الرئيسية » مقالات » كتاب وكاتب

كتاب وكاتب

كتاب وكاتب
الكتاب: الفاشية التابعة في العراق
المؤلف د. كاظم حبيب
دار النشر: مؤسسة حمدي للطباعة والنشر – السليمانية كُردستان / العراق
تاريخ النشر: 2008 الطبعة الثانية
الطبعة الأولى: 1983 طبع من الكتاب 500 تم حرقه ولم ينج منه سوى بعض النسخ.
*********************
في العام 2008 صدر كتاب بعنوان “الفاشية التابعة في العراق” للكاتب الدكتور كاظم حبيب عن مؤسسة حمدي للطباعة والنشر في السليمانية. وكان الكتاب قد صدر لأول مرة في العام 1984 عن الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي للكاتب ب. السامر (أبو سامي) وهو الاسم الحركي للكاتب كاظم حبيب. والكتاب يتضمن مقدمة جديدة كتبها المؤلف لغرض توضيح مسألتين وهما: لماذا يعاد طبع الكتاب الآن أولاً , وتوضيح بع الأفكار التي لم تعد صالحة لزماننا وأوضاعنا الراهنة ثانياً.
مقدمة جديدة لكتاب الفاشية التابعة في العراق
الصادر للمرة الأولى في العام 1984
بدأت الغيوم تتلبد أكثر فأكثر ومن جديد في سماء العلاقات بين الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم الذي كان يقود السلطة في العراق ابتداءً من خريف العام 1976 وبداية العام 1977 وما بعدها بشكل خاص, بعد أن كان حزب البعث قد تصور مقتنعاً بأنه قد صفى مواقع قوى المعارضة السياسية الأخرى وأنها لم تعد قادرة على تهديد مواقعه في السلطة, وأنه قد استنفد حاجته من الدعم الذي تحقق له من خلال تعاونه الفوقي مع الحزب الشيوعي العراقي, وأنه لم يعد بحاجة إلى هذا الحليف الشيوعي الذي يستهدف “انتزاع” السلطة السياسية أيضاً, رغم مساهمته الهزيلة والشكلية في الحكم. وكانت الضربات القاسية والمدمرة قد بدأت تتوالى من جديد ضد تنظيمات الحزب الشيوعي في أعقاب المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي في بغداد في صيف العام 1976, بعد أن نشر ميشيل عفلق مقالته المعروفة حول الطلبة في مجلة آفاق عربية, إذ هاجم فيه الحزب الشيوعي العراقي وأعلن عملياً نهاية التحالف المؤقت الذي أقامه حزب البعث , علماً بأن نهج حزب البعث هو عدم إقامة تحالفات ثابتة بل تحالفات مؤقتة تنتهي بانتهاء الغرض منها. ويجد الإنسان هذا الموقف في كل الأدبيات الصادرة عن ميشيل عفلق وقادة البعث الآخرين وفي أدبياتهم الداخلية.
ومن الضروري تأكيد حقيقة أن أجهزة الأمن البعثية لم تتخل ولم تكف يوماً طيلة الفترة الواقعة بين 1972 وبدء الحملة الجديدة الموسعة والكاسحة في العام 1977 , عن الهجوم على مواقع وتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي عبر عدد من الإجراءات نشير إلى أهمها في أدناه :
1. العمل على ربط وتنظيم القوى المحيطة والمؤيدة للحزب الشيوعي في تنظيمات خاصة تابعة إلى حزب البعث وتقودها كوادر بعثية أطلق عليها اسم “اللجان الوطنية” بهدف إبعاد هؤلاء عن الحزب مع أخذ تعهد بأنهم لا يرتبطون بعلاقة حزبية مع الحزب الشيوعي العراقي. وقد تمكن البعث من كسب بعض الشيوعيين أيضاً, مما أجبرهم على قطع علاقتهم بالحزب الشيوعي. وكان الإخلال بالتعهد يعني الموت.
2. العمل من أجل كسب الشيوعيين إلى صفوف حزب البعث من خلال جعلهم مؤيدين له أولاً , ثم أنصاراً له, وأخيراً منح بعضهم القليل العضوية, ولكنهم يخضعون لقرار تنفيذ حكم الإعدام بهم في حالة ثبوت أي علاقة لهم بالحزب الشيوعي. وكان أسلوب “الجزرة والعصا” هو النهج الذي مورس مع هؤلاء من قبل أجهزة حزب البعث وأجهزة الأمن والمنظمات الشعبية والمهنية البعثية.
3. اعتقال جمهرة من الشيوعيين وإسقاطهم بسبل كثيرة بما فيها ممارسة التعذيب الشرس, ثم فرض استقالتهم من الحزب وتحولهم إلى مواقع حزب البعث. وكان البعض من هؤلاء يُفرض عليه الاستمرار في العمل في صفوف الحزب الشيوعي لتوفير المعلومات الإضافية لأجهزة الأمن الحكومية, أي العمل كجواسيس. وبعضهم ابلغ الحزب بما يراد منه وسمح بذلك للحزب الشيوعي أن يبتعد عنه أو أخذ الحذر الضروري منه.
4. زج قوى من أجهزة الأمن البعثية المدربة في صفوف الحزب الشيوعي ليكونوا أدوات منفذة لتأمين ترحيل المزيد من الجواسيس إلى صفوف الحزب وتأمين معلومات عن نشاط الشيوعيين في مختلف محافظات البلاد. وقد مورس هذا الدور بشكل واسع في مختلف محافظات القطر ولكن بشكل خاص في كل من بغداد والبصرة أو الجنوب عمماً. وقد تسنى لي معرفة ذلك حين ذهبت إلى البصرة لإلقاء محاضرة في جمعية الاقتصاديين واللقاء بالمسئولين في منظمة الجنوب, وكذلك زيارة إشرافية لبعض تنظيمات بغداد ومنها المنظمة العمالية في السكك الحديد التي كان الأمن قد غزاها بسبب قلة حذر مسئولها واللجنة الحزبية.
5. إرسال بعض النساء العاهرات المرتبطات بأجهزة الأمن الحكومية إلى بعض الشيوعيين والكوادر الشيوعية من الضعفاء أمام المرأة لتوريطهم بعلاقات جنسية معهن ثم التقاط بعض الصور والأفلام أثناء العملية الجنسية وبأوضاع فاضحة ثم تهديدهم بإيصالها لعائلاتهم ونشرها على نطاق واسع للتشهير بهم في حالة عدم العمل مع أجهزة الأمن البعثية.
لقد وجهت أجهزة الأمن البعثية في البداية ضرباتها إلى قواعد الحزب والحواشي الرخوة منه وفي الأطراف حيث لا تثير ضجة كبيرة حول ذلك. ولكنها كانت تحث الخطى صوب ضرب الكوادر المتقدمة والمركزية في الحزب ببطء ملموس ومبرمج ومقصود بحيث لا يثير ضجة دولية كتلك التي حصلت في العام 1963, رغم أن الهدف كان واحداً لم يتغير, وأعني به إضعاف وتصفية الحزب الشيوعي العراقي. كما كان يهدف إلى الوقيعة بين قيادة الحزب والقاعدة باعتبارأن الضربات تتوجه صوب القاعدة في حين تحتفظ القيادة بعلاقات طيبة وتحالفية مع حزب البعث, وأن القيادة عاجزة عن الدفاع عن رفاقها الذين يعتقلون ويعذبون ويسقط البعض الكثير منهم سياسياً يومياً. كما أن ضرب تنيظات الحزب القاعدية تعني بالضرورة إضعاف مواقع الحزب في أوساط الشعب وعلاقته بها وقدرته على التحرك بينها والتأثير فيها.
وفي العام 1978 بدأ حزب البعث, ومعه النظام السياسي وأجهزة الأمن, حملة فكرية وإعلامية شرسة ضد الحزب الشيوعي برزت في صحيفة الراصد وفي مواقع أخرى, كما تم اعتقال رفيقين مركزيين معروفين أولهما يعمل في المجال الإعلامي والعلاقات هو الرفيق فخري كريم, والثاني هو الرفيق عادل حبة الذي كان يعمل في مجال العلاقات بحجة اجتماعهما بوفد أفغاني رسمي جاء لزيارة العراق. وكان اعتقالهما بمثابة إنذار جديد للحزب بأن حزب البعث لن يتورع عن اعتقال قيادة الحزب حين يرى ذلك ضرورياً لتنفيذ سياساته وأهدافه. وقد أجبر البعث على إطلاق سراحهما وهما مرفوعا الرأس. وإذا كان الاعتقال قد مس عضوين مركزيين أو ثلاثة, فأن أجهزة الأمن بدأت بتوجيه ضرباتها ضد الكوادر الحزبية المتقدمة والوسطية التي تلعب الدور الأوسع في قيادة التنظيمات القاعدية بشكل مباشر, كما أنها تشكل عملياً صلة القيادة بالقاعدة وبالمجتمع.
وفي تموز من العام 1978 تم اعتقالي أيضاً من قبل أجهزة الأمن. ووضعت في زنزانة صغيرة لا تزيد مساحتها عن 3,6 م2 وبضمنها المرفق الصحي. لم يكن اعتقالي صدفة أو بسبب المقال الذي كتبته ونشر في جريدة “طريق الشعب” الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي, في تموز من العام 1978, بل كان المقال ذريعة استُخدمت لاعتقالي, ولكنه مع ذلك يعتبر أحد الأسباب أو القشة التي قصمت ظهر البعير. فما هي الأسباب أو الدوافع الفعلية وراء اعتقالي؟ من الممكن تلخيصها بالنقاط التالية:
• لقد جاء اعتقالي واعتقال الرفيقين المركزيين الآخرين قبلي بمثابة تأكيد من جانب قيادة حزب البعث والسلطة البعثية بأن لم تعد هناك رغبة في استمرار التحالف وأن لا فائدة منه لحزب البعث بعد الآن ويجب التخلص منه , كما لم تعد هناك “لحية مسرحة” في الحزب الشيوعي لا يمكن التجاوز عليها واعتقالها, كما يقول المثل الشعبي, ولن يتورع حزب البعث عن اعتقال قياديي وكوادر الحزب الشيوعي العراقي ضارباً بشكل نهائي وقطعي التحالف الجبهوي القائم عرض الحائط. لقد كان صدام حسين, وكذا أحمد حسن البكر, يرى في الحزب الشيوعي, بهذا القدر أو ذاك, عائقاً فعلياً أمام تحقيق سياساته وأهدافه الشوفينية والعدوانية في العراق والمنطقة , إذ لم يمض على تلك الهجمات سوى فترة قصيرة لتبدأ حرب النظام ضد إيران التي كان صدام حسين يخطط لها منذ فترة غير قصيرة.
• في أيلول من العام 1976 دخلت في نقاش صريج ومباشر وحاد مع صدام حسين من على منصة المؤتمر الزراعي السنوي في نادي نقابة المهندسين الزراعيين ببغداد حيث طرحت بصراحة ووضوح إنعدام العمل المشترك بين الحزبين وانفراد حزب البعث في السلطة وفي اتخاذ جميع القرارات السياسية والاقتصادية وغيرها بمفرده, في حين يتحمل الحزب الشيوعي مسئولية تلك القرارات غير المدروسة. إذ أن هذا الواقع يقود الحزب الشيوعي وصحيفته “طريق الشعب” إلى توجيه النقد إلى سياسات حزب البعث التي يتخذها بصورة منفردة ولا يمكن أن يكون الحزب الشيوعي مسئولاً عنها بأي حال وهي تصطدم برفض الشعب لها. وعن تلك السياسات تنشأ الاختناقات في السوق وتتسبب في إثارة المجتمع ضدها. وكان صدام حسين قد بدأ مع بداية المؤتمر لتوجيه النقد للحزب الشيوعي وصحيفته لأنهما ينتقدان إجراءات البعث الاقتصادية, مما دفعني إلى خوض النقاش معه من على منصة المؤتمر وتوجيه النقد لسياسة البعث والدفاع عن مواقف الحزب والجريدة. ثم جرى حوار منفرد بيني وبين صدام حسين استمر قرابة الساعتين تناول الوضع السياسي والاقتصادي في البلاد وسياسة البعث وتدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وموقف حزب البعث من جملة القضايا التي تمس المجتمع في العراق. ولم يكن هذا النقد مريحاً لحزب البعث وصدام حسين. وقد كتبت تقريراً تفصيلياً في حينها عن هذا اللقاء إلى المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. ونسخة التقرير الوحيدة يفترض أن تكون في أرشيف الحزب الشيوعي, إذ لم أحتفظ بنسخة منها مع الأسف الشديد. وقد نقل الحوار من على منصة المؤتمر إلى أفراد المجتمع عبر قناة التلفزة العراقية.
