الرئيسية » شخصيات كوردية » الشاعر الكردي شيركو بيكه س -أعتبر العربية لغتي الثانية والمصدر الأساس لمعلوماتي ومطالعاتي

الشاعر الكردي شيركو بيكه س -أعتبر العربية لغتي الثانية والمصدر الأساس لمعلوماتي ومطالعاتي



شيركو بيكه س شاعر كردي شهير يكتب بالكردية منذ بداياته، صدر له أكثر من عشرين مجموعة شعرية، ترجم عدد منها إلى العربية مثل “رنكدان أو إناء الألوان”، و”القلادة” و”الكرسي”، وغيرها، وقام بترجمة أكثر من عمل روائي عالمي إلى اللغة الكردية ولا سيما رواية “الشيخ والبحر” لأرنست همنغواي. بيكه س من أكثر الشعراء الكرد شهرة. في بداية السبعينيات من القرن المنصرم أصدر بياناً مع عدد من الشعراء الكرد عرف ببيان “روا نكه” رسم خط الشعر الكردي الحديث. وهو حاصل على عدد من الجوائز الأدبية، و بإضافة إلى جنسيته العراقية يحمل الجنسية السويدية أيضاً. مستقر في كردستان منذ انتفاضة آذار 1990، وبعد إجراء الانتخابات من قبل الأكراد وتأسيس برلمان وحكومة كرديين تسلم منصب وزير الثقافة في الحكومة الكردية، وسرعان ما قدم استقالته (بعد أكثر من سنة) بسبب رفضه للإملاءات، واستنكاراً للاقتتال الكردي الكردي، يدير الآن مركز “سردم” للثقافة، ومتفرغ للكتابة الشعرية والمسرحية. عن مجموعته الشعرية الجديدة “الكرسي” وعن تجربته الشعرية كان لنا معه هذا الحوار:
بداية نريد أن نتحدث عن شيء خاص بك ، لاحظنا قبل أيام في حوار تلفزيوني أنك تقرأ الشعر بالعربية على خلاف ما سمعنا سابقاً بأنك لا تلقي الشعر بالعربية، قل لنا ما هو سر علاقتك مع اللغة العربية؟
ـ نعم إلا نادراً، أو حينما أكون مضطراً ولا أجد بديلاً.. فمثلاً في المقابلة التلفزيونية التي أشرت إليها كنت وحدي والمفروض أن أقرأ نماذج من قصائدي، والسبب عدم قراءتي أشعاري بالعربية هو إنني أخشى أن أقع في الخطأ عند إلقائي الشعر، وبخاصة في تحريك الكلمات وفي ما يتعلق بالنحو. إن اللغة العربية لغة صعبة وحين أكون منتبهاً لكي لا اخطئ يقل انتباهي للإلقاء، وحركات جسدي أشعر بها كأنها مقيدة. إنني اعتبر اللغة العربية لغتي الثانية والمصدر الأساس لمعلوماتي ومطالعاتي وعلاقتنا علاقة قديمة تعود إلى أكثر من أربعين سنة، لقد تعلمت العربية بجهدي الشخصي وخارج المدرسة إذ إننا في الابتدائية كنا ندرس باللغة الكردية وكانت للعربية حصة واحدة في المنهج الدراسي.
فعن طريق الصحف والكتب تعلمت العربية. وكانت للسنوات التي عشتها في بغداد أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي تأثير مباشر على تقوية لغتي العربية. وحينما كنت طالباً في الصف الأول في إعدادية الصناعة كان معلمنا والذي يدرّسنا اللغة العربية من أهالي النجف، كان معلماً ذكياً ومثقفاً فكل أسبوع يعطينا موضوعاً لكي نكتب عنه، وكان موضوعي الإنشائي يختاره دائماً كنموذج فكنت أقوم وأقرأ موضوعي أمام الطلبة وهو يشجعني على المواصلة مع اللغة العربية. اللغة العربية صعبة كفرس جامح فإن لم تكن ذكياً وماهراً لا تطاوعك أبداً، حتى بالنسبة للناطقين بالضاد. وفي أحيان كثيرة عندما أسمع الكلمات التي يلقيها ساسة العرب من الملوك ورؤساء الدول العربية في المناسبات والمؤتمرات، فمعظمهم يخطئون من الناحية القواعدية. حينها أقول لنفسي: قراءتي أحسن منهم!
