الرئيسية » مقالات » المرأة وحنين الأوطان في شعر الأبوذية

المرأة وحنين الأوطان في شعر الأبوذية

للأدب فنونه وأشكاله، وهي موزعة على النثر والنظم، واذا تعاملنا مع فنون النثر فنجد التشاكل من حيث المؤدى في بعضها، ولا يتخلف فن النثر عن هذا الأمر، ومثل هذا التشاكل نجده بين فني النثر والنظم وإن كان من الندرة.
ومن صور التجانس من حيث النتائج العامة هو التشاكل القائم بين فن القصة القصيرة وشعر الأبوذية، فالقصة القصيرة تختلف عن الرواية والقصة الطويلة مع إنها تضم أركان القصة كافة إذ تحبك ببضعة أسطر أو بضعة وريقات، وحتى الرواية أو القصة الطويلة لها أن تتمدد وتتشعب وهي بحاجة إلى الأديب الذي يصوغ كلماتها ويشبك حوادثها بحيث تتحول القصة التي نراها في فيلم سينمائي من ساعتين إلى مسلسل من ثلاثين أو خمسين أو مائة حلقة أو أكثر أو أقل. وشعر الأبوذية بالنسبة إلى ألوان الشعر هو شبيه من حيث المؤدى إلى القصة القصيرة، فالأبوذية حدث متكامل ينتظم في أربعة أشطر له جناس ثلاثي ذات كلمة واحدة مختلف المعاني، لكن المتميز في الأبوذية أنها حدث تراجيدي في معظم الأحيان تتفطر كلمات أشطره وجعا، وإذا نظمها الشاعر على لسان الحال، فانه يضع نفسه مقام المصاب فيستنطق عصارة كبده ويعزف الأبوذية لحنا جنائزياً على أوتار الفؤاد المكلوم.

وعندما يكون الحدث بحجم حدث واقعة كربلاء حيث استشهاد الإمام الحسين (ع) والثلة الطيبة من أهل بيته وأنصاره، بتلك الصورة الفجيعة، فإن الأبوذية تأخذ نشيدها ونشيجها من سويداء القلب الدامي الذي لم ير يوما بأمضّ من يوم الحسين في كربلاء كما يصفه الإمام علي بن الحسين السجاد (ع)، حيث نظر ذات يوم إلى عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب (ع) فاستعبر ثم قال: “ما من يوم أشد على رسول الله (ص) من يوم اُحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤته، قتل فيه ابن عمّه جعفر بن أبي طالب، ثم قال (ع): ولا يوم كيوم الحسين (ع) ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة، كلّ يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً.
وفي باب الحسين في الشعر الدارج يواصل المحقق الشيخ محمد صادق الكرباسي تنضيد عقد الأبوذيات التي أنشدت في النهضة الحسينية، وتنظيم حركات مفرداتها وشرحها وإرجاعها إلى أصولها، ليسهل على القارئ استساغة قراءتها واستيعاب معانيها والاستعبار بها عَبرة وعِبرة لكون الشعر الدارج أيسر للفهم سماعا منه قراءة، وقد صدر حديثا (2008م) الجزء السادس من “ديوان الأبوذية” الذي اختص بقافية النون، وهو أحد إصدارات المركز الحسيني للدراسات بلندن في 414 صفحة من القطع الوزيري، مع عشرات الفهارس الثرّة بالمعلومات التي لا غنى عنها، وقراءة نقدية باللغة الكردية بقلم الكاتب العراقي الدكتور ميثم شمّة.

