الرئيسية » مقالات » وجوه ساخرة

وجوه ساخرة

مهرج حتى في حياته اليومية فهو لم يعتاد ان يكون حزينا الا حين يسكن الى وحدته القاتمة المظلمة فقد مال على تبديد حزنه وانتقاداته للمجتمع من خلا عرضه الذي يؤديه على المسرح …. هذه حياته منذ كان يافعا ومهمته اضحاك الناس حتى ولو كان حزينا وقدم عرضه في أحد الايام يوم وفاة والده ورسم وجها باسما على وجهه بالالوان ولكن قلبه كان يبكي والده الذي تعلم الصنعة على يديه ولم يرتدي سوى تلك الفيونكة السوداء دلالة على حزنه واضحك الناس وأنتقد المسؤولين على تقاعسهم وعلى أهمال واجباتهم نحو المجتمع والمدينة والبلد أو كما يسميه هو بلد الشيش بيش … وأغلب الاحيان يوبخ من قبل المخرج او صاحب الادارة في خروجه عن النص لقد كان عرضهم جميل وساخر وممتع نظرا لما يؤديه والممثلين كل في دورة والشخصيات مترابطة ومتفاعلة مع الحدث فتراهم لا يفارقون سطح المسرح الا لتغيير الملابس … وشخصية المهرج هي من أهم ركائز الشخصيات فكل ما هو ساخر وبه انتقاد كانت الشخصيات تقول هو المهرج الذي قال ذلك وليس نحن …. في يوم من الايام حدثت كارثة في ذلك البلد لقد حدث انقلاب على السلطة الحاكمة وتبددت كوابيس الكثير من الناس والبعض الاخر تلبستهم الكوابيس لأنهم من اصحاب المصالح المشتركة وهللت الناس وفرحت وجاءت الحرية والقيد انكسر فلا حاجة للمهرج بعد الان فلقد سمح للفنان والصحفي بالانتقاد علنا بحكم حرية الاعلام والتمثيل وهم ركائز استبيان للحالات السلبية في الواقع الجديد وكما تسمى الصحافة السلطة الرابعة فالتمثيل هو من الاساسيات في حق النقد البناء والسخرية من الواقع دون الخدش والتجريح … وأستمر العرض المسرحي وقد تغير شكل المهرج فهو الان بلا قناع وانما يرمز لشخصيته من خلال الملابس التي يرتديها واضافوا على النص بعض التغيرات فقد جاءت الحرية في التعبير عن معاناة الناس وما سيتغير….. ومرت الشهور ومرت السنة الاولى والثانية والتغير بدا ملموسا للبعض وللبعض الاخر كان بل واصبح وهما فكل الاحلام تحطمت على اعتاب الوضع الجديد فارتحل من أرتحل واغتيل من أغتيل سواء كان سياسيا او استاذا او دكتورا او.. او… او رحلت كل العقول وبدات الساحة خالية الا من رموز كانت مخبأة في صفحات الزمن الغابر البعيد وبدت مرحلة جديدة مرحلة الأستيطان وكأنك ليس في بلدك بل انت الغريب والدخلاء هم اسياد البلد ومن تبعهم وممن باع ليقبض الثمن بمعاناة الناس وجراحاتهم … جسد مايراه في حياته على ذلك المسرح ولكن …. المهرج حزين لم يقتنع بما يصنع .. لم يؤدي مايشعر به لقد تضاربت عنده المشاعر والاحاسيس وفي نفسه وجعا .. يقول له … على من أضحك على نفسي أم على ابناء بلدي وأصدقائي تراهم كلهم بلا استثناء غير سعيدين بما يقدمون لقد كثرت حالات الانتقاد وأصبح التمثيل مهنة اصعب من مهنة السياسي او الوزير فالوزير لديه من يدافع عنه ويحميه ولكن هذا المسكين والذي يكسب قوته من معاناته والاخرين .. معرض للقتل او الاغتيال في اي لحظة ومن يتذكره وهل يخسره اهله او الدولة او المجتمع لا … لا يخسر سوى نفسه طوى نفسه في ظلمة سوداء واسدل كل هموم الاوجاع على جفنيه حتى هملت دمعا أسود لا أمل فيه .