• في العام 1978 طلب رئيس المجلس الزراعي الأعلى عزة الدوري مني رسمياً ووفق كتاب صادر عن مكتب صدام حسين في مجلس قادة الثورة, باعتباري عضواً متفرغاً في المجلس الزراعي الأعلى, إلقاء محاضرات حول الاقتصاد العراقي على دورة لرجال الأمن العراقي قادمين من جميع المحافظات العراقية. وقد اشترطت على عزة الدوري حين طرح علي قرار مجلس قيادة الثورة وصدام حسين أن أقوم بذلك بعد أخذ موافقة الحزب الشيوعي على هذا الانتداب باعتباري رفيقاً مركزياً لا يمكن ولا يجوز له قبول مثل هذا القرار دون موافقة الحزب عليه. طرحت الطلب على المكتب السياسي والسكرتير الأول للحزب مباشرة, فجاء الجواب بالموافقة على قيامي بإلقاء تلك المحاضرات. وكانت محاضراتي صريحة ونقدية ومباشرة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة والمضرة التي كان حزب البعث يمارسها في العراق والتي تجلت في التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن, إضافة إلى شرح أوجه الفساد المالي وعمليات النهب والسلب التي كانت تتعرض لها موارد العراق المالية وقطاع الدولة عبر شركات المقاولات المحلية والدولية وأجهزة الدولة البيروقراطية ومشاركة مجموعة من الشخصيات العربية والعراقية في هذه العمليات, ثم تطرقت إلى حالة السوق المحلية وتفاقم الاختناقات السلعية وأدوات الاحتياط, واتساع فجوة الدخل السنوية بين فئات المجتمع لصالح الأغنياء وتفاقم الفقر للفئات الأكثر كدحاً وتهميشاً في المجتمع, وإهمال التنمية الاقتصادية والبشرية في كُردستان العراق وفي الجنوب على نحو خاص, وكذلك حول البذخ المفرط والمنفلت من عقاله في إقامة المشاريع الاقتصادية وغياب دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية بالنسبة إلى جميع المشاريع التي كانت تقام في البلاد بسبب تلك السياسة الرعناء التي أطلق عليها بـ “التنمية الانفجارية”. وكان هذا النقد الصريح والواضح قد أثار استفسارات كثيرة من المشاركين في الدورة وعدم ارتياح من أجهزة الأمن والسلطة. وكانت التقارير عن هذه الدورة ترفع إلى صدام حسين مباشرة. وللفائدة أشير إلى أن المحاضرات التي قدمتها في هذه الدورة لم تختلف عن تلك التي كنت أقدمها للطلبة في الجامعة المستنصرية في دروس “اقتصاديات العراق والوطن العربي”, ولكنها تميزت بقوة النقد والكشف عن أخطاء تلك السياسة وما تسببه من اختلالات في العملية الاقتصادية العراقية. وكانت تلك المحاضرات التي أقدمها في كلية الاقتصاد في الجامعة المستنصرية تستقطب طلبة الاقتصاد وتجلب المهتمين منهم من جامعة بغداد للاستماع إليها والتي تسببت في نقلي إدارياً من الجامعة المستنصرية إلى عضو متفرغ في المجلس الزراعي الأعلى بدرجة خاصة. وكانت علاقتي الطيبة مع جميع الطلبة دون استثناء سبباً إضافياً لذلك النقل. ومن المفيد أن أشير إلى أن هذه المادة كانت تسمى اقتصاديات الوطن العربي, ولكني غيرتها ومنحتها تسميتها الجديدة “اقتصاديات العراق والوطن العربي” والسبب في ذلك واضح تماماً.
كان نقلي من الجامعة المستنصرية إلى المجلس الزراعي الأعلى يعود إلى أسباب عديدة. ففي إحدى محاضراتي الاقتصادية في الجامعة المستنصرية أشرت مثلاً إلى أحد أساليب الغش والنهب التي كانت تمارس في قطاع التجارة العراقية, حيث تتعرض الدولة والمستهلك إلى الغش وإلى تحمل خسائر كبيرة, إذ شرحت للطلبة الحالة التالية:
يقوم التاجر العراقي باستيراد علف الدواجن بسعر معين يتفق عليه مع المصدر الأجنبي, وليكن مائة دينار للطن الواحد. ولكن في حقيقة الأمر فأن سعر الطن الواحد لا يزيد عن 50 ديناراً مثلاً. وفي ضوء ذلك يحصل التاجر على إذن باستيراد 1000 طن علف دواجن بقيمة 100000 دينار عراقي ويسمح له بفتح اعتماد بقيمة المبلغ لتحويله إلى الشركة التي استورد منها العلف الحيواني. تقتطع الشركة المبلغ المقرر لها وهو 50 ألف دينار عراقي وتحول الباقي لحساب التاجر في مصرف له فيه رقم حساب. تفرض الحكومة ضريبة جمركية مخفضة نسبياً على علف الحيوانات, ولكنها في كل الأحوال أعلى من تلك الضريبة التي لو كان سعر الطن الواحد 50 ديناراً فقط. وبالتالي سيبيع التاجر الطن الواحد ب 100 دينار زائداً مقدار الضريبة الجمركية زائداً نسبة ربح معينة لتاجر الجملة المستورد. وفي ضوء ذلك سيضطر تاجر المفرد بشراء السلعة بسعر مضاعف وبنسبة ربح عالية, كما سيقوم التاجر المفرد ببيعها لمستهلكي العلف الحيواني من مربي الدواجن بسعر أعلى يحقق بموجبه ربحاً له أيضاً, وهكذا يرتفع سعر علف الدواجن والدواجن في السوق المحلية بالنسبة لمستهلكي الدجاج من السكان. وهكذا يسرق التاجر المستورد الدولة والمستهلك في آن واحد, وهو تجسيد حي لشكل من أشكال الفساد المالي في الدولة والمجتمع. وهذا الشكل من النهب كان يمارس في جميع مجالات التجارة والمقاولات , إضافة إلى أشكال أخرى من النهب المبطن.
في مساء ذلك اليوم اتصل أحد التجار المستوردين لعلف الدواجن هاتفياً بأخي الراحل الدكتور مهدي حبيب محتجاً على طرحي لمثل هذا الموضوع في الجامعة, إذ وصله ذلك من أحد الطلبة. وكان في الحديث تهديد مبطن لي باسم تجار علف الدواجن. لم أعر لذلك التهديد أي اهتمام واقتنعت بصحة الحالة التي عرضتها, رغم أنها كانت شكلاً واحداً وبسيطاً من أساليب النهب والسلب والفساد في الدولة والمجتمع. لم يطلب أخي في حينها, الذي كان يكبرني سناً, أن أكف عن ذكر تلك الحالات في محاضراتي, بل أكد لي صحة الملاحظة, إذ كانت له صلة بتربية الدواجن وليس باستيراد العلف, ولم يكن هو من نبهني إلى هذه السرقة.
• في العام 1978 جرى إعدام 34 مناضلاً شيوعياً وديمقراطياً شاباً تتراوح أعمارهم بين 20 -26 سنة بحجة كونهم كانوا ينشطون سياسياً في الجيش العراقي أثناء تأديتهم الخدمة الإلزامية أو خدمة الاحتياط. وقد أشعل هذا القرار الغضب الشديد في نفوس الشيوعيين والديمقراطيين العراقيين دون استثناء وألهب الغضب في نفسي أيضاً, وشعرت بالأسى والحزن الشديدين على هؤلاء الشباب وعلى مشاركتنا في حكم يشنق الشيوعيين والديمقراطيين بعد أن ضرب قبل ذاك الحركة الديمقراطية الكردية المسلحة في كُردستان في العام 1975 ومشاركتنا بالمسئولية في هذا الأمر أيضاً, بغض النظر عن تعقيدات علاقتنا في حينها مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحمله أيضاً مسئولية تدهور العلاقة بينه وبين الحزب الشيوعي العراقي. ففي اجتماع اللجنة المركزية في شهر آذار/مارس- نيسان/أبريل من العام 1978, كما أتذكر, عرضت رأيي بصراحة ووضوح ودون توتر حول سياسة البعث وشخصت كونها سياسة فاشية معادية لكل ما هو ديمقراطي في العراق. وقد عقد هذا الاجتماع في غرفة الاستقبال التابعة للمقر المركزي للحزب الشيوعي والمطل على ساحة عقبة بن نافع بدلاً من استخدام الغرفة المعتادة والمخصصة لاجتماعات اللجنة المركزية, وهي تقع في البيت الآخر الواقع على الشارع الخلفي الفرعي تجنباً للإنصات من جانب أجهزة الأمن. ولكن الأمن العراقي كان, كما بدا لاحقاً, أنه كان قد وضع ما يكفي من أجهزة الإنصات ليس في كل غرفة من غرف الدار فحسب, بل وكذلك كان الإنصات العام يتم عبر الدور المجاورة والملاصقة للمقر والتي كانت تحت تصرفه. ولهذا أمكنه الإطلاع على الكثير من مجريات المناقشات. وربما كان للبعث جاسوس مندس في مقر اللجنة المركزية ويحصل على المحاضر بطريقة ما ويصورها, إذ لا أشك بأي حال بأي عضو من أعضاء اللجنة المركزية, ولكن لا أستبعد أن يكونوا في مواقع أخرى في المقر المركزي للحزب حينذاك, إذ كان لهم مثلاً جاسوساً في مقر الحزب في البصرة كان يعمل حارساً ليلياً وكان يقوم بتصوير ما يريده البعث ويوصله لأجهزة الأمن, وقد اُكتشف أمره بعد خراب البصرة. كما أني قمت, بعد أن علمنا بالإعدام, بحملة واسعة وغاضبة للاحتجاج لدى بعض قياديي البعث حول جرائم الإعدام بحق هؤلاء المناضلين والتقيت بطاهر العاني وحسن العامري وعزة الدوري, كما تحدثت بهذا الشأن مع الأخ الدكتور صلاح الشيخلي, الذي كان في حينها ما يزال رئيساً للجهاز المركزي للإحصاء المرتبط بوزارة التخطيط. وقد وصمت, في حديثي مع قياديي البعث , عملية إعدام الشيوعيين والديمقراطيين بالجرائم الفاشية البشعة. وكنت عادلاً ومحقاً في وصفها تماماً, رغم المخاطر التي كانت تتهدد من يجرأ على ذلك. ومن الجدير بالإشارة إلى أن صدام حسين قد قام في حينها بتقدم منحة مالية قدرها مائة مليون دولار هدية إلى حكومة فيدل كاسترو في كوبا في مقابل حصوله على وسام مارتين خوزيه, وهو أعلى وسام كوبي. وقد اقترن ذلك بذات الفترة التي تم فيها تنفيذ حكم الإعدام بالشيوعيين والديمقراطيين الذين اتهموا بالعمل في القوات المسلحة. وكان الثمن الفادح وغير المعلن الذي دفعه الحزب الشيوعي الكوبي قد تجلى في السكوت عن هذه المجزرة البشرية والتغطية على عملية الإعدامات وتدهور العلاقة بين حزب البعث الحاكم والحزب الشيوعي العراقي! وكان السكوت والتغطية على الجريمة النكراء دولياً بمثابة مشاركة غير مباشرة في ارتكاب الجريمة. وخلال وجودي في كوبا بدعوة لحضور الموتمر الوطني للحزب الشيوعي الكوبي في العام 1985 طرحت هذا الموضوع على عضو في المكتب السياسي للحزب موجهاً عتباً وانتقاداً شديداً لذلك التصرف غير المقبول الذي عرض سمعة كوبا وفيديل كاسترو إلى الإساءة وأثار في نفوس الشيوعيين والديمقراطيين الغصة والاستغراب وعدم الارتياح.
• وفي العام 1978 نشرت مقالاً في جريدة طريق الشعب حول سياسة البعث الاقتصادية ومخاطرها على العراق وتعارضها مع القوانين الاقتصادية الموضوعية والتي مست مباشرة صدام حسين باعتباره رئيس مجلس التخطيط والمسئول الأول عن وضع وتنفيذ السياسة الاقتصادية في مجلس قيادة الثورة. وقد أثار هذا المقال حفيظة صدام حسين وقرر اعتقالي ,أصدر أمراً مكتوباً بخط يده بهذا الاعتقال وبكل ما يفترض أن يمارس ضدي في معتقل مديرية الأمن العامة في البتاويين ببغداد, حيث وضعت في زنزانة صغيرة مساحتها حوالي 3,60 م2, أي عرضها 1,20 م وطولها ثلاثة أمتار تقريباً, وبضمنها المرفق الصحي البائس. وفي زنزانة مجاورة كان قد وضع صدام حسين فيها وكيل وزير الداخلية حينذاك السيد الألوسي, وحين خرجت من المعتقل كان ما يزال معتقلاً فيها ولأسباب لا أعرفها.