المرأة حاضرة
وما يلاحظ في مجموع الأبوذيات التي نظمت في واقعة كربلاء أنها قيلت على لسان إمرأة حضرت كربلاء وقاست أهوالها واكتوت بنار الأسر من كربلاء إلى الكوفة ثم الشام والعودة إلى المدينة المنورة عبر كربلاء، فالشاعر يغيّب حضوره ويستحضر شخصية نسوية شاهدة وشهيدة على الحدث فيجري الأبوذية على لسانها، في محاولة من الشاعر ليُسمع رواده تفاصيل الحدث ممن عانوه مباشرة، فهو أوقع في القلب وأشد مضاضة، فأنين المرأة وبكاؤها يفجر الصم الصياخيد دموعا ودماءاَ، وكما يقول الشاعر الشيخ كاظم بن محمد التميمي البغدادي الشهير بالأزري (ت 1212هـ) في رثاء الإمام الحسين:
أي المحاجر لا تبكي عليك دماً … أبكيت حتى مَحْجِرِ الحَجَر
ولذلك فان تسعة أعشار الأبوذيات الحسينية هي رجالية النظم نسائية لسان الحال، كأن يكون النظم على لسان السيدة زينب بنت علي (ع) أو الرباب بنت امرئ القيس الكندية زوجة الإمام الحسين (ع) وزوجته الأخرى ليلى بنت أبي مرة الثقفية، أو السيدة رملة أم القاسم بن الحسن بن علي (ع)، وغيرهن من الهاشميات ونساء الهاشميين والأنصار.
واذا كانت الخنساء تماضر بنت عمرو بن الحارث السليمية (ت 24هـ) مضرب مثل للنساء الباكيات على فقد الأخوة، فإن السيدة زينب (ع) فاقت نساء العالمين فرقا على فقدان الأخوان والأبناء وأبناء العمومة والأهل والمنتجبين من كرام المسلمين، ويحق لها أن تبكي بدل الدموع دماً، فأي مصيبة عاصرت وأي نحر مذبوح شاهدت، وأي جسم طرق سمعها سنابك خيل العدا وهي ترض أضلعها، فالخنساء بكت معاوية وصخر عن غيب وزينب (ع) بكت عشيرتها كلها عن حضور، والخنساء كانت عزيزة بين أهلها لكن زينب (ع) سبيت بين علوج أجلاف، ولذلك أنشد عبد الصاحب بن ناصر الريحاني أبوذيته:
أنَه چَفّي آبزماني ماتِحَنَّه
آو كِثُرْ حَنِّي آلْخَنْسَه ماتِحِنَّه
ضِلِعْها مِثِل ضِلْعي ماتِحَنَّه
آبْفَرِد يومِ آفْگدِتْ گومي سِوِيَّه
والجناس في “ماتحنه”، فالأولى أصلها تحنى من الحناء وهي الخضاب، والثانية من ما للنفي وتحنه من الحنين والبكاء الشديد، والثالثة ما للنفي وتحنه من الإنحناء.
وعظيم الأسر هو الذي جعل الشاعر العراقي محمد علي بن محمد الأسدي الشهير بآل كمونه (ت 1865هـ) ينشد:
مَن مبلغ عني سرايا هاشم … خبراً يدك الشم من بطحائها
الى أن يقول:
حسرى وعين الشمس أوضح آية … في صونها بسفورها وخفائها
سبيت وأعظم ما شجاني غيرة … يا غيرة الإسلام فقد ردائها

الليل مسهّد
يقابل الليل الظلام، ويقابل الظلام السكينة والهدوء، وهذه الدائرة التي يسبح فيها المرء هو الشيء الطبيعي حيث يتفاعل الجسم مع الظلام فتسترخي أعصابه، فعلى سبيل المثال تحرص صالات (اليوغا) على وضع أضواء خافتة تساعد الرياضي أو المرتاض على الاسترخاء جسديا ونفسيا وترك العنان لأحلامه ومناماته أن تسبح في فضاءات مفتوحة غير متناهية.
ولكن عسعسة الليل قد تطول وتطول، فتصبح على النفس همّا وحزنا لا ينقضي، فلا الصبح يتنفس الصعداء ولا النجوم تؤوب إلى مثواها خلف ستار ضوء النهار، ولذلك يعبّر النابغة الذبياني زياد بن معاوية بن ضباب (ت 18 ق هـ) عن معاناته مع الليل وسهره فينشد:
كليني لهمٍ يا أميمة ناصب … وليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ … وليس الذي يرعى النجوم بآيب
ولذلك يكثر في الأبوذيات الحسينية ظلام الليل وظله الثقيل، ولكنه ثقل تزول منه الجبال ولا يزول، فبدلا من أن يصبح الليل جُنة ووقاية كما هو وظيفته لم يكن كذلك على نساء أهل البيت فهنّ أسرى بيد الجيش الأموي يراهنّ كل وضيع، وهذا ما تحكيه أبوذية الشاعر العراقي المعاصر عباس الحميدي وهو ينظم على لسان السيدة زينب (ع) مخاطبة أختها السيدة أم كلثوم (ع) مبدية معاناتها إذا جنّ عليها الليل وقد ضمّت تحت جناحها الحرم والأطفال:
زَينب حاچَت آمْ چَلثومْ لاجَنْ
عَلينَه آّلليلْ وآلنسوانْ لاجَنْ
آنه آو إنتي آلْنِنَطْر آلنِعَمْ لاجَن
أحَدْ يَخْتي يِگلَِّه حَرَمْ هيَّه
فالجناس واقع في “لاجن”، فالأولى محرفة لو جنَّ الليل، والثانية من البحر إذا التج أي اضطرب وهاج، والثالثة مخففة لو جاءنا. وننطر أي نحرس.
ويحفل هذا الديوان بذكر الليل وسهره وآلامه في أبوذيات كثيرة من قبيل أبوذيات الشاعر المعاصر جابر بن جليل الكاظمي وعبد الحسن بن محمد الكاظمي ومحمد علي بن راضي المظفر وموسى الصيادي وعبد الأمير بن نجم النصراوي وغيرهم.