هكذا بقي عدة أيام بل أسابيع لم يكترث لنفسه ولا حتى لطعامه يكفيه ما يأخذه من اكل لسد حاجة اسمها عصرة جوع … ادمن التدخين حتى قلبت أحواله وتغيرت كل تلك الابتسامات الساخرة الموجعة على كل ما يراه فقد الابتسامة التي كانت قد فارقته الا من خلال وجه المهرج ولكنه خلع ذلك القناع .. لقد ظن ان الحياة الجديدة لم يحتاج ان يرتدي قناعا حتي يؤدي دوره في الحياة او على المسرح … فتح شباك غرفته نظر الى السماء نعم هناك
نجوم وهناك قمر وتطلع الى الشوارع والى منطقته وقال ولكن … ليس هناك بشر انها كوابيس الليل واشباح الخراب ترتمي على اطلال باتت منسيه من أهلها اين من جاء وغير وقلب الموازين واطلق الحرية على بلد مزقت الحرية القديمة كل اوردته ورمته بقايا انسان في غياهب المعتقلات والسجون وتذكر والده حين كان معه على المسرح وانتقد السلطة … كانت ذلك الانتقاد الأخير بالنسبة لوالده وبالنسبة اليه فلم يره بعد تلك الليلة وفرض عليهم ان يقدموا العرض بدون ان يتوقفوا لحداد او حتى عزاء سلخت تلك الذكرى كل الصور الممتلئة اشمئزازا من الحياة …. ألتحف دخان سجائره وطوى نفسه على تلك الوسادة عازما على أمر ….. جاء الصباح ككل يوم واذا به ينهض من مكانه ولبس لبس المسرح ووضع الألوان على وجهه مرتديا قناع المهرج وذلك الذقن الطويل
وما أن خرج حتى أخذت الناس بالضحك على منظره فقد اعتاد من كان يرتاد المسرح من جيرانه يعرفه حين يراه بذلك اللبس واما الاخرين ربما قد شاهدوا مثل شخصيته في التلفاز حين تواجد التيار الكهربائي …. وسار في الطريق واخذ ينادي وينتقد ويقول …. انني سأحقق لكم كل مطاليبكم وأننا كسلطة نشعر بمعاناتكم لقد خضنا مرحلة النضال ضد الدكتاتورية المقيتة وسيتغير كل شيْ الان سنقوم بأعطاء المواطن حق الاختيار وحق الانتخاب وحق التصويت ونصيبا كاملا من ثروات البلد ان بلدنا غني ويجب على الجميع حمايته وصون كرامته من المخربين … وفجأة تغير اسلوب حديثة وانقلب يقول .. لايمكن ان يتحقق شيْ في ظل المحتل ان الاحتلال جاء ليسرق لينهب ليدمر ليزرع الفتنة بين الاهل والاقارب وبين الطوائف … لا لابد من المقاومة … ماذا تقول .. رد على نفسه اي مقاومة انها أرهاب انك تقتل من هو أبن بلدك وابن عمك لا .. لا .. يجب ان تتوقف كل اعمال العنف .. باتت الناس في باديْ الامر تتقرب منه وتضحك ومنهم من يعلق , ومنهم من طلب منه ان يعيد ما قال , والكثير بدؤوا بالابتعاد عنه …. بعضهم قال الله يستر ربما هذا مدسوس وغيره قال مجنون والذي يعرفه قال .. لا أنه فلان الفنان الممثل المسرحي لقد جن وغيره يكذبه قائلا ان شكله غير ذاك الممثل فهذا على هيئة قذرة وذو ذقن طويل لا يمكن ان يكون هو .. ولم يعر الأهتمام لأحد ظل سائرا ويعلق على سلبيات السلطة وردد شعار نعم يجب محاكمة السراق والقضاء على الفساد الاداري يجب حماية المواطن وحماية مصالحه وتقديم الخدمات ولكن الارهاب هو الذي قيد ايدينا ولم نستطيع العمل في ظل هذه الظروف فنحن نقاتل على جميع الجهات من الداخل ومن الخارج الكل ضدنا … ونحن
