الرئيسية » مقالات » الموت.. للأحزاب الكوردية

الموت.. للأحزاب الكوردية


ما نراه مؤخراً على صفحات الجرائد ومواقع الانترنت الكوردية والعربية هو الكم الهائل من المقالات والمواضيع التي تتناول الحركة الوطنية الكوردية بأحزابها وتياراتها – في الإقليم الغربي من كوردستان – ولكن أكثر تلك المقالات تدخل باب (المهاترات والمشاحنات) بدل أن تتناول القضية نقداً وتحليلاً ولتضع اليد على الجرح بهدف العلاج والبحث عن السبل التي تخدم قضايانا الوطنية والديمقراطية العامة. ولكي لا نبخس الكتاب والمفكرين، الذين طرقوا هذا الباب وتناولوا القضية بموضوعية وحياد – وحتى أولئك الذين تناولوها من باب (التهجم والتشفي) – فإننا نقول بأننا نتفق مسبقاً مع العديد من النقاط والمسائل التي تناولوها في مقالاتهم تلك بصدد الواقع المَرَضي – وليس المُرضي – للأحزاب الكوردية عموماً وقد تناولنا ذلك في بعضٍ من مقالاتنا السابقة.

ولكن ما يحز في القلب بأن بعض الأخوة والزملاء الكتاب يتناولون موضوع الأحزاب الكوردية في غرب كوردستان وكأن لهم (تارات) وثأر مسبق مع هذه القوى والتيارات السياسية، والآن قد سنحت لهم فضاء الإنترنت الواسع (والفضفاض أحياناً) بأن يكيلوا لتاريخ الحركة الوطنية الكوردية في سوريا (ما هب ودب) من التوصيفات والنعوت والتي لم تطلقها القوى الغاصبة لكوردستان – في الكثير من المراحل – حيث يكتب أحدهم وتحت أسم (كاتب سوري كردي مستقل) “.. تعاني اليوم (أي الأحزاب الكوردية – كاتب المقال) من افلاس شديد على الصعيد الجماهيري بعد كل النكبات والمآسي التي تسببت بها للكرد السوريين نتيجة الأخطاء والأساليب الانتهازية التي مارستها بحق هذا الشعب المغلوب على أمره !. ويستطيع أي انسان أن يعرف مستوى تقييم الشارع الكردي السوري لهذه الأحزاب من التسميات التي تطلق عليها عبر مقالات الانترنت على سبيل المثال لا الحصر: الكردايتي أصبحت دكانة للمرتزقة – الأحزاب الكردية تناسل مخز – أحزاب تورز يعني أحزاب الرحلات وفرق الدبكة حيث كل حزب له فرقة دبكة يجلبونها للرقص أيا كان نوع المناسبة.. أن هذه الأحزاب لم يعد لديها شيء سوى الرقص على جراح شعب عانى ومازال بسبب انتهازية قيادات كرتونية”.

إننا نتساءل، ومن حق المرء – وواجبٌ عليه أيضاً – أن يتساءل ويسأل، بل السؤال والشك هو بداية الدخول إلى بوابة المعرفة؛ عندما كتب ذاك الأخ (الكاتب السوري الكردي المستقل) مقالته تلك وساق ما ساق من اتهامات بحق الأحزاب الكوردية في الإقليم الغربي لكوردستان وبأنها المسئولة عن “كل النكبات والمآسي التي تسببت بها للكرد السوريين” ألم يوخزه حسه القومي – والوطني كذلك – ليدرك في وعيه التحليلي بأنه ومن خلال هكذا اتهامات يبرئ ساحة الأنظمة الاستبدادية التي تعاقبت – وما زالت – في الحكم على البلد وأوصلت بالتالي الواقع السوري (شعباً وحكومةً ومؤسسات) إلى ما هو عليه وذلك بقصد أو دون قصد – ومن دون أن نتهمه بأي خيانة أو عمالة – وخاصةً أنه يدعي المعرفة بأسباب هذه الأزمة و”المآسي والنكبات” التي نعاني منها وذلك عندما يكتب: “ولمعرفة أسباب وصول الحال بالحركة الكردية السورية الى هذا الدرك !. لنبدأ من البداية فقد تأسس أول حزب كردي سوري عام 1957 والخطأ عند تأسيس الحزب هو أن بعض من شاركوا في التأسيس كانوا ثوارا في كردستان تركيا وانتقلوا الى منطقة الاحتلال الفرنسي ” سوريا”بعد فشل الثورة هناك.. أننا يجب أن نعترف بأنهم لم يكونوا مثقفين وسياسيين ولم ينتبهوا الى المتغيرات الدولية التي حصلت بعد “سايكس بيكو” وأن ما كان يسمى حتى عهد قريب “سهل ماردين” قد أصبحت واحدة من المحافظات السورية وأن هذه الحدود وضعت لتبقى وأن المنطقة التي ضمت الى سوريا تختلف عن المناطق التي بقيت تحت السيطرة التركية فهي جزء من منطقة سميت قديما “ميزوبوتاميا” ولم تكن يوما أرضا خالصة للكرد أو لغيرهم بل عاش فيها الآشوريون والكرد والعرب وغيرهم منذ مئات السنين وأنها تخص هذه الشعوب مجتمعين وليست خالصة لأي منها والخطأ كان في تسمية الحزب بداية “الحزب الديمقراطي الكردستاني السوري” ولم ينتبهوا الى أنهم بعملهم هذا قد خدموا الطرف الشوفيني القومي العربي ليستخدم ذلك في الدعاية بأن الكرد يريدون اقتطاع جزء من سوريا.. “.

