الرئيسية » مقالات » أوباما الصهيوني: مسؤولية مَنْ؟

أوباما الصهيوني: مسؤولية مَنْ؟

في مناسبة كل انتخابات رئاسية أمريكية، نقف نحن العرب الموقف السياسي ذاته، والذي لا يتعدى الحزن والأسى والعتب الشديد على موقف المرشحين للرئاسة الأمريكية. لقد درجنا على هذا منذ 1948 إلى الآن. وخلال ستين عاماً من ضياع فلسطين، لم نفطن إلى أن حلَّ القضية الفلسطينية في واشنطن، وليس في تل أبيب أو القدس. فأهملنا واشنطن المرضعة للصهيونية، وركّزنا على تل أبيب القريبة منا. ورحنا نتعامل معها باللعب وليس بالجد. واللعب هنا، يتمثل في عمليات المقاومة المجانية، التي لم تأت بمفعول أو بنتيجة إيجابية تذكر منذ ستين عاماً، بل على العكس من ذلك، شددت من قبضة إسرائيل على فلسطين سنة بعد أخرى أكثر من الماضي، وشوّهت صورة الفلسطينيين والعرب والمسلمين في الغرب أكثر فأكثر. وخسرت القضية الفلسطينية الكثير من أسهمها عند الرأي العام العالمي والإعلام العالمي، فيما لو علمنا أن هذين العاملين هما الدافعان والمؤثران على أصحاب صناعة القرار الغربي في أمريكا وفي الغرب عموماً.



أسئلة مملولة

وفي كل انتخابات رئاسية أمريكية، نتساءل:

أين هم العرب؟

أين منظماتهم المؤثّرة على الرأي العام الأمريكي؟

أين اللوبي العربي في أمريكا، المقابل للوبي الصهيوني الكاسح في واشنطن (إيباك AIPAC) ؟

أين المال العربي؟

فلا نجد غير بعض المنظمات الصغيرة المتهالكة، التي لا صوت، ولا وزن ثقيلاً لها. بل العكس من ذلك فكبرى هذه التنظيمات في واشنطن وهي “مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية” (كير CAIR ) الذي تأسس عام 1994 ، وأصبح كل همّه خاصة بعد كارثة 11 سبتمبر 2001 الدفاع عن تهم الإرهاب التي تُلصق بالإسلام والمسلمين. وهو هدف وجهد يشكر عليه. ولكن المهمة الرئيسة، وهي تعريف الرأي العام الأمريكي بالحق العربي والفلسطيني في فلسطين، وانعكاس هذا الجهد على مجرى ونتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لم تأتِ بأية نتائج تذكر. وظل المتنافسون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية يطلبون الودّ اليهودي والصهيوني، وهو ما يعني حوالي خمسة ملايين صوت انتخابي يهودي، مجهزين تجهيزاً سياسياً عالي المستوى، وهم بإمرة لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (إيباك AIPAC).

العقلية السياسية العربية والغربية

من خلال تعليقات المعلقين السياسيين العرب في كل معركة انتخابية رئاسية أمريكية نقرأ التعليقات ذاتها. وهذه التعليقات تخاطب عواطف السياسيين الأمريكيين وليس عقولهم، أو عدد أصوات الناخبين الذين سيسقطون في صناديق الاقتراع الانتخابية. ومن هذه التعليقات الإنشائية العاطفية قول بعض المعلقين:

– يتنافس المرشحون بشكل مخجل لإرضاء الناخبين اليهود من خلال التعبير عن مواقف مؤيدة بالكامل للسياسات العدوانية والتوسعية الإسرائيلية في المنطقة العربية، وعلى حساب الشعب الفلسطيني.

– لعل المرشح الديمقراطي للرئاسة أراد طمأنة اللوبي اليهودي، والإسرائيليين من خلفه بالتأكيد علي مساندته لكل ما تطلبه إسرائيل من أمريكا، في رده على حملة صهيونية إعلامية مكثفة شككت بمواقفه، وركزت على ديانة والده المسلم. وهذا يعكس انتهازية مفضوحة، وتجرداً كاملاً من المباديء الأخلاقية.