مشروع كتابة
عرفنا شيركو بيكه س بأنه شاعر كردي ويصرّ أن يكتب بالكردية رغم معرفته اللغة العربية، أخبرنا هل لك مشروع للكتابة بالعربية؟
ـ هذه أصعب من الإلقاء. إن الكتابة الأدبية والشعرية منها بصورة خاصة، بحاجة إلى لغة قوية وسلسة، اللغة التي تلج في أدق الخفايا وتعرف كيف تلعب لعبتها السحرية. فامتلاك هذه اللغة لا تأتي إلا من “لغة الأم” ومع الطفولة أي أن تكبر معها ومع حليبها منذ الرضاعة! أنت تعرف أن اللغة الشعرية تقع في قلب التعبير الفني نهراً، فإنها لا تكتمل مهمتها “بنصف الجودة” أو “نصف المهمة” وأنا اعتبر نفسي من هذه الناحية “غير كامل”. أقول.. أفكر بيني وبين نفسي بأنني غير قادر لذا لا أريد أن أقحم نفسي في اللغة العربية وبخاصة الشعرية منها. لهذا فإنني لا أكتب باللغة العربية حتى لا أؤذيها وحتى لا أكون عبئاً عليها. أتذكر حينما كنت في السويد أقامت إحدى المنظمات الأدبية العراقية تأبيناً لأربعينية الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، وأرسلوا لي دعوة للمشاركة ولم يكن أمامي إلا أن اختار اللغة العربية. فكتبت “كلمة شعرية” وألقيتها بتردد، والحق كلمتي كانت محل الإعجاب لدى المتلقين ونالت استحسان الحاضرين، فأخذوا مني الكلمة وتم نشرها فيما بعد في مجلة “الثقافة الجديدة”. على أي حال حين أكتب باللغة الأم “الكردية” أشعر وكأنني على صهوة جواد وانطلق، ولكن حينما أكتب باللغة العربية أشعر وكأن جوادي علق شيء بحافريه وهو لا يستطيع أن يعدو كما أريد!
صدر لك ديوان جديد تحت عنوان “الكرسي” في هذا الديوان حولت الناس إلى جماد فبدل أن تتحدث عن إنسان وعن موروثه تتحدث عن “الكرسي” بمعنى آخر تخاطب الجماد . تريد أن تنقل لنا عن هذا الموروث من خلال مخاطبتك “الكرسي” . لماذا اخترت هذا الطريق؟ أكان هناك عقبات حتى تضطر لاستخدام اللغة الترميزية؟
ـ لا عقبات إطلاقاً! إنها أول محاولة لمزج العناصر الأدبية الشعر والقصة والمسرح والنثر في عمل واحد، إنه ليس بديوان شعر ولا المسرح وحده أو القصة وحدها، أي أن الكتاب لا يقتصر على عنصر واحد، وإنما كل العناصر الأدبية مجتمعة. فنجد الشعر في بعض صفحاته والقصة في صفحات أخرى وكذلك المسرح أو قصيدة النثر إلى جانب بعض. و”الكرسي” هو الراوي في جميع الحالات. كما وأن تلك الأشكال الدرامية لن تأتي اعتباطاً وإنما تأتي في محاورهما وأماكنهما الطبيعية. الكرسي هنا يرمز إلى ذاكرتي أو ذاكرة المدينة، إنها “أنسنة الأشياء”، فعندما نعطي للشيء الجامد صفات الإنسان وعلاقاته وحركته وروحه نخرجه من الهامشية ونشاركه في حياتنا كواحد منا. وكما نفهم فإن الكرسي له حركته وتنقلاته وتغيير الأماكن. إن اللغة الترميزية لها سحرها أيضاً وهذه تعطي قوة وجودها وتجدد اللغة. فعندما يتكلم حائط بدل الحارس أو الحائط يصبح حارساً فهنا تكون اللغة لغة سحرية وتجلب انتباهنا أكثر مما يجلبه الحارس ـ الإنسان عندما يتكلم. لقد اخترت هذا الأسلوب كي أعطي للنص أبعاداً أخرى غير الأبعاد الواقعية.
