنا ـ وما نزال ـ إلى مواضيع عدة، ذات تفرعات دقيقة، لها صلة بالهمّ السوري، والهمّ الكردي السوري والإقليمي، نقترب أحياناً ونبتعد أحياناً.وهذا طبيعي ومنطقي، لأننا ننطلق من منطلقات وخلفيات متباينة.
غير أن ما أثار انتباهي كثيراً، وبعث في النفس الأسى والشفقة والحزن والاستغراب في آن معاً، أننا عندما كنا نتطرق إلى القضايا ذات الطابع الإسلامي، سواء في الجانب الإيماني الغيبي، أم العقدي (الأيديولوجي)، أم الأخلاقي، أم السلوكي، أم السياسي، أم الاجتماعي، أم في جوانب المعاملات والحدود…إلخ، كنت أجد علامات التعجب والاستغراب في وجه صاحبي! ولم يكن يتركني في حيرة من الاستغراب والتعجّب، فقد كان يزيلهما بقوله: والله ما كنا نتصوّر الإسلاميين هكذا، منفتحين، محاوِرين، يردّون على الحجة بالحجة، ويتقبّلون الرأي الآخر برحابة صدر، ولا يُلزِمون الآخر بقيمهم وعاداتهم وما رُبُّوا عليه.
وصارحني أكثر من ذلك؛ صارحني بأن رفاقه قد حذّروه من خطورة الاتصال بذوي الاتجاه الإسلامي، فقد يقتلونه إذا لم يقل: بسم الله الرحمن الرحيم، إذا أكل أو شرب. وربما نفذوا فيه حكم الإعدام إذا علموا أنه يشرب الخمر…إلخ.
وكان تخوّفه الأشد هو أن الإسلاميين إذا وصلوا إلى الحكم سيبدؤون فوراً بتطبيق حدّ الزنا والسرقة على الناس، ليحوّلوا المجتمع إلى كومة من القتلى والمفضوحين والمعوّقين (مقطوعي الأيدي)…
لا يا أحبابي؛ الإسلام ليس كما تتصوّرون؛ إنه أنزِل رحمة للعالمين، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم أرسِل رحمة مهداة للعالمين؛ لعالمي الإنس والجنّ، لمسلمهم وكافرهم، وللحيوان وسائر المخلوقات، وهو القائل: إنما بُعِثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق، والقائل: دخلت امرأة النارَ في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خَشاش الأرض. وهو القائل: بينما رجل يمشي بطريق اشتدَّ عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ منِّي، فنزل البئر فملأ خُفَّه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر. وهو القائل: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه.
والإسلام يا أحبابي: لا يُجبِر الناس على اعتناق مبدإٍ لا يريدونه؛ وقرآنه المحفوظ من التحريف والتبديل منذ نزوله إلى يومنا هذا يؤكد أنه: (لا إكراه في الدين) البقرة: 257، (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر…) المائدة:41، (ومن يُسْلِمْ وجهَه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى والى الله عاقبة الأمور. ومن كفر فلا يحزنك كفرُه إلينا مرجِعُهم فننبِّئُهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور) لقمان:22-23، (إن تحرِصْ على هداهم فان الله لا يهدي من يُضل وما لهم من ناصرين) النحل:37، (وما أكثرُ الناس ولو حرصتَ بمؤمنين) يوسف:103،(ولو شاء ربك لآمن مَن فى الارض كلُّهم جميعا أفأنت تُكرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين) يونس:99 وغيرها.
والإسلاميون ـ أو أصحاب المشروع الإسلامي ـ ليسوا جفاة غِلاظاً يحملون سياطاً يسوقون الناس إلى الصلاة أو إلى ساحات تنفيذ الحدود، أو أنهم يحملون في أيديهم مادة الأسيد ليرشوا بها سيقان المتبرّجات، أو أن همّهم فقط إطالة اللحى وتقصير الثوب…إلخ من التصورات الخاطئة. وإذا وُجِد أناس بهذه الصفات فلا يمثّلون الإسلام الذي نعنيه، وإنما يمثلون قصورَ فهمٍ عن الإسلام الحق..