بعد ورود ما ورد لا يمكن أن نقول إلا اثنتين؛ إما كاتبنا جاهلٌ بحقائق التاريخ والجغرافية – وهذه غير مقبولة لشخص يخوض غمار موضوع ما فما بالك أن يكون منتمياً للقضية؛ حيث أن الموضوع كوردي والكاتب (كردي) على حد زعمه – أو أن يكون يعمل بالضد من القضية (قضيته)؛ فالحقد يعمي البصيرة، وسوف نبتعد مرة أخرى عن التخوين ونظرية المؤامرة. لا نريد الخوض في غمار التاريخ والجغرافية فهناك المختصون والأكاديميون في هذا المجال، وكذلك لن نؤكد بأن جغرافية ما أو عرق ما وعبر كل الأزمنة والأحقاب حافظ على نقائه وصفائه وبأنه لم يتداخل أو يتمازج مع الآخر، وكذلك لن ندافع عن الرعيل الأول الذي أسس أول حزب كوردي في سوريا – ولن نقول الإقليم الغربي لكوردستان، لكي لا ننعت بصفات غير لائقة من قبل (الكاتب الكردي المستقل) – وبأنهم (أي المؤسسين الأوائل للبارتي) كانوا مثقفين وسياسيين أم غير ذلك – حسب ادعاء (كاتبنا) – ولكن من قال له و (وشوش في أذنيه) بـ”أن هذه الحدود وضعت لتبقى”، وبأن منطقة الشرق الأوسط لن تشهد تغيرات جيوسياسية وأن (حلم) الفلسطينيين – ولن نقول الكورد والأمازيغ وجنوب السودان و.. – بالدولة الوطنية المستقلة ما هي إلا أضغاث أحلام ومن أكد له أن مصطلح كوردستان هو من فكر بعض (الجاهلون في السياسة والذين أسسوا هذا الحزب الوباء) ليأخذه الشوفينيون العرب (حجةً) علينا نحن الكورد “الانتهازيين الوصوليين” – أيضاً حسب تعبيره – ويزيدوا من نكبة الكورد ومآسيه، بل الأحزاب الكوردية هي المسئولة عن ذلك وليس الآخرون على ضوء تحليل (كاتبنا العزيز).

يا (سيدي) مصطلح كوردستان “أطلقه السلاجقة على إحدى مقاطعات دولتهم في القرن الثاني عشر الميلادي، وهي مناطق كرمنشاه، وهمدان، وشهرزور، وسنجار. وكانت عاصمتها قلعة (بهار) الواقعة شرقي همدان. والقزويني هو أول من ذكر كلمة كردستان في كتابه “نزهة القلوب” سنة 1339م، وكانت حدودها شمالاً أذربيجان، وغرباً العراق العربي، وجنوباً خوزستان، وشرقاً العراق الفارسي. وتضم 16 قضاءً إدارياً. وفي القرن السابع عشر أطلق العثمانيون أسم “كردستان” على إحدى ولاياتهم التي كانت تشمل ألوية (ديرسم، وموش، وديار بكر)”(1). ولكي لا نتهم من قبلك (الكاتب الكردي المستقل)
بأننا من أولئك الذين يوردون حكايات (الستات) والعجائز فإننا نحيلك إلى بنود الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الخاصة بتقسيم المنطقة من سايكس – بيكو (1916) وسيفر (1920) ولوزان (1923) وغيرها، بل إننا نحيله إلى عهد الانتداب الفرنسي على سوريا وكيف أقدمت على “فصل العشائر الكردية عن بعضها تلك المتواجدة في – سورية – و – تركيا – منذ عام /1920/ وذلك بموجب اتفاقية فرانكلين – بولوف الفرنسية التركية”(2). وإننا أتينا على ذكر هذه الاتفاقية تحديداً لكي نقول لمن يؤكد بأن هناك في الجانب التركي كوردستان؛ (من شاركوا في التأسيس كانوا ثوارا في كردستان تركيا وانتقلوا الى منطقة الاحتلال الفرنسي ” سوريا”) – هذا ما يؤكده كاتب المقال – وبالتالي عليه أن يقر بأن في الجانب السوري أيضاً هناك كوردستان وهو يرى بأن أبناء العشيرة الواحدة قد قسمت بين جانبي الحدود.