غلاء الوطن
يشتاق المرء إلى صدر الوطن الرؤوم اشتياقه إلى صدر أمه الحنون مهما طال به الزمن وكبر أو أصبح أبا وجداً، ولذلك إذا ما أصاب المرء مكروها وبخاصة لدى الشارع العراقي فأول آهة يطلقها من حنايا صدره “آخ يُمَّه” أي “حنانيك يا أماه لما ألمّ بي من مصاب”، فحضن الأم موقده في الليل القارص، والوطن مأواه إذا انقطعت به السبل، وخير البلاد ما كان المرء فيها عزيزا، ولذلك قال الإمام علي (ع): (لَيْسَ بَلَدٌ بِأَحَقَّ بِكَ مِنْ بَلَدٍ خَيْرُ الْبِلادِ مَا حَمَلَكَ)، لأن الخير كل الخير في بلد الخيرات حيث تتوفر فيه النعمتان المغيبتان في معظم بلدان هذا الزمان “الصحة والأمان”، ولذلك كان مما أوصى به النبي محمد (ص) الإمام علي (ع): (يا علي: لا خير في الوطن إلا مع الأمن والسرور)، واذا اتخذت النعمتان من مجلس الأمة صدرها، تجلى حينئذ قول الإمام علي (ع): (عُمِّرت البلدان بحبَّ الأوطان)، هذا الحب الذي ربطه الأثر بالإيمان: (حبُّ الوطنِ من الإيمانِ)، كما يرويه الحر العاملي الشيخ محمد بن الحسن (ت 1104) في أمل الآمل (ج1 ص11)، واذا كان البعض قد ضعّف الحديث فإن البعض الآخر لم ينف سلامة مضمونه، وفي الأمثال العربية: “ميلك إلى مولدك من كرم محتدك”، بل إن: (من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه) كما يقول الإمام علي (ع).
وهذا الحب وهذا الولاء للوطن هو الذي جعل النبي محمد (ص) يلتفت إلى مكة في هجرته منها ويناجيها: (والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أُخرجت منك ما خرجت) وعلى رواية: (.. ولولا أهلك أخرجوني منك ما خرجت منك)، وإن كنت أميل للنص الأول لأن الرسول يبخع نفسه أسفا حتى يؤمن قومه بالرسالة الإسلامية، وكان يدعو لهم بالخير: (اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون)، ولذلك حينما قدم أبان بن سعيد على رسول الله (ص) قال له: يا أبان كيف تركت أهل مكة؟ فقال: تركتهم وقد جيّدوا وتركت الإذخر – كزبرج نبات عريض الأوراق طيب الرائحة- وقد أعذق، وتركت الثمام وقد خاص، فاغرورقت عينا رسول الله (ص) وصحبه. ولما اشتاق النبي محمد (ص) الى موطنه مكة وهو بالجحفة في مسيره إلى المدينة لما هاجر إليها، جاءه جبرائيل (ع) فقال له: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال (ص) نعم، قال جبرائيل (ع) فان الله يقول: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادُّك إلى معاد) القصص: 85، أي مكة. وصارت الآية الكريمة في صدر كل مسافر يقرأها لسلامة العودة.
وفي الوطن يقول الشاعر ابن الرومي علي بن عباس بن جريح البغدادي (ت 283هـ):
مآرب قضاها الشباب هنالكا … وحبب أوطان الرجال إليهمُ
عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا … إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهمُ
ولذلك كان شوق إبن الرومي إلى مدينته بغداد كبيرا، فإذا ما خرج منها فترة عاد إليها سريعا، ففيها عاش حياته كلها وفيها مات.
أو قول الشاعر المصري أحمد شوقي (ت 1932م):
وطني لو شُغلت بالخُلد عنهُ … نازعتني إليه في الخلدِ نفسي
أو قول الشاعر العراقي الدكتور زكي بن عبد الحسين الصراف (ت 1996م) وهو يناجي الوطن في غربته:
حاشاي .. إنّي لا أفارقه
أنّى أفارق من به سَكَني
يحيا معي، في القلب أحمله
إن ضاق بي يوما وأبعدني
أطويه حشو حقائبي فانا
أسري به ما زرتُ من مدن
ما راق لي في غيره سكنٌ
أو صفو عيشٍ طيّب وهني
هذا الوطن والحنين إليه يكثر في شعر الأبوذيات بعامة والحسينية بخاصة، والخصوصية نابعة من كون نساء أهل البيت (ع) وصحابة الإمام الحسين (ع) نزلن على العراق غريبات وزادت الغربة حينما أخذن أسرى إلى الكوفة والشام، بعد أن قتل الزوج والأخ والعم والأب والجد. ويحن الرجل المفتول العضلات الممتلئ الجيوب الواسع الأردان في غربته إلى موطنه حنين الناقة إلى فصيلها، فكيف بالمرأة الضعيفة البأس المنقطعة عن المحامي والكفيل في بلدان عزّ فيها الأهل والأصدقاء بين وحوش بشرية تنهشها بعيونها وألسنتها، فإنهنّ إلى الوطن أحن من الناقة، وهذا الحنين الطافح على سطح المعاناة، يترجمه شاعر الأبوذية على لسان النساء، فيقطع نياط القلب، ومن ذلك أبوذية الشاعر المعاصر عباس بن علي الحزباوي، وهو ينظم على لسان السيدة زينب (ع) تناشد أخاها العباس بن علي (ع) حتى يقوم من رقدته ويردها إلى المدينة المنورة حيث مسقط رأسها وموطن جدها النبي محمد (ص):
يَسيفِ آللّي رِدَيتِ آلأهَلْ رِدْني
نِهَلْ حَيلي آوْ عِثَرْتِ آبْطَرَفْ رِدْني
إهْنا يَلّي جِبتْني گومْ رَدْني
إلوَطَنْ جدّي يهلْ مِلْتَزِمْ بِيَّه
ووقع الجناس في “ردني”، فالأولى مخففة أردني من الردى وهو الهلاك، والثانية من الردن وهو أصل الكم، والثالثة أرجعني.
ونجد الوطن والحنين إليه في أبوذيات كثيرة وشعراء كثّر، منهم عبد الصاحب بن ناصر الريحاني، عبد السادة بن حبيب الديراوي، وجمعة بن سلمان الحاوي.