لا يا أحبابي: أصحاب المشروع الإسلامي لهم غاية أسمى ووسائل أرقى، إنهم يسعون في حدود طاقتهم، بالوسائل السلمية والإقناع والدعوة، أو “بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة(الحوار)بالتي هي أحسن “حسب التعبير الإسلامي، إلى إقناع الناس بفكرتهم، وأن الإسلام ـ الذي يحمل بين طياته ـ صفة التطور والمرونة ـ قادر على حلّ مشكلاتهم وتوفير السعادة لهم. وأنهم يقبلون بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع وما تسفِر عنه، بل ويدعون إليه وإلى التداول السلمي للسلطة، وإلى تغليب مبدأ المواطنة على الطائفية والإقليمية، وإلى تحييد الجيش على صعيد السياسة الداخلية، وإعداده للدفاع فقط عن البلاد.
وأصحاب المشروع الإسلامي يؤمنون بالتدرّج في أسلمة المجتمع وتطبيق أحكامه.
وأصحاب المشروع الإسلامي لايفكرون بتطبيق أحكام الإسلام وحدوده إلا بعد إصلاح ما أفسدته الأنظمة التي أفسدت البلاد والعباد والأخلاق والذمم، ولا يفكرون بتطبيق أحكام الإسلام وحدوده إلا بعد إشباع البطون والفروج بالحلال، وتأمين حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومشرب ومسكن وزواج، وقضاء على البطالة والتقليل من آثار الفقر وأسبابه إن لم يكن إلغائها.
وأصحاب المشروع الإسلامي يريدون طمأنة غير المسلمين بأن حقوقهم وأوضاعهم لن تتأثر في حال تطبيق الإسلام، بل إنه سيطبّق على المسلمين حصراً. أما هم فالإسلام يقرّ لهم بحرية العبادة، وبمحاكمهم وأحوالهم الشخصية في حدود ما يرون ما هو صالح لهم. أكثر من هذا، فإن الإسلام الذي سمح للمسلم بالزواج من غير المسلمة، المسيحية أو اليهودية، لا يسمح للمسلم أن يمنع زوجته تلك من حضور الصلوات والطقوس الدينية في دور العباة الخاصة بدينها. لذلك ليس من الحكمة أن يقف غيرُ المسلمين في صف أعداء الإسلام، كما أنه ليس من المبرر لهم أن يتوجسوا خيفة من هذا الدين؛ فقد حكم الإسلامُ هذه البلاد لقرون طويلة، كان غيرُ المسلمين خلالها أفضلَ من وضعهم الحالي، لأن المسلم الحقيقي يتذكر، بل يستحضر باستمرار، قول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: مَن آذى ذمِّياَ (غير مسلم) فأنا حجيجه يوم القيامة. وقوله عليه الصلاة والسلام: من آذى ذمياَ فقد آذاني.
أما ما نراه اليوم من تصرفات مشينة تجاه غير المسلمين من بعض المتطرفين، الذين يحاولون إلباس سلوكهم الشاذّ اللباس الإسلامي فليس حجة على الإسلام، كما أن تصرفات المتطرفين المسيحيين في الغرب، من النازيين الجدد، وحتى أولئك الحمقى الذين رسموا الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، والذين نشروا هذه الرسوم عن سابق عمد وإصرار في وسائل إعلامهم، وحتى ذاك الحاكم الذي زعم أن حروبه على الإرهاب في العراق وأفغانستان إنما هي حرب صليبية مقدسة بأمر الرب…، نقول: هؤلاء لا يمثلون المسيحية السمحة، ففي كل دين ومذهب ومبدإ متطرفون ومعتدلون.
بقي أن نقول:
إن الإنسان عدوّ ما جهل، فالحوارات والتواصل على جميع الأصعدة كفيلة بإذابة الجليد بين الحركات السياسية ذات التوجهات المتباينة، وكفيلة بإزالة الضبابية والغبش وسوء الفهوم والتصورات. وإن العودة إلى الأدبيات المعتمدة لأي حزب أو حركة أفضل من بناء تصورات عنها من أطراف مغرضة أو معادية. وإن البحث والتركيز على المساحات والقضايا المشتركة أفضل من التركيز على المختلف. ” ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ” صدق الله العظيم.

* المشرف على موقع وحدة العمل الوطني لكرد سورية