• ومنذ صدور التقرير السياسي لحزب البعث العربي الاشتراكي في كانون الأول من العام 1974 الذي أقر سياسة التنمية الانفجارية وقفت ضد هذه السياسة وحاولت الكشف عن مخاطرها وتحدثت بشكل تفصيلي بهذا الشأن مع السيد الدكتور فخري قدوري بعد أن طلبت لقاءً معه للبحث في هذه المشكلة, الذي كان في حينها رئيساً للجنة الشئون الاقتصادية التابعة لمجلس قيادة الثورة, التي ارتبطت بصدام حسين وكان مقرها في المجلس الوطني الذي شيده عبد الكريم قاسم, كما كان رئيساً لجمعية الاقتصاديين العراقيين, كما ناقشتُ هذه الفكرة في الندوات التي عقدت في جمعية الاقتصاديين العراقيين وبحضور صدام حسين وعدنان الحمداني, وكان الأخير في حينها وزيراً للتخطيط. وهكذا شاركت في نقاشات حول الإنتاجية التي كانت في الغالب الأعم غير مؤيدة للنهج الذي مارسه صدام حسين, ولكنها لم تلغ أهمية إنتاجية العمل.
• وفي العام 1977 قدمت تقريراً اقتصادياً إلى اللجنة الاقتصادية المركزية (لقم), بالتعاون مع الرفيق والصديق الدكتور المهندس والاقتصادي جعفر عبد الغني, حول السياسة الاقتصادية لحكومة البعث التي وضعت في ضوء التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث العربي الاشتراكي, وكذلك حول الوضع الاقتصادي واتجاهات تطور البلاد. وقد حظي ذلك التقرير الموسع والملموس بموافقة اللجنة الاقتصادية التي كنت مسئولاً عنها, وقدم باسم لقم إلى المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ليكون أساساً لكتابة الجانب الاقتصادي في تقرير اللجنة المركزية, حيث كلف بكتابته كل من الرفيق عبد الرزاق الصافي, عضو المكتب السياسي , والرفيق الراحل رحيم عجينة, عضو اللجنة المركزية. وكنا في هذا التقرير قد شخصنا الاتجاهات الشديدة السلبية في سياسة حزب البعث وسلطته وعواقبها على الاقتصاد العراقي وتطور البلاد ومخاطر تفاقم الاستبداد السياسي والهيمنة البعثية على الاقتصاد والمجتمع وأجواء الفساد المالي والبذخ الكبير والتفريط بأموال البلاد واتجاهات التسلح الجديدة.
كل هذه العوامل, إضافة إلى مواقفي النقدية في المجلس الزراعي الأعلى, كانت, كما أرى, الأسباب المباشرة وراء اعتقالي وتعذيبي تعذيباً شرساً دون أن يتمكنوا من لوي إرادتي وخرجت مرفوع الرأس, كما خرج الرفيقان فخري كريم وعادل حبة مرفوعي الرأس قبل ذاك أيضاً.
وبقرار من قيادة الحزب الشيوعي العراقي خرجت من العراق في نهاية شهر نوفمبر 1978 قاصداً الجزائر حيث عينت أستاذاً في معهد االعلوم الاقتصادية وأستاذاً محاضراَ في كلية الحقوق في الجزائر العاصمة.
لقد كان البعث يستهدف تقديمي إلى محكمة الثورة بتهمة إهانة مجلس قيادة الثورة والحط من سياسته وسمعته من جهة, وتدبير أمر اغتيالي عبر دهسي بشاحنة على طريق المطار حيث كنت اسكن في حي الفردوس بالعامرية وأمارس الرياضة الصباحية بالهرولة في المنطقة ذاتها. وكان الفضل في تنبيهي إلى محاولات الخلاص مني يعود في حينها إلى الرفيق الراحل عامر عبد الله ومهدي الحافظ.
بقيت في الجزائر ثلاث سنوات تقريباً بعدها تركت التدريس ورفضت تجديد العقد مع وزارة التعليم العالي الجزائرية وغادرت للمشاركة في نضال الپيشمرگة /الأنصار في كُردستان بمحض إرادتي ورغبتي وربما بعدم ارتياح كبير من جانب بعض أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية لأسباب مختلفة, إذ كان البعض منهم يفضل بقائي في الجزائر, كما كان البعض ضد مشاركتنا مع بقية القوى السياسية الكردية في حركة الأنصار أصلاً. كنت مقتنعاً مع عدد غير قليل من رفاق اللجنة المركزية بضرورة خوض الكفاح المسلح ضد الحكم الفاشي في العراق. وقد تبنيت مع تلك المجموعة من الرفاق في اللجنة المركزية, ومنهم الرفاق فخري كريم بهاء الدين نوري وتوما توماس ويوسف اسطيفان وفاتح رسول وأحمد باني خيلاني وسليم إسماعيل وحميد مجيد موسى والراحل الدكتور رحيم عجينة ومهدي عبد الكريم وآخرون, شعار الكفاح المسلح منذ العام 1979 وطرحناه في اجتماع اللجنة المركزية في صيف العام المذكور في برلين, حيث أمكن إقناع الأكثرية بتبني هذا الشعار, إضافة إلى تبني شعار مركزي جديد هو “إسقاط الدكتاتورية” بدلاً من “الخلاص من الدكتاتورية”, وإلى تبني شعار الكفاح المسلح كأحد أساليب الكفاح لإسقاط النظام, علماً بأن مناضلين آخرين من الحزب كانوا قد صعدوا إلى المنطقة الجبلية في كُردستان وشكلوا نواة الحركة الأنصارية الجديدة للشيوعيين العراقيين وتعاونوا مع الحزب الديمقراطي الكردستاني ومع الاتحاد الوطني الكردستاني للعمل كفصيل من فصائل الحركة المسلحة في إقليم كردستان العراق منذ نهاية العام 1978 وحصلوا على دعم أولي منهما, ولكن الحزب الشيوعي العراقي لم يكن حتى ذلك الحين قد تبنى رسمياً شعار الكفاح المسلح, وصدر القرار بهذا الشأن لأول مرة في اجتماع اللجنة المركزية في برلين في صيف العام 1979. لقد كان بين الرفاق المشاركين في حركة الأنصار الشيوعيين والمكونين لنواتها الأولى بعض الرفاق المركزيين وبعض الكوادر المتقدمة وكثرة من الأعضاء والمؤيدين من مختلف القوميات. وقد حصل الرفاق الأنصار على مساعدات قيمة حينذاك, حصلوا على أسلحة وعتاد من قيادتي الحزب الديمقراطي الكردستاني ومن الاتحاد الوطني الكردستاني.
التحقت بحركة الأنصار الشيوعيين في نهاية العام 1981 وبعد ارفضاض اجتماع اللجنة المركزية للحزب في موسكو في شتاء العام 1981. وفي هذا الفترة بدأت تنضج عندي فكرة إنجاز كتاب حول الوضع القائم حينذاك في العراق, وبدأت اجمع له المعلومات والوثائق الضرورية. وقد تمكنت من إنجازه في العام 1983, في وقت كنت أعمل مسئولاً حزبيا عن قاطع بهدينان في كُردستان العراق, وكان الرفيق توما توماس (أبو جوزيف) مسئولاً عسكرياً عن القاطع. وقد ساعدني الرفيق أبو هشام والرفيق والصديق الدكتور إبراهيم إسماعيل طاهر على طبع هذا الكتاب على ورق الاستنسل في ربيع العام 1983 حيث تم طبع نسخ قليلة جداً منه. أخذت أوراق الاستنسل معي إلى وادي لولان بعد أحداث بشت آشان لكي يسحب هناك على الرونيو. وفي وادي لولان حيث كنت مسئولاً عن إعلام الحزب الشيوعي العراق, أمكن طبع حوالي 500 نسخة من هذا الكتاب.
كنت في هذه الفترة قد توصلت من الناحية النظرية إلى موضوعة تقول أن الفاشية, كأسلوب في الحكم, لا تظهر في الدول الرأسمالية المتقدمة فقط, كما أشار إلى ذلك سكرتير الأممية الثالثة جيورجي ديمتروف في العام 1935 وفي مؤتمر الأممية السابع, بل يمكن أن تظهر في الدول النامية أو في دول المحيط والدول التابعة. وقد أطلقت تسمية الفاشية التابعة أو فاشية دول المحيط على تلك الأساليب التي تمارسها الدكتاتوريات المطلقة ضد شعوبها والقوى السياسية فيها, بما تتميز به من نهج شوفيني أو عنصري وعدواني وعسكري في معالجة القضايا التي تواجهها محلياً وإقليمياً ودولياً. وقد بذلت جهداً لتحليل الخصائص التي تتميز بها الفاشية في هذه الدول, استناداً إلى مفهوم المركز والمحيط وإلى دراسات أنجزت في دول أوروبا الشرقية وفي أمريكا اللاتينية حول الفاشية التي ظهرت في تلك البلدان في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين, ثم عالجت طبيعة النظم السياسية التي أقيمت في بعض دول أوروبا الشرقية في تلك الفترات أو ما بعدها من القرن الماضي وفي شرق أوروبا وبلدان الشرق الأوسط أو جنوب شرق آسيا. ثم درست الواقع العراقي وطبيعة النظام السياسي القائم فيه واتجاهات تطوره وسياساته الداخلية والإقليمية والدولية وممارساته الفعلية إزاء القوى السياسية الأخرى المعارضة له وإزاء المجتمع ومكونات الشعب القومية والدينية والمذهبية. وكانت أمامي تنهض أفكار حزب البعث منذ تأسيسه في العام 1947 في سوريا ولبنان ومن ثم في العراق ونهجه الفكري والسياسي في العراق في العام 1963 ومواقفه من الشعب الكردي وحقوقه المشروعة ومن الفكر الشيوعي. ومن خلال تلك الدراسة توصلت إلى استنتاج أو مقولة تشير إلى إمكانية ظهور الدكتاتورية في العراق التي تمارس الأساليب الفاشية في الحكم. وبمعنى آخر لا يعني ذلك حتمية بروز مثل هذه النظم في دول المحيط أو البلدان النامية, ولكن إمكانية أو احتمال ظهورها قائم. وقد برهنت الحياة على صحة هذا الاستنتاج بصدد النظام العراقي وخاصة في أثناء وفي أعقاب خوضه الحرب ضد إيران ثم في سياساته وممارساته الدموية ذات الطبيعة العنصرية في مجازر الأنفال وفي استخدام السلاح الكيماوي ضد سكان حلبجة الكرد وفي غزوه الكويت وقمع انتفاضة الشعب في الجنوب وفي إقليم كردستان في العام 1991 …الخ, ومن ثم في غزوه العدواني الشرس للكويت. ويمكن إيراد العديد من النظم السياسية في الدول النامية التي تتماثل في وضعها مع العراق في فترة حكم صدام حسين, ولكن نظام صدام حسين كان أكثرها سوءاً وفاشية وعدوانية إزاء الشعب وإزاء جيرانه والمنطقة, وألحق أضراراً فادحة بالعراق وبالشعب الكردي وبقية المكونات القومية وفي العراق وبالأمة العربية بشكل عام.