تجريب
نعم نلاحظ بأنك جرّبت كل أنواع الفنون الأدبية في “الكرسي”: المسرح ـ القصة ـ الشعر ـ الراوية. ترى أي طموح تسعى إليه وتريد تحقيقه؟
ـ أريد أن يكون لي أسلوبي المتميز أو تجربتي الخاصة أو أقدم نصاً مغايراً لما نراه في النصوص الأخرى التقليدية. كل عمل خاص هو عمل متفرد وهذا التفرد ليس في المضمون فقط وإنما في أشكاله المتنوعة. التجريبية عالم واسع وتعطيك طرقاً كثيرة، ربما تفشل لمرات كثيرة، ولكن المهم أن تجد في النهاية طريقاً غير الطرق التي يسلكها الآخرون. إنها مهمة صعبة وبحاجة إلى نوع من المغامرة والمجازفة.
بعد “الكرسي” كتبت نصاً آخر باللغة الكردية وتم طبعه ­ لا أعلم متى يترجم إلى العربية ­ إنه نص “القلادة” قريب من عالم “الكرسي”. مساحة النص موزعة ما بين الشعر والقصة والمسرح وقصيدة النثر أيضاً. بطلة النص هي قلادة، فتروي قصتها منذ أن كانت حجراً أنثى في البحر وبعد أن يحرموها من البحر وفي ولادة ثانية تصبح قلادة، وهذه القلادة مع القلادات الأخرى تسافر من الجنوب إلى الشمال إلى أن تستقر في مدينة ما وتعلق مع قلادة أخرى في واجهة إحدى المحلات ، في هذا المكان ومنذ البداية يبدأ الصراع ما بين الأشياء الذكورية والأنثوية (النسوية) مثلاً ما بين القلادة وفرشاة الحلاقة للرجال، ما بين الأقراط النسوية وسبحة الرجال، وهكذا. وعلى شرفات المحل نجد مغازلات مصحوبة بالأغاني، ما بين مثلاً النظارة الرجالية وأحد الفساتين النسائية. وفي يوم ما نجد سيدة جميلة تدخل المحل وتشتري هذه القلادة وتأخذها إلى البيت. فتروي القلادة حياة السيدة وعذاباتها في البيت على شكل مذكرات شعرية يومية، وفي الليل تضع السيدة القلادة مع الأشياء الأخرى أمام مرآة، وحينما تنام السيدة تبدأ الحوارات ما بين تلك الأشياء. وفي كل ليلة يخرج من تحت باب الغرفة أحد أشيائها إلى الخارج، مثلاً الحمامة التي تعلقها في صدرها تخرج وتزور أماكن مختلفة، وفي الليلة الثانية تروي ما رأت. وهكذا بالنسبة للأشياء الأخرى: قلم الحواجب، صبغة الشفاه، المرآة الصغيرة، دفتر التلفونات، الأقراط، المقص الصغير، كل واحدة ترجع ومعها قصتها، وتلك الأشياء تشكل في ما بينها فرقه مسرحية وتقدم مسرحية أمام المرآة الكبيرة ترويها القلادة، وفي النهاية تخرج السيدة من بيتها وتتمرد على الواقع المرّ ومعها هذه القلادة. إنها نهاية مفتوحة. إن هذا النص السردي فيه مساحات أوسع للشعر والمسرحية والقصة مقارنة بـ”الكرسي”. وأملي أن يترجم إلى اللغة العربية قريباً. طموحي هو أن أحصل من هوامش الحياة والأشياء الصغيرة فيها والتي لم نهتم بها شعرياً بصورة كافية أكثر حضوراً.