جئنا لنغير ولكن … صاح بعد ان ضحك باستهزاء لفت نظر الناس اليه يا أخوان لم يتغير شيء أي شيء الا هم لقد اتخمت بطونهم وارصدتهم بالخارج وعوائلهم مساكين يعانون مثلي ومثلك مؤشرا الى الكل ليس لديهم كهرباء وينتظر اولادهم التعيين ببلاش وبلا ورق أخضر لانهم لا يملكونه ولايعرفون شكله انه أمريكي جاء به المحتل .. وصاح
بعد ان ألتف بشكل جلب النظر اليه ولكن لايهم البركة باحزابنا الاسلامية واللي صارت اكثر من أشكال الخضروات .. ها ..ها.. وأما الأمن فقد توفر والكل يمكنه الخروج بحرية والسفر دون حدود من الشمال الى الجنوب والجيش والشرطة حماة العراق ترى ليس كلهم موالون للارهاب وليس كلهم موالون للاحزاب وليس كلهم فاسدين هناك شرفاء هناك من يحبون البلد … والبلد ليس بلد شيش بيش بل بلد (كلشي وكلاشي ) والذي يدفع أمره ماشي … لم ينتبه الى نفسه لقد توسط ميدان السيارات متوجها دون شعور الى حيث لايدري ومازال
الناس بعضهم متجمهر والبعض الاخر خائفا فهم لم يعتادوا مثل هذا المنظر في الشارع .. وكثر استهجان الناس لما قاله الكثير منهم مؤيدين ويتمتم بنفسه نعم الوضع لم يتغير الحال يسير نحو الأسوأ…. والبعض الاخر سار وراءه وقام بترديد كلامه ومنهم من نظم كلاما وأطلقه وبات الأخرين يرددونه حتى تجمعت الناس وأصبحت مظاهرة كبيرة هاج فيها الهرج والمرج فلكل واحد حكاية والكل يريد ان يعبر عما في داخله انقلابا على الواقع والوضع الذي يعيش ………..
اغلقت الشوارع فجأة وقامت الشرطة والجيش بمحاصرة الطريق ولكن التدافع الجماهيري كان أقوى وانقلبت الى
مواجهة بين الناس والشرطة وهم يحملون ذلك المهرج على الاكتاف وهو فرح منتشيا بما حقق لقد حصل ما كان يرمي اليه لقد فهم الناس لقد بدؤوا الفهم يجب التغيير لا يمكن السكوت على ما نحن فيه والناس تتلاطم كموجة بحر عالية لا يمكن درأها … ولكن جاء الأمر وبدأت الاطلاقات النارية في الهواء تفرق الجمع الكثير لم يبالي
والكثير الأخر يتراشق بالصخر مع الشرطة والجيش وزاد الوضع توترا لقد انقلب الامر الى ثورة الى هياج
عارم من اجل الحرية من اجل الذات من اجل الحياة من اجل المستقبل ورميت قنابل مسيلة للدموع لتفريق الناس
لم يعرفوا من هو وراء هذه المظاهرة ولما هي ومن منظمها فهي بلا شعارات بلا لافتات بلا رموز لكن ذلك المهرج والذي حمل على الأكتاف يبدو هو من نظم وهو من قاد هذه المظاهر ولإخمادها يجب ازالته فثارت طلقة مجهولة أسقطت ذلك المهرج من على الأكتاف فذعرت الناس وتفرقت وبقي هو مسجى على الأرض بدمه وتلك الابتسامة على وجهه هازئا بكل مقاييس الإنسانية على الواقع الجديد …. وفي اليوم الثاني كتب في الصحف قتل ارهابي متنكر بزي مهرج بعد محاولته تفجير نفسه لقتل الأبرياء .

القاص عبد الجبار الحمدي