لا شك في أن الكتاب الذي أضعه بين أيدي القارئات والقراء في بعض جوانبه لا يمكن أن يصلح للوقت الحاضر, إذ أن الكثير من أفكاره شاخت وأصبحت قديمة وخاصة في ما يتعلق بدور الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية أو بالموقف من الاشتراكية في المرحلة الراهنة وليس كقضية نضال من أجل العدالة الاجتماعية في المجتمعات البشرية. ولا شك في أن المدرسة التي كنت أنتمي إليها, المدرسة الماركسية اللينينية, وكنت مخلصاً لها وحريصاً عليها ومؤمناً بها (والأيمان بها كان هو الخطأ الفادح لدى الغالبية العظمى من الشيوعيين في العراق وفي الدول العربية على أقل تقدير) وهي التي قادتني إلى تلك الاستنتاجات بشأن دور الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية وتصور أن الاشتراكية لم تعد بعيدة عنا, وهي قريبة المنال, بل وقد تخيلنا أيضاً بأنها قاب قوسين أو أدنى. وكانت هذه التحليلات تعبر عن رغبة ذاتية لدى الشيوعيين السوفييت ولدينا وليس عن واقع موضوعي يبرر مثل هذا التقدير. وقد برهنت الحياة على عدم صحة هذا التقدير. علينا أن نتذكر هنا تصريحات القادة والمسئولين والعلماء السوفييت حول قرب بناء الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وبعض الدول الاشتراكية, في حين أنها كانت تعاني من أكثر الفترات تدهوراً في مجالات الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وفي بيروقراطية الدولة السوفييتية والحزب الشيوعي السوفييتي وفي ابتعاد الناس عن القيادة الحزبية والحكومية وعن ممارسات النهب والسلب لموارد البلاد والقطاع “الاشتراكي!”, لنقتنع عن مدى تطرف وابتعاد مدرستنا الماركسية – اللينينية – السوفييتية حينذاك, وربما للبعض حتى الآن, عن الماركسية العلمية وعن الواقع المعاش فعلاً.
أنا أقف الآن في معسكر اليسار الديمقراطي وأحاول الاستفادة القصوى من المنهج العلمي الذي وضعه كارل ماركس, المنهج المادي الديالكتيكي في دراساتي ومقالاتي, ولكن هذا لا يعني أني قد توفقت باستمرار في الاستفادة من هذا المنهج العلمي القابل للتطور والتطوير. كما أني لم اعد لينينياً كما كنت سابقاً, وبين الاثنين فرق كبير ومسافة كبيرة فاصلة لست بمعرض الحديث عن هذا الفرق في هذه المقدمة.
الكتاب الذي أنجزته في العام 1983 وطبع في العام 1984 تحت عنوان “الفاشية التابعة في العراق” وباسم ب. السامر كنت قد وضعته تحت تصرف الأنصار. وقد استشهد العديد منهم وهو يحمل على ظهره هذا الكتاب وقرأه البعض القليل من الرفاق والأصدقاء ومن وقع في يديه في سوريا ولبنان وإيران حينذاك. غادرت كُردستان في شتاء 1984 قاصداً براغ لتمثيل الحزب الشيوعي العراقي في هيئة ومجلس تحرير مجلة قضايا السلم والاشتراكية (الوقت). وفي حينها سلمت مسئولية الإعلام إلى الرفيق عبد الرزاق الصافي (أبو مخلص). وكانت نسخ الكتاب لم توزع بشكل واسع بعد, إذ كان المفروض أن يأخذها المراسلون الشيوعيون إلى سرايا وفصائل الحركة الأنصارية وإلى قوات الپيشمرگة في إقليم كُردستان وكذلك إلى المدن في داخل العراق. ولكن بعد خروجي, كما عرفت في العام 2006, أن عضو المكتب السياسي في حينها الرفيق عبد الرزاق الصافي قد قام بحرق جميع نسخ هذا الكتاب والبالغ عددها 450 نسخة تقريباً, في ما عدا بعض النسخ التي استطاع البعض ممن استهواه الكتاب تهريبها, ومنهم الشاعر الكردي محمد رانجاو, كما كنت قد أرسلت نسختين عبر البريد الإيراني إلى ألمانيا حيث احتفظ بهما حتى الآن. وحين علمت بحرق الكتاب من السيد محمد رانجاو, استفسرت من الرفيق عبد الرزاق الصافي عن هذه الفاجعة الثقافية التي لا يمارسها الشيوعيون من حيث المبدأ, فأشار في البداية إلى أنه لم يتذكر الحادثة, ثم أردف بعد أن ذكرته بأن حرق كتاب مسألة لا تنسى بأي حال, قال بامتعاض: “تعرف يا دكتور كيف كانت تتخذ القرارات في المكتب السياسي حينذاك”! التقيت بالرفيق عبد الرزاق الصافي في أربيل أثناء انعقاد أسبوع المدى الثقافي الذي تنظمه بنجاح مؤسسة المدى للثقافة والإعلام سنوياً في الفترة الواقعة بين 29/4/-5/5/2007 واستفسرت منه عن حقيقة الأمر فأشار بما يلي: في أواخر عام 1984 قرر المكتب السياسي عدم توزيع الكتاب لأن الكاتب لم يأخذ موافقة المكتب السياسي على طبعه وتوزيعه. وأبلغ الرفيق عبد الرزاق بذلك , علماً بأنه ضمن من اتخذ القرار باعتباره عضواً في المكتب السياسي. وحين تقرر رحيلنا كان أمام الرفيق الصافي أحد أمرين, كما قال, إما دفن الكتاب أو حرقه, إذ أن نقله يستوجب بعض البغال ولم يكن ممكناً. فقرر الرفيق الصافي حرقه, وأحرقت الكمية كلها فعلاً. والسؤال المهم هو: لماذا لم يترك الكتاب في الغرف ذاتها دون عناء النقل ما لم يكن هناك موقفاً من مضمون الكتاب ولكي لا يطلع عليه أحد ويعرف مضامينه الأساسية إزاء حكم البعث والموقف من التعاون معه حينذاك؟ ثم السؤال الأهم هو: لماذا أحرق الكتاب؟ يصعب التكهن بالإجابة عن هذا السؤال. ولكن سأبدي بعض الأفكار بهذا الصدد بروح موضوعية مهمومة على هذا الأسلوب غير المعتاد في التعامل مع الرأي الآخر ومع كتاب فكري ووجهة نظر شخصية إزاء فترة معينة وإزاء حكم دكتاتوري فاشي سافل حكم العراق طيلة عقود:
* تعرض الكاتب في متن الكتاب إلى تقييم سياسة الحزب في فترة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي, حيث أدنت تلك السياسة في الكتاب. لقد كنت عضواً مع رفيقين آخرين هما الدكتورة نزيهة الدليمي وعادل حبة لإعداد مسودة التقييم. وقد عملنا على إنجاز المسودة طيلة أشهر في دمشق وفي دار الدكتورة نزيهة الدليمي. وكان الرفيق السكرتير الأول عزيز محمد حينذاك على اطلاع بمجرى البحث والكتابة ويتابع الأمر مع اللجنة بين فترة وأخرى. ثم قدمت المسودة إلى اللجنة المركزية في اجتماع 1984 وأقرت في هذا الاجتماع. وبالتالي, يبدو أن المكتب السياسي اعتبر أن التقييم لم ينته إقراره بعد, إذ لا بد من عرضه على المؤتمر القادم للحزب لإقراره وقد اقر التقييم فعلاً. وبالتالي رأي المكتب السياسي أن الكتاب يسبق تقييم الحزب ولا يجوز ذلك, وعليه لا بد من التخلص من الكتاب.
* إن الكتاب يصدر عن رفيق عضو في اللجنة المركزية وكان مسئولاً عن إعلام الحزب المركزي حتى خريف 1984 وبالتالي فأن نشر الكتاب عن مؤسسة إعلام الحزب الشيوعي العراقي في اليوبيل الذهبي للحزب ربما يعبر عن سياسة ومواقف الحزب, عندها يمكن أن يقطع الطريق على الحزب الشيوعي كلية في العودة إلى الحوار والتحالف مع حزب البعث, أو مع النظام الفاشي الذي حدد سمته الكتاب المذكور والموسوم “الفاشية التابعة في العراق”, في حين أن بعض قياديي الحزب كان ما يزال حينذاك, وحتى بعد ذاك بفترة طويلة, يعتقد بإمكانية العودة للحوار مع البعث, وبالتالي فأن نشر الكتاب سيعيق هذا التوجه الاحتمالي في كل الأحوال, ومن الأفضل التخلص منه قبل أن يخلق للحزب مشاكل إضافية.
* لم يكن لدى قيادة الحزب الشيوعي العراقي أي قناعة بصواب نشر الرأي الآخر, وأن ما ينشر في أدبيات الحزب يفترض أن يعبر عن رأي الحزب لا غير, وبالتالي فالكتاب يخرج عن هذا الإطار, إذ أنه قد كتب عليه “من منشورات الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراق”. وللحقيقة أقول بأن الكتب التي أصدرتها والمقالات التي كتبتها ونشرتها لم اعرض أياً منها على قيادة الحزب لأخذ رأيها, بل كنت أكتب وأنشر كل شيء أراه مناسباً دون العودة للمكتب السياسي ودون قيود, في ما عدا مرة واحدة حين نشرت مقالي في طريق الشعب في تموز 1978 والذي اعتقلت بسببه, إذ اتصل بي في حينها الرفيق الدكتور صادق البلادي, وكان عضوا في هيئة تحرير طريق الشعب, راجياً الحديث معي عبر الهاتف حول بعض التعديلات على المقال باقتراح من هيئة تحرير الجريدة. وكان التعديل الأساسي المقترح من هيئة التحرير يتضمن إضافة “الماركسية اللينينية” إلى المقال في موقع منه. لم ارغب في حينها بذلك وحاورته بهذا الشأن, ولكني وافقت على هذه الإضافة التي لم تكن في نص المقال بسبب رغبة هيئة التحرير, التي كان فيها العديد من الرفاق القياديين من أمثال زكي خيري وعبد الرزاق الصافي وسلام الناصري وفخري كريم. وبعد اعتقالي استفسرت أجهزة الأمن مني عما إذا كنت قد أجريت تغييرات على مقالي أو أُجريت تغييرات من جانب هيئة التحرير على المقال, فأعلنت بوضوح وكتابة بأن المقال قد نشر في طريق الشعب كما كتبته أنا ولم يجر أي تغيير عليه من جانب هيئة التحرير, وأن هيئة التحرير أو أي شخص آخر لم يطرح إجراء أي تغيير على المقال. فأنا المسئول الأول والأخير عن المقال وما ورد فيه. لا شك في أن أجهزة الأمن كانت قد اطلعت على المكالمة الهاتفية بين الدكتور صادق البلادي وبيني بسبب واقع وجود عملية إنصات مستمرة لهواتف كثيرة, وخاصة هواتف مقرات الحزب الشيوعي وأجهزة إعلامه وأعضاء اللجنة المركزية وكوادر الحزب حينذاك.
لقد أعطي الكتاب في حينها من قبل المكتب السياسي إلى الرفيق الراحل الدكتور رحيم عجينه (أبو شهاب) ليبدي رأيه به , وقد أبدى ملاحظاته بتاريخ 14 تموز 1984, أي قبل حرق الكتاب بعدة شهور وبعد صدوره. وللأمانة العلمية , وبسبب غيابه الأبدي عنا, واحتراماً لذكراه أعيد نشر ملاحظاته كما كتبها بخط يده , والتي كما يبدو , قد اعتمد المكتب السياسي عليها في منع نشر الكتاب. وقد عثرت على تقييمه للكتاب صدفة بتاريخ 12/8/2007 أثناء تصفحي لأوراقي الخاصة في فترة وجودي في كُردستان وعملي كمسئول عن الإعلام المركزي للحزب الشيوعي العراقي حينذاك :



وأبرز نقطة اعتمدها المكتب السياسي وفق هذه الرسالة ترتبط بالملاحظة الرابعة التي تقول : ” حول البحث في فترة 1968 – 1974 هناك تقييم آخر هو ليس تقييم حزبنا. وليس من الجائز صدور تقييمين”. (خط التشديد من عندي, ك. حبيب), علماً بأني قد شاركت بشكل مباشر في وضع مسودة تقييم الحزب وكنت أعرف تماماً ثغراته, وبالتالي من حقي أن أطرح وجهة نظري الشخصية المسجلة باسمي. (ملاحظة: كتبت اسم رحيم عجينة في نهاية رسالته مع سهم يؤشر باتجاه أبو شهاب للتعريف به , إذ لم يكن في أصل الرسالة, ك. حبيب).
إن حرق الكتاب لم يكن عملاً سليماً, بل فيه الكثير من الإساءة للفكر الحر والرأي الآخر ولي شخصياً وللحزب أيضاً, ولكن هكذا كانت مدرستنا الفكرية حينذاك في موقفها من حرية الرأي داخل الحزب أو في نشر الفكر الآخر للشيوعيين على نطاق أوسع من الخلية أو الهيئة التي يعمل فيها الشيوعي. فقد كان فيها الكثير من الصالح, وفيها بعض الطالح, وهذا العمل يدخل في باب الطالح من الأعمال التي أتمنى أن لا تتكرر إزاء أي كتاب في العالم. لقد كان في مقدور الرفيق المحامي عبد الرزاق الصافي اختيار حل أخر غير دفنه أو حرقه, بل تركه في الموقع ليأخذه الحنود والضباط ويطلعوا على ما تمارسه الدولة العراقية من إجرام بحق المجتمع. وبهذا فهو لا يتهم بعدم تنفيذ القرار, إذ أنه لم يقم بتوزيعه, كما لم يطلب منه حرق الكتاب أو دفنه, بل عدم توزيعه فقط. ولكن كان لا بد للرفيق عبد الرزاق الصافي أن يبدع في تنفيذ هذا القرار, وهكذا كان الإبداع الذي تمثل بحرق أكثر من 450 نسخة من كتاب تقترب صفحاته من 400 صفحة!!