المجاز
واللغات… مثل المجازية والسردية…؟
ـ في هذه النصوص تتجاور اللغة المجازية الشعرية واللغة المنطقية السردية الدرامية. فاللغة الحسية كما تعلمون هي لغة الشعر أساساً، لغة الصور الشعرية والتي لا منطق عقلي لها كما هو موجود في القصة مثلاً، وهذا لا يعني أن القصة خالية من بعض المجازات أو الفضاءات الشعرية. القصيدة لا تروى، بينما السرد هو أساس القصة. ولكن من هذه النصوص التي لا تحمل “عنواناً محدداً” وهي ليست “بشعر خالص” ولا ديوان شعر فقط وإنما هي “مفتوحة الأبواب” لاستقبال جميع العناصر الفنية، والأدبية الأخرى، ولكن المهم هو كيف تستقبلها داخل نص واحد، وكيف تجد أماكنها فيها. يحب أن ندين كل الشرور التي تقتل الحياة، كل الجرائم التي ترتكب باسم المقدسات. “الماعز الطيب يحرض على قتل اليمامة لأنها فتحت صالة الحلاقة” ولماذا غير ضروري؟! إنها صورة قاتمة لحياتنا التي غزاها وباء التطرف الديني وقد انعكست هذه الصورة في تلك الجملة الشعرية. إنها الحياة وكل الأشياء متداخلة بما فيها السياسة وغير السياسة.
نعم في “الكرسي” رأينا هناك إدانة واضحة لثقافات المتطرفة، ولا سيما عندما تتحدث عن “الملا” وخطبته في الجامع وكيف أن الخطيب يحرّض على قتل “اليمامة” لأنها فتحت صالة الحلاقة، هل من الضروري أن تخوض هذه التجربة يعني أن تتحدث السياسية وتدخل إلى الخطاب السياسي؟ بمعنى آخر.. أحسست في “الكرسي” بأنك تتحدث عن أمور لها علاقة بالتراث المنطقة أو ما تحدث عنه القرآن مثلاً: عن “في إذن أي ثور كنت نائماً” هذا يذكرني بقصة “أهل الكهف” إلى أي درجة للتراث تأثير على بنائك الشعري؟ وهل هناك شيء خارج التأريخ؟ أي خارج الواقع والذي صار أغرب من الخيال نفسه؟
ـ “في أذن أي ثور كنت نائماً؟” لا علاقة لها بـ”أهل الكهف” وما تحدث عنه القرآن كما تقول. إنها مأثرة أو مقولة كردية وقد ترجمها المترجم حرفياً ـ وهذا خطأ ـ وهذا يقال لشخص غافل عن ما يجري. وكان على المترجم أن يبحث عن مقولة عربية قريبة من الكردية مثلاً “نائم ورجله بالشمس”. حين تتحرك الذاكرة أو تلتفت أو تحفر في الماضي فأنها تعمل في أرض التراث وتحاور التاريخ، والكرسي ـ الراوي يسترجع مرة أخرى المفاصل التاريخية والتراثية والشخصيات التي كان لهم دور في تشكيل وتأسيس تلك المدينة. عبر التراث مستمر فينا والمتجذر في تكويننا الاجتماعي، وكما نعلم ليس كل التراث جميل وإنساني، في التراث هناك “إعاقة” وكذلك “الانفتاح” إذا جاء التعبير.
ما هو الفرق بين اللغة التي استخدمتها في “رنكدان أو إناء الألوان”، واللغة التي استخدمتها في “الكرسي”؟
ـ في “رنكدان أو إناء الألوان” حاولت أن اقرأ الحياة عن طريق “اللون” وتداعياتها، أن نرى ونسمع ونشم ونحس بواسطة “اللون” أو أن نستدرج التاريخ بواسطة ألوانه. فلكل حركة وحدث وظاهرة لونها. للطفولة لونها الخاص. للحب لونه وللخيانة لونها وهكذا. إن اللغة الشعرية في “إناء الألوان” أكثر حضوراً. نعم إن السردية الشعرية واحدة وتجد نفسها في “الكرسي”، ولكن الفرق في بنائهما الفني واللغوي. ففي “الكرسي” البنية الأساسية ليست للشعر وحده، بينما في “إناء الألوان” تجد البنية الشعرية وتشبه “قصيدة طويلة” طبعاً درامية. فمساحات القصة والمسرح أوسع في “الكرسي” مقارنة بـ”إناء الألوان”. اللغة المجازية في “إناء الألوان” أكثر كثافة.


أجرى الحوار: فاروق البرازي

http://www.alimbaratur.com/All_Pages/
Tawaheen_Stuff/Tawaheen_119.htm