– ندرك جيدا أهمية أصوات اليهود بالنسبة إلى أي مرشح للرئاسة الأمريكية، مثلما ندرك مدى قوة اللوبي الصهيوني المالية والإعلامية في الولايات المتحدة، ولكن هذا الارتماء بشكل رخيص عند أقدام هذا اللوبي، يضر بالمصالح الأمريكية في أكثر من أربعين دولة إسلامية على الأقل، ويشجع على العنف والإرهاب، ويعطي المبرر لمنظـمات التطرف الأصولية مثل تنظيم “القاعدة”.

لم نتعلم بعد

من خلال بعض التعليقات السابقة، يتضح لنا بأن الموقف العربي موقف عاطفي استجدائي منذ ستين عاماً، يتردد في كل انتخابات أمريكية، ولا يملأ صناديق الاقتراع. والعرب والمسلمون في أمريكا- وهذا خطأهم الشنيع – ما زالوا يعتبرون السياسة قيماً أخلاقية، بينما السياسة وخاصة الأمريكية مصالح ليس إلا. وما يريده المرشحون في مثل هذه الانتخابات هو القوة الانتحابية، وليست القوة العاطفية. فالعواطف لا توصل أحداً إلى البيت الأبيض أو إلى الكونجرس. الحق، والخير، والعدل، كلها قيم إنسانية رفيعة تدل على مكارم الأخلاق، ولكنها لا تُصرف في البنك السياسي الانتخابي. ما يُصرف في البنك السياسي الانتخابي، هو قوة الماكينة الانتخابية عند العرب الأمريكيين، أو غيرهم من مكونات المجتمع الأمريكي. والعرب لا يملكون هذه القوة الانتخابية.

بنك العرب الانتخابي الأمريكي المفلس

رغم أن “مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية” (كيرCAIR ) قد أُنشيء عام 1994، ويمتلك 32 فرعاً ومكتباً إقليمياً في أنحاء متفرقة من الولايات الأمريكية، وهو أكبر التنظيمات الإسلامية الموجودة على الساحة الأمريكية، إلا أنه بقي كأية وزارة إعلام عربية وظيفته الأساسية، شجب الاتهامات التي توجه للمسلمين والإسلام، التنديد بالاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، نفي الأخبار التي تتردد عن ارتكاب المسلمين للأعمال الإرهابية، فضح دور اللوبي الصهيوني في واشنطن، توزيع الصدقات في المناسبات الدينية على فقراء المسلمين.. الخ. والاكتفاء بهذا الدور دون أن يكون لـ “كير CAIR ” الدور السياسي الكبير في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية الأمريكية، الذي يؤخذ بعين الاعتبار والحسبان من قبل المرشحين المختلفين، وذلك للأسباب التالية:

1- ضعف الوجود العربي في أمريكا. فنسبة عالية قد تبلغ أكثر من سبعين بالمائة من العرب الأمريكيين هم من الطبقات الدنيا (سائقون، عمال محطات الوقود، موظفون في محلات السوبر ماركت، بائعو سيارات، عاطلون) في حين أن اليهود الأمريكيين الذين يبلغون نفس تعداد العرب الأمريكيين تقريباً، هم من الأطباء، والمهندسين، والمحامين، وأساتذة الجامعات، ورجال الأعمال في شتى الميادين، وممثلي السينما والمسرح، ورجال الإعلام المؤثرين على الرأي العام.

2- العرب الأمريكيون غير مهتمين بالسياسة وغير متحمسين للاقتراع، باعتبارهم جاءوا من بلدان متخلفة سياسياً، لا ممارسة فيها للديمقراطية السليمة. لذا، فهم لا يقبلون على صناديق الاقتراع، حتى في الانتخابات المحلية للولايات، حيث لم يمارسوا الاقتراع في أوطانهم الأصلية ولو لمرة واحدة.

3- نقص المال بالنسبة لمنظمة “كير CAIR” ولغيرها، لعدم اهتمام الأنظمة العربية ورجال الأعمال العرب بالقضية الفلسطينية التي أصبحت بعد ستين عاماً، كصحن الطبيخ الفاسد، الذي لا يريد أحد الأكل منه.

فهل نعذر بعد ذلك، باراك أوباما على موقفه الصهيوني الأخير، بالقيام بأول زيارة له لـ “إيباك”، بعد تسميته كمرشح ديمقراطي للرئاسة، أم أنه غير ملوم؟

ألسنا نحن الذين فعلنا ذلك؟