الكتاب الذي يطبع بعد مرور ربع قرن على كتابته و23 سنة على صدوره لا يشكل سوى شهادة تاريخية عن تلك الفترة بجوانبها الإيجابية والسلبية, بأفكاري الصائبة والخاطئة, بواقعنا العراقي المرير ومشكلاتنا الكبيرة التي نعاني منها حتى اليوم بسبب واقع المجتمع والمرحلة التاريخية التي نمر بها. لا أستحي من تلك الأفكار التي تبنيتها, ولكني متألم لأننا خسرنا الكثير في مجرى النضال اليومي بسبب أخطاء ارتكبناها, ولكن المسئول الأول والأخير عن كل ذلك يبقى النظام الدكتاتوري الدموي والأساليب الفاشية التي مارسها ضد الشعب, النظام الذي حكم وساد في العراق طيلة 35 عاماً.
إن المدرسة السوفييتية التي نهلنا منها الماركسية – اللينينية والروح النضالية كانت مدرسة روسية بتعاليمها وتقاليدها, رغم جهاديتها, ولكنها لم تكن تصلح لكل البلدان والأوقات. وهو الخطأ الفادح الذي ارتكبته الحركة الشيوعية العالمية وأحزابها الشيوعية والعمالية بشكل عام, ومنها الحزب الشيوعي العرقي. وهي بخلاف الفكر الماركسي المفتوح والمنهج المادي الديالكتكي الذي يتطلب من أي حزب سياسي يتبنى هذا الفكر أن يستند إلى أرض الواقع القائم وإلى فهم القوانين الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية, وأن يدرك بوعي عميق سبل استخدام المنهج العلمي لتحليل ذلك الواقع واستجلاء اتجاهات التطور, وليس من خلال القبول بقوالب جامدة وميتة لا تصلح لكل البلدان, ولكن نقحمها على العراق مثلاً وندخل هذا البلد أو ذاك عنوة فيه. هذه الحقيقة يفترض أن نتابعها الآن باتجاه آخر. فالدعوة إلى الاقتصاد الحر يفترض بأي حال أن لا تعني الخصخصة المطلقة أو ممارسة نموذج “التثبيت الاقتصادي والتكييف الهيكلي” للاقتصاد الوطني الذي تطرحه المؤسسات الاقتصادية المالية والتجارية الدولية, وخاصة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة الدولية الحرة, وأن تمارس كل الدول النامية هذا النموذج فيها, إذ أن ذلك لا يعني سوى السقوط من جديد في تجريبية جديدة خاضتها الكثير من هذه الدول قبل ذاك أي كما فعلت الأحزاب الشيوعية والعمالية في الدول النامية حين رفعت شعارات تقارب في نموذجها النموذج السوفييتي غير المناسب لهذه البلدان. إن عملية التغيير الاقتصادي في العراق تفترض التحول صوب الرأسمالية للخلاص من العلاقات البالية الأبوية وشبه الإقطاعية المعرقلة لأي نمو اقتصادي أو لإقامة المجتمع المدني الديمقراطي الحر. ولكن الطريق نحو الرأسمالية لم يكن ولا يمكن أن يكون واحداً ولكل البلدان, بل متنوع تنوع البلدان ذاتها ومستوى تطورها, رغم أن القوانين الاقتصادية الموضوعية هي واحدة, ولكن الممارسة تختلف من بلد إلى آخر. إن الموقف من القطاع الخاص أو القطاع العام في ظروف البلدان النامية لا يخضع لقاعدة عامة, بل يفترض أن يؤخذ الواقع القائم بنظر الاعتبار وفي ضوئه تتحدد وجهة النشاط الاقتصادي, رغم أن القطاع الخاص يفترض فيه أن يلعب دوراً أساسياً في العملية الاقتصادية, ولكن لا يعني بأي حال عدم تنشيط قطاع الدولة أو القطاع المختلط وخاصة في أوضاع العراق الراهنة. وهكذا الأمر بالنسبة للأمور الأخرى. والرأسمالية ليست نهاية التاريخ, وخاصة بالنسبة للعدالة الاجتماعية, ولكن يفترض أن تقترن العدالة الاجتماعية بممارسة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات, إذ بدونها تغيب العدالة الاجتماعية أيضاً, كما تابعنا ذلك في تجارب الدول الاشتراكية التي أصبحت هامشاً في كتب التاريخ.
لقد تخليت عن بعض الأفكار التي كنت مؤمناً بها وأصبحت مقتنعاً بأفكار أخرى, والفرق بين الإيمان والقناعة كبير كبعد السماء عن الأرض. فأنا الآن مقتنع بحقنا في النضال من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية, وأن علينا أن لا نفصل العدالة الاجتماعية عن تلك القيم والمبادئ, وإلا ضاعت العدالة الاجتماعية والاستقرار والسلام, كما أني مقتنع أيضاً بأن هذه المبادئ لا يمكن الوصول إليها بحرق المراحل أو بقفزة واحدة أو عبر عمليات انقلابية أو ممارسة العنف أو أنها قريبة المنال. ومثل هذه التغيرات في حياة الإنسان الطويلة أمر ممكن وضروري وإلا لما عاد الإنسان يتمتع بسمة القدرة على التفكير واتخاذ القرار أو الموقف المناسب وفق الواقع القائم. إن التغيرات التي حصلت في العالم لم تكن متوقعة, وكنا من حيث المبدأ نستخدم النظرية الماركسية اللينينية باعتبارها أو بمثابة دين, وكنا نعتقد خطأً بأننا نمتلك الحقيقة المطلقة والحقيقة كلها …الخ. لم يكن ماركس هكذا ولا النظرية يمكن أن تكون جامدة بهذه الصورة. فالنظرية هي نتاج الواقع القائم, إنها التجريد لذلك الواقع والتجسيد له, وحين يتغير الواقع تتغير النظرية أو المقولات النظرية أيضاً. إن ضعف قدرتنا على المبادرة الفكرية والإبداع قد اقترنت بوقوع مدرستنا الفكرية اللينينية السابقة في مطب التحجر والنظرة الإيمانية والأصولية أو السلفية والابتعاد عن الاغتناء بأفكار ونظريات المدارس الأخرى. لقد كنا نسبح في أحلام وردية وروح جهادية عالية جداً ومثل أخلاقية رائعة, ولكن كنا نجنح إلى الخيال بعيداً عن الواقع. أملي أن الجيل الحالي والأجيال القادمة ستنظر إلى الفكر الماركسي من زاوية أخرى غير التي نظرنا منها إليه طيلة عقود. والعالم الذي نعيش فيه سيفرض على الجميع عاجلاً أم آجلاً هذا التغيير في الرؤية. وأملي أن يتم إدراك هذه الحقيقة بسرعة, إذ أن أي تأخير في وعي الواقع الجديد يقود إلى خسائر ومواصلة التخلف.
أن حلم العدالة الاجتماعية المقرون بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات ومساواة المرأة بالرجل والعدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي ستبقى تنير دربي النضالي المديد وستبقى دليل عمل لي وقد بلغت الثالثة والسبعين من عمري, شريطة أن نتعلم من تجارب العقود المنصرمة, سواء أكانت تلك التي مررنا نحن بها أم مرً بها غيرنا, لأن التجارب والمعارف هي ملك البشرية كلها أينما حصلت. أملي أن أستطيع إيصال هذه الرسالة لمن يقرأ هذا الكتاب وينقل الفكرة العامة إلى غيره.
من سيقرأ هذا الكتاب سيجد فيه أفكاراً حول الحزب الشيوعي ودوره ومهماته قد تبنيتها بصدق وإخلاص على مدى العقود التي كنت عضواً في الحزب, ولكن الكثير من تلك الأفكار لم يعد ملائماً للمرحلة الجديدة من تطور المجتمع في العراق, وبالتالي فهي أفكار قديمة ويفترض أن يضع الحزب لنفسه ما يراه مناسباً للمرحلة الجديدة من حيث المهمات الفكرية والسياسية والتنظيمية. وقد كتبت عن ذلك في رسالة وجهتها إلى قيادة وأعضاء الحزب الشيوعي العراقي في العام 2006 والتي أرى أنها قابلة ومفيدة للنقاش في صفوف الحزب الشيوعي العراقي. لا شك في أن الحزب الشيوعي ناضل بعناد وجرأة في سبيل الشعب وقضاياه العادلة وقدم الكثير من التضحيات على مدى عمره الذي بلغ الآن الرابعة والسبعين, ولكن المرحلة الجديدة تستوجب مهمات أخرى وأشكالاً أخرى من النضال والتنظيم والأداء والعمل.
لقد تخليت عن جملة من الأفكار الواردة في الكتاب منذ العام 1987 بعد أن عدت ثانية إلى حركة الأنصار في إقليم كُردستان. فقد وفرت لي تجربة العمل في مجلس وهيئة تحرير مجلة قضايا السلم والاشتراكية والنقاشات التي كانت تدور فيها بين أعضاء مجلس وهيئة التحرير, وهم من قادة الأحزاب الشيوعية والعمالية في عدد كبير من دول العالم, فرصة الإمعان في نشاط ودور الحركة الشيوعية والعمالية العالمية وفي دور الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية والتعرف على وجهات نظر كثيرة ومتباينة حول العديد من القضايا الفكرية والسياسية. وهي التي سمحت لي التفكير بهدوء وبإعادة النظر بجملة من الأفكار والأمور التي قمت بطرحها عبر سلسلة من المحاضرات التي قدمتها في حركة الأنصار في كُردستان. ولم تقتصر تلك المحاضرات على أعضاء الحزب الشيوعي أو الأنصار الشيوعيين فحسب, بل شملت پيشمرگة الحزب الديمقراطي الكردستاني في بهدينان, ومنها الوحدات التي كان يقودها السيد شمال زيباري في القاطع المذكور.
أرجو من يقرأ هذا الكتاب أن يحاول قراءة الكتاب الثاني الذي أنجزته بالتعاون مع الصديق الدكتور زهدي الداوودي والموسوم “فهد والحركة الوطنية في العراق” والذي صدر عن دار الكنوز الأدبية في بيروت في العام 2003, إذ يتضمن استعراضاً لجزءٍ من الرؤية القديمة في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية التي تبنيناها وعملنا من أجلها بكل حرص وإخلاص وإيمان لا حدود له. والحالة الأخيرة, أي الأيمان, هي التي عرضتنا إلى مخاطر الجمود والتحجر والتي آمل أن أكون في خريف العمر قد تخلصت منها وتحولت إلى مواقع الاقتناع الذي يستوجب المراجعة المستمرة للتغيير والتطوير والاغتناء والتخلي عن كل ما شاخ من أفكار في الوقت المناسب وحيثما كان ذلك ضرورياً. فالإنسان لا يفقد القدرة على التعلم حتى وهو في سن الشيخوخة.
شكراً للصديق الأديب الأستاذ فؤاد مجيد ميسري, الذي كان قد قرأ الكتاب في العام 1984 في إيران, وأعجبته بعض تحليلاتي في حينها والذي أصر على نشر الكتاب كوثيقة تاريخية تستحق النشر.
وقد ترددت كثيراً في بداية الأمر, رغم أنه قد اقترح عليً ذلك قبل عامين تقريباً. ولكن لقائي الأخير به في ربيع العام 2007 قد اقنعني بفائدة نشره. شكراً له ولمؤسسة حمدي على استعدادها لطبع ونشر الكتاب. شكراً إلى أولئك الذين ساهموا بطباعة هذا الكتاب على الأستنسل قبل ربع قرن وفي ظروف صعبة وقبل الغزو التركي لبهدينان في العام 1983. وسأبقى أتذكر الشهيد الصديق والرفيق والعزيز والمناضل أبو ليلى (نزار ناجي يوسف) باحترام واعتزاز كبيرين, إذ حين غادرنا واستشهد فيما بعد, كان يحمل هذا الكتاب باعتزاز ضمن أشيائه العزيزة الأخرى على ظهره, إذ ما تزال بسمته الجميلة وإشراقته وتفاؤله تشيع في أوصالي الدفء والحنان والأمل تحمل المودة للجميع.