فطام نادر
هناك ملازمة شديدة بين الحبل السري والجنين، فالحبل هو حبل نجاة الجنين ينقله من عالم الرحم إلى عالم الحياة، ومثله بل أقوى منه رباطا وانشداداً هو حليب الأم الذي يتناوله الرضيع حتى الفطام، فالفطام وإن أذن للإنسان الدخول في مرحلة عمرية جديدة وعالم جديد، لكن أثره يبقى حتى مماته، بل وهو ينشر الحرمة بين الرضيعين أو أكثر لآباء وأمهات مختلفات، فتتشكل بين الرّضّع على أثر الرضعات المعتبرة رابطة أخوية لا تنفصم عراها.
وبلبن الأم يكرم المرء أو يهان، فإذا أحسن التصرف مع الغير مدحوه وأثنوا على الثدي الذي ارتضع منه، وإذا أساء ذموه وعيّروه بالحليب نفسه، فحليب الأم مضرب الأمثال في خير الإنسان وشرّه، ولذلك ينبغي على الإنسان عدم الإساءة إلى حليب الأم بالإساءة إلى الآخرين، وأن يكرمها بالإحسان إلى الآخرين، وكف ألسن الناس عنها وعن أبيه، وكما يقول الشاعر العراقي معروف الرصافي (ت 1945هـ):
أوجب الواجبات إكرامُ أمّي … إن أمّي أحقُّ بالإكرامِ
حَمَلتني ثقلاً ومن بعد حَملي … أرضَعَتني الى أوان فطامي
إنّ أمّي هي التي خلقتني … بعد ربّي فصرتُ بعضَ الأنامِ
فلها الحمدُ بعدّ حمدي إلهي … ولها الشكر في مدى الأيامِ
أو قول ابن الرومي:
أقول: وقد قالوا: أتبكي لفاقد … رضاعا وأين الكهل من راضع لحلم؟
هي الأم يا للناس جزعت فقدها … ومن يبك أماً لم تذم قط لا يذم
ولا يخرج الرضيع من دور الرضاعة حتى يفطم عن الحليب، ولكن كربلاء شهدت فطاما من نوع آخر، فالرضيع عبد الله بن الحسين جاء به أبوه (ع) إلى القوم يطلب له جرعة من ماء بعد أن جف الحليب في ثدي أمه الرباب الكندية، لكنّ حرملة بن كاهل الأسدي فطمه بنصل سهمه، وكما يقول الشاعر ابن الرومي في وصف الخراب الذي حلّ بالبصرة بعد واقعة الزنج:
كم رضيع هناك قد فطموه … بشبا السيف قبل حدِّ الفطامِ
ومن الأبوذيات في فطام الرضيع بسهم حرملة أبوذية الشاعر جابر بن علي هادي أبو الريحة (ت 1405هـ):
مِياتِمْ للحِزِنْ نِنْصُبْ وَنَبْني
فِجَعْني حَرْمَله بِسَهْمَه وَنَبْني
إلطِّفِلْ عادَه يِفْطِمونَه وَنَبْني
إنْفُطَمْ وَيلاه بِسهامِ آلْمِنِيَّه
والجناس في كلمة “ونبني”، فالأولى من البناء، والثانية مخففة نابني أي اصابني، والثالثة مخففة ومركبة من أنا وابني. وكلمة مياتم أصلها مآتم.
ومن الشعراء الذين نظموا الأبوذية عن الحليب وعن فطام عبد الله الرضيع على غير العادة، جابر بن جليل الكاظمي، عبد السادة بن حبيب الديراوي، وإبراهيم بن موسى الساير، وغيرهم.