ولكن أكثر ما يُحَير المرء فيه، هو لجوء البعض إلى التحوير – ولن نقول التزوير – وخاصةً التاريخ الحديث بل المعاصر حيث يقول: (انتبه د. نور الدين ظاظا الى الخطأ حاول اصلاحه فقام بتصحيح الاسم الى “الكردي” بدل “الكردستاني”). وهذه لا ندري كيف نوصفها، فأقل ما يمكن أن يقال فيه بأنها قراءة مغلوطة وناقصة؛ حيث أن الدكتور نور الدين ظاظا – وبعد تعرض القيادة، أو أكثرها، للاعتقال – أراد ومن خلال مناورة وتكتيك سياسي أن يخفف العبء عن الرفاق المعتقلين وذلك من خلال تغيير الاسم وكذلك الشعار “تحرير وتوحيد كردستان” – ولا نعلم هل نسي (كاتبنا) الشعار ذاك أم لا – وبالتالي فهذه لا تنفي كوردستانية المناطق الكوردية في كل من (عفرين وكوباني والجزيرة)، لا عند الدكتور ظاظا ولا غيره، إلا أولئك الكو-رد-سموبوليتيين الذين – وفي كل مرحلة وزمان – يُؤخَذون بأيدلوجية ما ليتنكروا لكُلِ خصوصيةً كوردية؛ فقديماً أُخِذنا بمفهوم الأخوة في الدين وما كنا إلا موالي في الدولة الإسلامية، وفي نهايات القرن الماضي كنا نرفع المظلات في الشرق الأوسط وكوردستان خصوصاً، عندما تمطر الأجواء في موسكو وذلك نتيجة لجهود “الرفاق الأمميون”، أما اليوم وبفضل بعض (الوطنيون الفوق عادة) وديمقراطيتهم وليبراليتهم الغريبة سوف ندخل مرحلة وحلقة جديدة من حلقات الإتباع والإلحاق والذيلية.

كلمة أخيرة نود أن نقولها لكل الذين تناولوا ويتناولون القضية الكوردية عموماً وخاصةً واقع الحركة السياسية الكوردية في سوريا وما تعاني الأحزاب منها؛ من أمراض وسلبيات وعوائق وموانع إن كانت ذاتية – داخلية متعلقة بالأحزاب والقيادات الكوردية نفسها أو متعلقة بالواقع الحضاري للكورد والشخصية الكوردية المتأزمة أو تلك الموانع والعوائق الخارجية – الموضوعية وما يتعرض – وتعرض – له الشعب الكوردي وحركته وأحزابه من قمعٍ وتنكيل ومحاربة وعلى مر العقود والسياسات، وبالتالي أفرزت ما أفرزت، بحيث بات المرض والعلل تعشش في كل النواحي والمفاصل ومن كل الألوان والأشكال.. نعم نريد أن نقول لكل أولئك الأخوة وأيضاً للذين يودون خوض غمار هذه التجربة مستقبلاً: بأن الطبيب الناجح وعندما يأتيه المريض وهو يعاني من أمراض جمة ومستعصية، هو ذاك الذي يحاول الكشف عن تلك الأمراض ومعالجتها في فترة قياسية وبأقل الخسائر والمعاناة وليس الإجهاز عليه، فكم من السهل البتر والخراب والدمار ولكن العمل الحقيقي هو في البناء والتجديد، فمن يجد في نفسه العزيمة والهمة فليقم بما لم تقم به الحركة الوطنية الكوردية، وهذه ليس دعوة (للتخريس) بقدر ما هو للكتابة الواقعية والموضوعية ومحاولة البحث في البديل الحقيقي.

المهجر– 2008 ……………………………………………………………………………………………….

(1) راجع كتاب (جبل الكرد – دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية) تأليف: د. محمد عبدو علي. ص 17. سنة وجهة الطبع مغفلة.
(2) صلاح بدر الدين – الحركة القومية الكردية في سوريا “رؤية نقدية من الداخل – (1)”. ص 17. اربيل – 2003.