كاظم حبيب (ب. السامر ) أبو سامي
السليمانية/ إقليم كُردستان – العراق ربيع العام 2007
وأجد مفيداً أن أعيد نشر الرسالة التي تبين وجهة نظري الجديدة في هذا الكتاب أيضاً ليتبين الفارق بين المرحلتين في أفكاري وتوجهاتي النضالية, وهي رسالة موجهة إلى رفاقي وأصدقائي من رفاق وكوادر وقياديي الحزب الشيوعي العراقي الذين أكن لهم ولنضالهم كل الاحترام والتقدير.
“رسالة مفتوحة إلى قيادة وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي العراقي”
إلى رفاق وأصدقاء النضال في الحزب الشيوعي العراقي
تحية نضالية لرفقة طويلة
ها أنتم مقبلون على عقد المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي والعراق يمر بمرحلة جديدة مليئة بالتعقيدات المتشابكة والأزمات الحادة وسيادة فوضى الحرية أو حرية الفوضى والطائفية السياسية والقتل والخراب المستمرين, إضافة إلى وجود واسع للقوات الأجنبية المتعددة الجنسية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, ولكن المرحلة, في الوقت نفسه, يمكن أن تكون واعدة بعراق أفضل على الأمد المتوسط والطويل.
لا شك في أننا جميعاً نريد عراقاً جديداً يستفيد من خبرات ودروس الماضي البعيد والقريب, وأن تباينت فئات المجتمع وأحزابه وقواه السياسية المختلفة في تفسير معنى الجديد. وإذا كنا نريد من الدولة العراقية الفيدرالية الديمقراطية أن تكون جديدة تعمل وفق مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية, فمن حق المجتمع على كل الأحزاب والتنظيمات السياسية الناشئة فيه أن تكون هي الأخرى جديدة أو متجددة وحديثة في تكوينها وتنسجم مع طبيعة العصر الجديد, عصر العلوم والتقنيات والاتصالات الحديثة (الإنفوميديا), عصر العولمة الرأسمالية الموضوعية وسياسات الدول الرأسمالية غير العقلانية وما يطرحه هذا العصر من مستجدات وما يتطلبه من تحولات في طبيعة وبنية وسياسات الأحزاب السياسية, وبشكل خاص تلك الأحزاب التي تسعى لكي تعبر عن المصالح الحيوية للفئات الاجتماعية الكادحة وفق طبيعة المرحلة ومهماتها وتطلعات المجتمع إليها, وإذا كان هذا الأمر ينطبق على مختلف الأحزاب السياسية الوطنية والديمقراطية, فأنه ينطبق أيضاً على الحزب الشيوعي العراقي, الذي يعتبر في واقع الحال أقدم حزب سياسي وطني عراقي ما يزال يعمل في الساحة السياسية العراقية. وبالتالي فمن حق هذا الحزب وحق كل الذين عملوا فيه وتفاعلوا معه, وكل أصدقاء ومؤيدي الحزب, بل من حق كل مواطنة ومواطن وكل من يريد الخير والتقدم لهذا الحزب التاريخي, أن يساهم في تقديم المقترحات والملاحظات النقدية البناءة, إيجابية كانت أم سلبية, لضمان مواصلته النضال وفق طبيعة المرحلة وما يتناغم مع مهماتها وحاجات ومشكلات ووعي الناس في العراق, بعد وقوع الردة الفكرية والاجتماعية التي عاشها المجتمع في فترة حكم البعث المدمرة وحكم الدكتاتور المطلق صدام حسين, وأن ما يعيشه العراق اليوم وما يواجهه من أحداث ووقائع تؤكد حقيقة هذه الردة الفكرية والاجتماعية المريعة وحقيقة استمرارها وتعمقها وطابعها الشمولي وبشكل خاص في وسط وجنوب العراق.
فكرت كثيراً قبل أن ابدأ بكتابة هذه الرسالة. كتبت جزءاً مما كنت أفكر فيه, ثم قررت أن أتوقف عن الكتابة خشية نشوء تصورات خاطئة, كما نشأت قبل ذاك حين دعوت إلى وحدة وتضافر جهود قوى اليسار الديمقراطي والقوى الديمقراطية العراقية, إذ تصدى لها بعض الطيبين من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي دون إدراك أو وعي لما كنت أرمي إليه, وهي الهامشية الراهنة التي تواجه القوى الديمقراطية في العراق حالياً. أتمنى أن يكون هؤلاء قد تبين وتيقن لهم أنهم أساءوا فهم مقترحاتي التي طرحتها مبكراً. وبعد ما يقرب من مرور شهر على إيقاف الكتابة, شعرت بتأنيب ضمير حاد وحقيقي لسببين, وهما:
1. لِمَ هذا التردد في الكتابة بشأن قضايا أعتبرها, من وجهة نظري, في صالح الحزب الشيوعي العراقي, وهي ليست بالضرورة صحيحة, ولكنها تبقى وجهة نظر شخص لم يعد ينافس أحداً على مركز حزبي أو وظيفة حكومية أو رغبة في البروز في الساحة السياسية, أو تشكيل حزب جديد, وجهة نظر شخص تجاوز عمر المراهقة السياسية ويدرك مسئولية ما يكتب وما يريد أن يوصله للآخرين؟
2. لِمَ لا أتردد في الكتابة بشأن سياسات ومواقف القوى الأخرى وانتقدها سلباً أو إيجاباً, ولكني أتردد بالكتابة عن حزب عشت فيه وعملت في صفوفه قرابة نصف قرن وما زلت صديقاً له.
إن الدراسة النقدية للواقع العراقي والتغيرات الجارية فيه وطبيعة وحركة وفعل الأحزاب السياسية العراقية هي من مسئولية الجميع, إذ أن الأحزاب, وكذلك الأشخاص الذين يعملون في الشأن العراقي العام, ليسوا ملكاً لأنفسهم, بل عرضة مطلوبة لمراقبة الناس وملاحظاتهم ونقدهم. ولكن ما هو مرفوض أو غير مسموح به في كل الأحوال هو التدخل في الحياة العائلية والشئون الخاصة للأفراد, في حين لا شئون خاصة للأحزاب.
أؤكد مرة أخرى أهمية الإشارة إلى أن رسالتي هذه لا تعتبر تدخلاً في شئون الحزب الداخلية وسياساته العامة, بل هي محاول للمساهمة في دفع الحزب باتجاه التعمق والشمولية والتجديد والتحديث في دراسة واقع الحزب وواقع المجتمع العراقي والتغيرات الطبقية والفكرية والسياسية التي طرأت عليه وعلى المنطقة والعالم من أجل الخروج باستنتاجات مفيدة للفترة الراهنة واللاحقة بعيداً عن الحنين إلى الماضي المعرقل للتجديد والتحديث والانطلاق. ويمكن أن يصيب الإنسان أو يخطئ في ما يقدمه من ملاحظات, ولكن الإيجابي هو أني لم احتفظ بها لنفسي. أستند في ملاحظاتي إلى الحقائق التالية:
• أن الحزب الشيوعي العراقي, وبقية الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية, تعمل في الشأن العام, وبالتالي, فمن حق أي مواطنة أو مواطن أن يمارس حقه في تقديم الاقتراحات أو تأييد أو انتقاد سياسات ومواقف الحزب, إذ أن نتائج سياسات الحزب الشيوعي أو أي حزب آخر, ستنعكس على المواطنة والمواطن إيجاباً أو سلباً.
• إن الحزب الشيوعي العراقي حزب ناضل على مدى 72 عاماً, علماً بأن الحلقات الماركسية قد بدأت قبل ذاك بسنوات [العشرينات من القرن العشرين] نضالها في سبيل استقلال وسيادة العراق ومن أجل أن ينعم الشعب بالحرية والديمقراطية والحداثة والتقدم والعدالة الاجتماعية.
• وأنه مارس سياسات صائبة ومبادرة في الحقول الوطنية والقومية, سواء أكانت تمس القضايا العربية أم القضية الكردية وحقوق القوميات الأخرى, أم النضال ضد الهيمنة الأجنبية وفي سبيل السلام والحرية ومكافحة الفقر والجهل والمرض.
• وشارك الحزب بفعالية كبيرة في عمليات التنوير الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي لعقود عدة وحقق نتائج إيجابية وقدم للمجتمع كوادر متخصصة في مختلف العلوم والآداب والفنون, وساهم في تكوين نسبة مهمة من مثقفات ومثقفي العراق, كما أن عدداً كبيراً من الشيوعيين قد انتقلوا للعمل في صفوف أحزاب وطنية أخرى ما زال يلعب فيها دورا تقدمياً لصالح تلك الأحزاب والمجتمع.
• وقدم الحزب الشيوعي العراقي خلال مسيرته النضالية التي تجاوزت السبعين عاماً الكثير من التضحيات والضحايا الغالية وتحمل الكثير من المحن والاضطهاد والقسوة البالغة من أجل تحقيق أهداف الشعب. ويصعب تصور عدد السنين التي حُكم بها الشيوعيات والشيوعيون العراقيون من قبل المحاكم العرفية وغير العرفية العراقية السياسية غير المستقلة وغير العادلة والظالمة على امتداد الفترة المنصرمة منذ تأسيسه.
• ولا شك في أن الحزب الشيوعي, وعلى امتداد المسيرة الطويلة, ارتكب جملة من الأخطاء المبدئية والتكتيكية التي كلفت الحزب ذاته, ومعه الشعب, خسائر ومتاعب كبيرة. ولكنه كان, كما أرى, من بين الأحزاب التي ارتكبت أقل الأخطاء بالقياس إلى قوى سياسية أخرى, وقدم الكثير من الإنجازات الفكرية والاجتماعية والسياسية لهذا الشعب المعطاء , وكان أكثرها نقداً للذات.
• لقد مارست العمل السياسي في الحزب الشيوعي العراقي منذ أن كان عمري لا يتجاوز السادسة عشر, وواصلت العمل فيه طوال خمسة عقود تقريباً. ورغم أني لم أعد كذلك, فأن انتمائي لليسار الديمقراطي العراقي والتزامي بالفكر المادي والمنهج العلمي الماركسي يجعلني اشعر بمسئولية خاصة في طرح وجهات نظري على حزب يؤكد التزامه بالمنهج العلمي الماركسي في التحليل وفي رسم استراتيجية وتكتيك الحزب للمرحلة الراهنة والمقبلة.
• وتزداد أهمية إبداء الرأي واستعانة الحزب الشيوعي العراقي بآراء المواطنات والمواطنين في هذه الفترة الحرجة من حياة العراق الجديد, إذ أن الظروف المستجدة والمتغيرات الكبيرة جداً على الصعد المحلية والإقليمية والدولية تستوجب المزيد من الاستنارة برأي الآخرين مع الاعتماد بالمحصلة النهائية برأي أعضاء الحزب طبعاً بصورة ديمقراطية وعبر مؤتمراته. وأشعر بأن الفترة التي مرت على العراق خلال العقود الأربعة المنصرمة والظروف الراهنة جعلت المجتمع وجميع المناضلين من الأحزاب السياسية بحاجة ماسة إلى المزيد من الإطلاع على الجديد في العالم وعلى المتغيرات وكذلك على ما يفترض أن يتغير فيهم وفي برامجهم وسياساتهم ومواقفهم وإعلامهم, بل وكذلك في أسلوب عملهم القيادي وفي أوساط المجتمع.
• ولا شك في أن بعض الأصدقاء سيتساءلون عن مدى صواب طرح هذه الملاحظات في هذه الفترة الحرجة, إذ ربما ستتسبب في إيذاء الحزب الشيوعي العراقي. أرى بأن هذه الملاحظة غير واردة أصلاً, إذ أن تجربتنا الطويلة التي أعاقت تقديم ملاحظات إلى الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية كانت ضمنها خشيتنا أن يستفيد منها الأعداء الإمبرياليون من تلك الملاحظات, وكانت النتيجة وبالاً على الجميع. النقد لا وقت ولا حدود له, وينبغي أن يطرح متى وجد الإنسان ضرورة إيصاله وبالطرق المختلفة, ما دام الهدف منه هو البناء والتحسين والتطوير وليس الإساءة والتخريب والهدم.
من هنا وجدت لزاماً عليّ أن أدلو بدلوي المتواضع في نشاط الحزب الشيوعي العراقي التحضيري لعقد مؤتمره الثامن القادم راجياً له, بطبيعة الحال, النجاح في إنجاز المهمات الملقاة على عاتقه, إذ أن نجاحه في عملية التغيير والتحديث والتطوير داخل الحزب وفي المجتمع والساحة السياسية العراقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية, وكذلك الداخلية والعربية والخارجية, وتشخيص المهمات الراهنة والقادمة سيكون مؤشراً إيجابياً لبقية القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية العراقية, أو حتى غيرها من الأحزاب, لإجراء التغييرات المنشودة في برامجها ونظمها الداخلية وقواعد عملها وعلاقاتها وخطابها السياسي ورؤيتها للمهمات ولمستقبل العراق الجديد. ولا شك في أنها جميعاً تحتاج إلى مثل هذه المراجعة.
ابتداءً أؤكد بأهمية وضرورة توجه الحزب الشيوعي نحو الإقرار المبدئي بالمسائل التالية أو غيرها لتكون دروساً لكل مناضلي المرحلة الراهنة الجارية وللأجيال الجديدة القادمة من المناضلين:
• امتلاك القدرة والجرأة على نقد الماضي من حيث الفكر والسياسة والممارسة. وأعني بذلك أن الحزب ورغم دعوته السابقة للديمقراطية, كان في بنيته الإيديولوجية حزباً شمولياً لا ديمقراطياً على غرار الأحزاب الشيوعية في الدول الاشتراكية أو في غيرها من البلدان. ولو كان الحزب قد وصل إلى السلطة في العراق لمارس, دون أدنى ريب, نفس النهج وذات السياسات المستبدة وغير الديمقراطية التي مورست في الدول الاشتراكية ولكان قد انفرد بالسلطة أو فرض الخيمة الفكرية الماركسية اللينينية على المجتمع وما تنشأ عن تلك الهيمنة من سياسات وإجراءات قمعية أخرى في مجال مصادرة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات عملياً. ولنا شواهد على ذلك في البلدان الاشتراكية السابقة. إن هذا يعني أن على الحزب أن يتخلى بشكل كامل ومطلق عن ذلك النهج الذي حكم عمله وعمل كل قياديي الحزب تقريباً, وكنت واحداً منهم, عدة عقود من السنين , وأعني به النهج اللينيني بشكل خاص.
• إن الحزب في بنيته الداخلية ونشاطه الداخلي وإزاء رفاقه لم يكن ديمقراطياً بأي حال أيضاً وساهم عملياً, بفعل ممارسته الصارمة لقواعد “وحدة الإرادة والعمل” و”الطاعة الواعية” و”الضبط الحديدي” و”التنفيذ ثم الاستفسار”, إلى خلق ازدواجية في شخصية المناضل وفي سلوكه اليومي, قَبِلَ الحزب بهذه الحقيقة أم رفض. وهذا يعني أن الحزب الشيوعي يفترض فيه أن يرفض ازدواجية الشخصية أو انفصامها أو التحدث بلسانين, وهذا يتطلب السماح بوجود منابر فكرية في الحزب, كما هو حال العديد من الأحزاب الشيوعية التي تحولت إلى أحزاب يسارية ديمقراطية لم تعرف المنابر سابقاً ولكنها تمارسها اليوم وبنجاح. وهذا يتطلب التخلي عن مبدأ المركزية الديمقراطية و “الطاعة الواعية” وبقية القواعد الأخرى المخلة بفكر واستقلالية الإنسان والمقيدة الحرية الإنسان حقاً, والتحول نحو الديمقراطية بكل معنى الكلمة والتي تعني في كل الأحوال ممارسة مبدأ الأكثرية والأقلية, مع احتفاظ الأقلية برأيها والكتابة فيه دون أن يشوش ذلك على موقف الأكثرية في تنفيذ القرارات المتخذة بالأكثرية.
• مارس الحزب على امتداد الفترات المنصرمة, وبشكل خاص في فترات الرفيق الراحل فهد وما بعده أيضاً وبتشجيع منه ومن الآخرين, نهج عبادة الفرد والتصدي لمن ينتقد تلك الفترة, بحيث لم يجرأ أي شيوعي على انتقاد فهد أو القيادات اللاحقة, إلا في فترات متأخرة, ولكنها كانت محفوفة بالمصاعب أيضاً. وهذا يعني أن على الحزب أن يتخلى الآن أيضاً عن هذه المسألة التي اشعر بوجودها وتأثيرها السلبي على العمل الجماعي في الحزب. إن عواقب عبادة الفرد وخيمة على الحزب ونشاطه , وفي المجتمع العراقي تنهض إمكانية غير قليلة لنشوء عبادة الفرد في كل حزب وفي المجتمع عموماً. والإيمان بدين أو مبادئ معينة تسمح ببروز مثل هذه العبادة. ومن يتابع العمل السياسي في العراق ومحاولات إبراز القادة سيشعر بهذا الخطر الكبير الذي يفترض النضال للتخلص منه.
• كانت الشللية ممنوعة في الحزب, ولكنها كانت موجودة بل سائدة بشكل فعلي في العمل القيادي, سواء أكان ذلك في المكتب السياسي أم في اللجنة المركزية وفي مواقع أخرى. وهي الآن موجودة أيضاً في المكتب السياسي واللجنة المركزية والتي يفترض أن تنتهي, لأنها تؤذي الحزب وتخل بعمله وبقواعد العمل الديمقراطية وتفسد الحزب وتعرقل مسيرته وتقدمه وتحرم تقدم كوادر لحاسب المحسوبية والشللية المرضية.
• غياب الحرية الفكرية في الحزب الشيوعي والتركيز في الماضي على الأربعة ثم الثلاثة العظام, وفهد في العراق, واتهام الكثير من الشيوعيين والماركسيين بالتحريفية والانتهازية …الخ التي ساهمت بعدم تطور الفكر الماركسي في أغلب الأحزاب الشيوعية ومنها الحزب الشيوعي العراقي والتثقيف الفكري الوحيد الجانب, وإلى نشوء الإيمانية المطلقة بالنظرية الماركسية – اللينينية, وإلى تحويلها إلى دين جديد لا غير, له أنبياء هم ماركس وأنجلز ولينين ومعه بعض الأولياء الصالحين هم قادة الأحزاب الشيوعية القائمة. واليوم ما أزال اسمع من يتحدث عن التحريفية في وقت يفترض أن نعترف بأن القراءة الماركسية متباينة من شخص إلى آخر ومن حزب إلى آخر ومن بلد إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى بل ومن مستوى ثقافي إلى آخر, ولهذا ليس هناك من محرف وآخر صحيح, بل أن التحليل الموضوعي وفق الظروف الملموسة, هو الذي يفرض نفسه على الواقع المعاش دون اتهام الآخرين بالتحريفية. فباب التحليل والاجتهاد الفكري والسياسي الموضوعي يفترض أن يبقى مفتوحاً على مصراعه لأنه غير مملوك لأحد أو لحزب بعينه.
• كانت الحرية الفكرية والاستقلالية الفكرية غير واردة في الحزب الشيوعي بشكل عام, وغالباً ما كان يمنع الفكر والرأي الآخر من النشر. وقد تسبب هذا في إضعاف القدرات الفكرة وتطور الإمكانيات لدى أعضاء الحزب. وهذه الظاهرة ما تزال موجودة في حياة الحزب الإعلامية وإزاء كتابات الشيوعيين. وغالباً ما ألتقي بشيوعيين يشكون من عدم نشر كتاباتهم لا لأنها ضعيفة, بل لأنها مخالفة لوجهة نظر القيادة, أو معارضة لما يطلق عليه بوجهة نظر الحزب الرسمية خطأً!
• الشعور إلى حد الاقتناع الفعلي بأن الشيوعي هو أحسن الناس وأكثرهم صلابة ونضالية وأكثرهم وعياً وصواباً وأكثرهم امتلاكاً للحقيقة والحق. أدبيات الحزب ما تزال مليئة بمثل هذه الأجواء, أمل أن تنتهي هذه الخرافة, فالشيوعي شأنه شأن أي إنسان آخر لا يمتلك الحقيقة كلها ولا الحق كله, وليس بالضرورة أفضل من بقية المناضلين ولا أسوأ منهم, إذ أن الأمر متباين من شخص إلى آخر …الخ. الشيوعي يمتلك أداة علمية وواقعية للتحليل, هي المادية الديالكتكية, ولكن هذا لا يعني أن هذا الحزب أو ذاك أو هذا الشخص أو ذاك قادر على استخدامها بشكل فعال وسليم.
• غياب الاستعداد إلى إدخال تغييرات على القيادات الحزبية, فمن كان مسئولاً يبقى في قيادة الحزب حتى الموت أو العجز المطلق عن الحركة, هكذا كان الأمر مع الرفيق الراحل فهد وهكذا كان مع الرفيق الراحل سلام عادل, وكذلك مع الرفيق عزيز محمد, الذي أرجو له طول العمر والصحة الموفورة, والذي استمر على رأس الحزب ما يقرب من ثلاثة عقود وفي القيادة ما يقرب من أربعة عقود, وهكذا كان الأمر مع طويل العمر, الرفيق كريم أحمد, حيث كان في قيادة الحزب الشيوعي العراقي أولاً وفي الحزب الشيوعي الكردستاني ثانياً, معاً, ما يزيد عن خمسة عقود من السنين. وأملي أن لا يتكرر الأمر مع الصديقين حميد مجيد موسى وكمال شاكر أو غيرهما من قادة الحزب حالياً وفي المستقبل. وهي ليست ملاحظة موجهة ضدهما, إذ أن الرفيقين صديقان حميمان لي قضيت معهما ردحاً طويلاً من العمل والنضال المشترك وأكن لهما الود والاحترام, بل هي لصالحهما ولصالح الحزب.
• هناك العديد من الشيوعيات الديناصورات والشيوعيين الديناصورين المخضرمين, مع احترامي الشخصي لهم ولنضالهم الطويل, أذ أنهم , كما أتابع ذلك , عاجزون عن رؤية الجديد في العالم وهم ما زالوا يعتقدون بأن المؤامرة العالمية هي التي أسقطت الاتحاد السوفييتي وليس النخر والخراب والفساد الداخلي في الحزب والدولة وغياب الديمقراطية وسيطرة الهيمنة والشمولية وعدم وجود أرضية اقتصادية واجتماعية مناسبة أو صالحة للاشتراكية وفق معايير ماركس لبناء الاشتراكية, إضافة إلى عملية تشويه نهج المادية الديالكتيكية وممارسة المادية التاريخية بصورة خاطئة ومسيئة وهادفة. إن هذه المجموعة من الشيوعيات والشيوعيين الذين لا هم لهم سوى الحنين غير المجدي للماضي وتمجيده والبكاء على المواقع المفقودة, يفترض فيهم أن يتخلوا عن العمل في قيادة الحزب أو على رأس تنظيماته أو حتى فيها أو على رأس التنظيمات المهنية التابعة للحزب. وهذه المسألة لا ترتبط بالعمر وحده بل بالتربية والتثقيف الحزبي الماضي, الذي ما يزال أكثره حاضراً ومستمراً. إن على هؤلاء أن يتخلوا عن مراكزهم القيادية وأن يتحولوا إلى مشاركين في إبداء الرأي لا غير, وليس إلى مستشارين, وإلا فأن الشباب سيفقد قدرته على التحديث والتجديد والعمل المجدي وسيضيع في زحمة هؤلاء الناس وهوسهم في الحنين إلى الماضي كما هو حال كل السلفيين من كل الأنواع. وكما ألاحظ, فأن الرؤية الستالينية واللينينية, فكراً وممارسة, ما تزال ترهق كاهلهم وتثقل كاهل الحزب الشيوعي أيضاً, ولست معنياً هنا بذكر قائمة الأسماء التي يمكن إيرادها بهذا الصدد, إذ أن قواعد الحزب والكثير من كوادره المثقفة بدأت تردد كلمة “ديناصورات” مهيمنة على الحزب فكراً وسياسة. أكرر ثانية أن هذا لا يرتبط بالعمر بل بالفكر بشكل خاص وبالتربية الفكرية والسياسية المستمرة على وفق أنماط غير مناسبة.
إن لم يلعب الحزب دوره في التخلص من هذه الظواهر القديمة وغيرها, سيبقى يعاني من الكثير من المعضلات وسيبقى يتحرك على هامش الأحداث. إن متابعتي لعمل الحزب في الوقت الحاضر وبعض المعلومات غير القليلة التي تصلني من الشيوعيات والشيوعيين في القيادة والكوادر والقواعد تشير إلى ذلك, وإلى أن الحزب بحاجة ماسة إلى عملية تجديد وتحديث واسعتين وشاملتين, أو إلى تغيير حقيقي وفعلي. وسيكون على الحزب مكافحة المسائل التالية في الفترة الراهنة والقادمة:
• الغرور والتشبث في المراكز القيادية والتصور بأن ليس هناك من يستطيع أن يحل محل الآخر. أي بروز ما يشير إلى العودة الفعلية لظاهرة عبادة الفرد والقائد الذي لا يمكن تعويضه ولا يرتكب الأخطاء أو المعصوم عن الخطأ. وأن الأخطاء لا ترتكب إلا في القاعدة الحزبية.
• الكف عن ممارسة الفردية أو الشللية في القيادة والتي يجري الحديث عنها في الحزب الشيوعي حالياً والتي تجد تعبيرها في عدد من أعضاء المكتب السياسي, مع احترامي الشخصي لكل منهم ولنضاله ودوره.
• النقص في القراءة والتثقيف الفكري والتعلم والشعور بالاكتفاء الذاتي, وأن ليس هناك ما يمكن تعلمه من معارف وتجارب الآخرين, والاكتفاء بما هو موجود.
• السماح الشكلي للرأي الآخر وقمعه في الواقع العملي من خلال أساليب وأدوات العمل وممارسة الشللية وهيمنة قلة على القرار السياسي والتنظيمي في الحزب (تريد أرنب … أخذ أرنب, تريد غزال … أخذ أرنب).
• الاعتماد على التراث والتاريخ والحنين للماضي وعدم رؤية الجديد كلها عوامل ومؤشرات تقود الحزب إلى الجمود والهامشية الفعلية في السياسة وفي التأثير الفكري والاجتماعي. إذ أن هذه الظاهرة يمكن أن تسقط الحزب في دوامة السلفية أو الأصولية الفكرية والسياسية التي عانينا منها الكثير والتي لا يمكن أن تقتل أي حزب أو تنهيه, ولكنها تجعل منه حزباً هامشياً ضعيفاً وغير مؤثر في الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية عملياً وفي تراجع قدراته الراهنة على إنجاز المهمات التي يطرحها على نفسه.
• لا شك في إن هذه المسائل العامة نجدها في الأحزاب السياسية الديمقراطية والعلمانية واللبرالية كلها, ومعها الحزب الشيوعي العراقي. وليس حديثي هنا عن الأحزاب السياسية الإسلامية التي اختلف معها من حيث النشأة والفكر أصلاً التي تقوم على أساس مذهبي طائفي سياسي بحت, بل الحديث يجري عن الحزب الشيوعي. ومن المؤسف أن يشير الإنسان إلى أن عدداً غير قليل من الأحزاب الشيوعية واليسارية في الدول العربية وفي غيرها من الدول, تعاني من ذات العلل, في حين أن بعضها الآخر, خاصة في أوروبا, بدأ ينتهج سياسة أخرى ويحقق نتائج إيجابية له وللحركة الديمقراطية وللشعب الذي ينتمي إليه.
لا أسجل هذه الملاحظات العامة بهدف الإساءة للحزب الشيوعي العراقي أو لقيادته أو لأي منهم, بل لأساهم في تحريكه نحو التفكير بالتغيير وإجراء التغيير الفعلي, إذ أن خبرتي السياسية المتواضعة, وما عشته وعايشته في الفترات السابقة وما شاركت به أثناء وجودي في الحزب وفي اللجنة المركزية ومكتبها السياسي وممثلاً عن الحزب في هيئة ومجلس تحرير مجلة قضايا السلم والاشتراكية في براغ, أي لا على صعيد العراق فحسب, بل وعلى صعيد الحركة الشيوعية, علمتني الكثير الذي أحاول التعبير عن بعضه الضروري في هذه الرسالة المفتوحة أو ما عبرت عنه في ذلك المقال الذي كتبته قبل 14 عاماً والذي بحث في موضوع الحزب الشيوعي ونشر في مجلة الطريق بعد أن رفضت هيئة تحرير الثقافة الجديدة قبل ذاك نشره في المجلة بقرار من اللجنة المركزية ومكتبها السياسي, علماً بأن الصديق فخري كريم, الذي كان في حينها عضوا في اللجنة المركزية ومكتبها السياسي, كان إلى جانب نشره, يضاف إلى ذلك ما أشاهده اليوم واقرأه, وكذلك الرسائل الكثيرة والنداءات الأكثر التي تصلني من رفاق مناضلين وأصدقاء درب نضالي طويل وأحبة مخلصين, وكذلك اللقاءات والأحاديث التي تسنى لي إجراؤها في العراق وخارجه خلال الفترة المنصرمة, تسمح لي بطرح الملاحظات المشار إليها في أعلاه. لست معلماً لغيري, ولست مقدراً أن ما أقوله هو الصائب المطلق, بل هو ما اقتنعت به حتى الآن, لذا أحاول أن أضعه أمام أنظار الآخرين للنظر فيه على أنه وجهة نظر من بين الكثير من وجهات النظر التي يفترض أن تطرح لأغراض الحوار والوصول إلى نتائج أفضل.
السياسة التي يمارسها الحزب في العراق تتميز بالمرونة حالياً, وربما فيها الكثير من الواقعية, ولكنها تحتاج إلى تضبيط كثير لأن فيها ما يمكن أن يخلق مصاعب جمة للحزب في المستقبل, في حين أن الاستفادة من الملاحظات يمكن أن تفتح آفاقاً جديدة له.
لدي القناعة بأن الكثير من الشيوعيات والشيوعيين في العراق ما زالوا على وفاق مع الماضي, في حين أن الماضي بحاجة إلى إعادة نظر في الكثير من جوانبه الفكرية والسياسية والتنظيمية والقيم والمعايير التي اعتمدها الحزب في عمله. فدراستي لفهد ونضاله أعطتني الفرصة للتمعن في الماضي. وعليه أشعر بأننا قد حولنا الماركسية إلى دين فعلي وعقيدة ثابتة وكتابات الأربعة ثم الثلاثة كانت بمثابة كتب مقدسة لا يجوز المساس بها. وكانت مساهمة فهد كبيرة حقاً في تعميق هذا النهج الخاطئ. وللإنصاف نقول أن هذا النهج لم يكن من عنديات فهد, رغم أنها انسجمت مع تطلعاته وشخصيته الوطنية الفذة, بل كان نهجاً لمدرسة كاملة هي المدرسة اللينينية التي كنا جميعاً تلامذة فيها, ولم تتوفر لنا القدرة والتربية الفكرية التي تساعدنا على النظر إلى الأمور نظرة نقدية فاحصة.
ويبدو لي أن هذا النهج ما يزال سارياً لدى الكثير من الشيوعيات والشيوعيين القدامى, ولكن الكثير من الجدد أيضاً الذين تربوا على ذات المفاهيم, يعانون من هذه المشكلات, بمن فيهم من هو في القيادة وقبل غيره من أعضاء الحزب. الماركسية منهج علمي للدراسة والتحليل واستخلاص الدروس واتجاهات التطور. وهذا المنهج يتسم بالديناميكية, بالتطور واستخدام العلوم والتقنيات الحديثة لإغناء دراساتنا وتحليلاتنا ومعرفة المتغيرات وطريق الحركة اللاحق. والمقولات النظرية في مرحلة تختلف عن مقولات نظرية في مرحلة أخرى في ما إذا تغيرت مكوناتها والظروف التي تسببت في ظهورها أو المحيطة بها, وهي بالتالي ليست ثابتة بل متغيرة باستمرار, وهو عكس ما كنا نتعامل به, حيث وضعنا النظرية في إطار مقدس ومحدد, لعب دوره في تجميدها تماماً وتخلفنا عن رؤية الجديد والمتغيرات الجارية في العالم ورددنا مع السوفييت ما كان لا ينبغي ترديده, إذ لم يكن يصب باستمرار في مصلحة حركتنا في العراق واتجاه تطور الأحداث. لم يتعامل الحزب بحصافة مع مقولة إنجلز “الماركسية ليست عقيدة جامدة, بل نظرية هادية”, بل رددتها غالبية الأحزاب الشيوعية دون وعي بمضمونها والعمل بموجبها.
وكما أرى, فأن الحزب الشيوعي العراقي بحاجة ماسة, في المرحلة الراهنة والقادمة, إلى فكر ونهج جديدين يستندان بالضرورة إلى المنهج المادي العلمي أو الماركسي المتجدد, ولكن يفترض أن يكون هذا المنهج بعيداً كل البعد عن الكليشهات السابقة أو أن يرفض مناهج التحليل الأخرى التي يمكنها أن تستكمل رؤية صورة الواقع, عليه أن يستلهم الواقع القائم ويرسم في ضوئه صورة الحزب المناسبة والمطلوبة لهذه المرحلة, ويضع برنامجه ونظامه الداخلي وسياساته ومواقفه. فالحزب, كل حزب, كما هو معروف أداة لتحقيق أهداف الحزب أو الشعب, وليس غاية بحد ذاته.
أعضاء الحزب بحاجة إلى حزب يعي المرحلة ويستوعب مهماتها ويقدر معطيات الواقع الراهن والآفاق, ويتطابق اسمه مع المنشود مرحلياً وليس بعيداً يتجاوز المرحلة الراهنة وذات المدى البعيد. وهم بحاجة إلى حزب ينشد العمل بين الناس ويساهم في تنويرها وطرح مصالحها اليومية بشعارات ملموسة وآنية تستجيب لمستوى تطلعاتها المرحلية.
أعضاء الحزب بحاجة, كما أرى, إلى حزب يساري مدني ديمقراطي متفتح ومنفتح, يعي بعمق وشمولية وثبات مفاهيم الحرية الفردية والديمقراطية والتعددية والتداول الديمقراطي للسلطة والحياة البرلمانية ويقر بأن الديمقراطية البرجوازية هي نتاج نضال طويل للبشرية كلها ويتخلى قولاً وفعلاً عما أسميناه بالديمقراطية الشعبية والديمقراطية الموجهة …الخ, وهو ما كان يفتقده في الماضي, وليس عيباً أن نقول بأننا لم نكن في الماضي ديمقراطيين لا مع أنفسنا ولا مع الآخرين ولا مع المجتمع, كما لم نستطع استيعاب مفهوم الحرية كما يفترض أن تكون عليه, ولم نفهمها إلا لنا وليس لغيرنا. لقد كنا شموليين, ولو كنا قد تسلمنا السلطة لمارسنا الشمولية بكل معانيها ولما اختلفنا عما حصل في الدول الاشتراكية دون استثناء, ولكنا قد ارتكبنا من الأخطاء والخطايا ما نعجز عن وصفها أو تسمية طبيعتها حالياً أو لا أدري, أن كان عندها سيغفرها لنا المجتمع.
ولكي أكون واضحاً أكثر أطرح عليكم التصورات التالية, التي ربما تكون مفيدة لمؤتمر الحزب القادم:
حول الحزب:
(أشير هنا إلى بعض المسائل الخاصة بالحزب وليس كلها …)
• أن يتحول الحزب الشيوعي إلى حزب يساري مدني وديمقراطي يضم في صفوفه القوى اليسارية الديمقراطية التي تتطلع لبناء عراقي مدني, حر وديمقراطي علماني, وأن يكون مستعداً لاستيعاب بنات وأبناء المجتمع من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية. وهي مسألة مرتبطة بطبيعة المجتمع وبنيته الطبقية والتغيرات التي طرأت عليه خلال العقود المنصرمة والفترة الراهنة والتحولات الجارية في مفهوم وبنية الطبقة العاملة على الصعيد العالمي.
• أن يكون حزباً يدافع عن مصالح المجتمع العراقي ومصالح الفئات الكادحة والمنتجة للفكر والخيرات المادية والخدمات العامة.
• أن يغير اسمه من الحزب الشيوعي العراقي إلى اسم آخر ينسجم مع طبيعة المرحلة المديدة ومهمات المجتمع الآنية وذات المدى البعيد, مثل “حزب الشعب الديمقراطي, أو “الحزب الديمقراطي اليساري” أو أي اسم يتفق عليه المؤتمرون. وهي ليست قضية شكلية بل جوهرية ترتبط بواقع العراق ووعيه وحاجاته, إذ لا بد أن ينسجم اسم الحزب مع مضمونه المرحلي.
• أن يتخلى الحزب عن مبادئ الطاعة والمركزية الديمقراطية ووحدة الإرادة والعمل على الطريقة ا