فريدة من نوعها
لقد مرت على واقعة كربلاء أربعة عشر قرنا، ومر على نشوء شعر الأبوذية نحو قرنين في أحسن الفروض، ولكن بالنظر إلى محتواه تجد شعر الأبوذية يمد جذوره إلى عمق التاريخ، وكأن هذا الشعر وضع أصلا لواقعة كربلاء، وكما يقول الدكتور ميثم شمة في قراءته: “ومن الأبواب المطروقة في هذه الموسوعة هو شعر الأبوذية الذي درج في العراق، وبخاصة في الجنوب منه، والذي هو لون من ألوان الشعر الشعبي الذي يوصف بأنه وُضع للحزن أو وُضع الحزن له، وكأن القضية الحسينية كانت تبحث عنه، وهو يبحث عنها، حتى تقمّصها بشكل عام”.
ويضيف شمّة: “قدم نفسه الزكية ونفوس أهل بيته الأطهار وجماعة من خيرة أنصاره الذين رافقوه ضحية لعقيدته وهدفه، ولأنه كان كذلك، فقد خلّده التاريخ واستهوته القلوب واتخذ منه الأحرار قدوة ومناراً، فأصبح بذلك المثل الأعلى للثائرين، ورسم للأباة منهاجاً يتبعون خطاه ويستلهمون منه تلك المعاني السامية التي تضرب بها الأمثال، وقد وجد الشعراء والأدباء في حركة الحسين النهضوية أرضية خصبة لنظم الشعر فأنشدوا فيه وأكثروا، كما وجدوا في أهدافه ما يوقظ الشعوب ويوعيهم على كرامتهم وحقوقهم، فأخذوا ينشرونها عبر ما ينظمونه”.
وحتى لا يذهب هذا التاريخ الزاخر سدى بين دهاليز النسيان وزوايا الضياع، شمّر المحقق والبحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي عن ساعد الجد لجمعه والتحقيق فيه في أبواب ستين من أبواب دائرة المعارف الحسينية في أكثر من ستمائة مجلد صدر منها 46 مجلداً، وبتقدير شمّة: “ومن هنا جاءت أهمية هذه الموسوعة الفريدة من نوعها في الترتيب والتحقيق والتخصص. وقد شدّني إلى ذلك حُسن الإختيار ودقة المعلومات وسلاسة التعبير، وهي تحتوى على مجموعة من الفنون والعلوم جمعت فيه هذه الموسوعة ضمن ما يتعلق بالحسين”.

* إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن