الرئيسية » مقالات » كلمات سوداء بحبر أحمر

كلمات سوداء بحبر أحمر

الخط العربي
قال العفريت : ( الكلام ريح لا يبقى ). تكررت هذه العبارة في صفحات كتب التاريخ، حيث عزيت مرة إلى أحد الجن من المجهولين القدماء ومرة إلى أحد حكماء التاريخ من رجال الأسطورة المقدسين. وهي في كل هذا تعبر عن مدى انشغال الشعوب القديمة بسحر وأهمية الكتابة وعملية التدوين. ولقد أضاف المسلمون تعبيراً جديداً، لا يقل أهمية عن الأول، أكدوا فيه على ضرورة أن تكون الكتابة جميلة، مثل جملة ( الخط صنعة شريفة )، إذ عبروا فيها عن رفعة فن الخط عندهم. وقد تبين ذلك في تمييزهم بين المهنة التي تقصم ظهر الخطاط وبين الصنعة التي تسمو بنفسه نحو لذة الخلق، أي بين النفعية والجمالية في ممارسة الكتابة الخط. لقد قادتهم تجربتهم مع الخط على اكتشاف ظاهرة قيمة ( الموازنة ) بين الخط واللفظ، فإن ( فضيلة البيان ) التي يتقاسمها الخط واللفظ تدل على وعي مسبق لفنية الخط ولا تختلف عن فنية اللفظ ، فوقوع ( التناسب ) بينهما بالتعبير عن المعنى، أهّل كل من الخط واللفظ بالتعبير عن مشاعر الإنسان، أيضاً، وقوع كل منهما تحت حكم طبيعة القوانين الفنية، مثل التناوب النسبي للساكن والمتحرك الضروريان في كينونة أي من الصيرورة الفنية.


مصطفى جعفر
لا أتذكر رغبة زميل الدراسة ( مصطفى جعفر ) بالاندفاع نحو تعلم وممارسة الخط، حين كنا تلاميذ في صف الخط، بمعهد الفنون الجميلة في بغداد، عند أستاذنا الفاضل المرحوم ( هاشم الخطاط البغدادي )، لكني أتذكر تميزه في مجال التصميم وتفرده بالتعرض إلى مواد غير ممتهنة عند زملاءه من طلبة الفن، مثل تقديمه موضوع أثر قدم بشرية على سطح القمر، الذي أنجزه بصفيح من معدن الحديد. أما بعد، فقد دام انقطاع الرؤية بيننا أكثر من ثلاثين سنة حتى لقاءنا ببعضنا قبل عدة شهور مضت في لندن، ثم تم لقاء ثان، كان فيه الكثير من التقرب والكشف عن مواهب جديدة وتجربة فنية وحياتية غنية لم أكن مطلع عليها عند زميلي القديم الفنان مصطفى. وفي هذا اللقاء الثاني كان قد عرض فكرة إقامة معرضاً فنياً يستخدم فيه الخط العربي كمادة لعمل فني تشكيلي وليس موضوعاً تقليدياً وأراني شيءً من هذا.

كلمات بحبر أحمر
كانت صحائف من الورق الأبيض الصقيل تتقاطر على أرضية المكان، كل ورقة منها بقياس 45× 64 ، وكل ورقة تضمنت كلمة مخطوطة بحبر أحمر. كان عمل خط الكلمات محقق بأسلوب المتعلم للخط وهو بذلك يقترب في شكله من أسلوب تعلم الخط في كراس هاشم الخطاط البغدادي، حيث تظهر نقط وخطوط مقياس الحروف التي تعيّن طول وعرض الحرف في ارتفاعه وامتداده نسبة إلى قطة القلم. وكانت الكلمات تقطر دماً ؛ ( جثة مفخخة، دم / دموي، مشرحة ، جرحى، مفقودون، قتلى، مسلحون، مشردون ). كلمات مخيفة يقشعر لها البدن. كلمات سوداء تفوح منها رائحة الموت والخراب. خراب الباطن والظاهر للوطن العراق وللشخصية العراقية. كلمات عنف لا يعقل إنجازها إلا بصبغة الدم، حيث تبدأ العملية الفنية وتكتمل عند الفنان الخطاط مصطفى جعفر.

التجربة الشخصية
إن اختيار مصطفى لمجال فن الخط هو انتماء طوعي ، جسدي ونفسي، إلى تجربة إنسانية عظيمة الشأن كونت من الشخصية الفنية الفذة للخطاط المسلم من مختلف الشعوب، شخصية تتحلى بالرزانة والتحكم أثناء تحقيق الجميل عبر تصور الحرف وإنجازه. وهو اختيار جاء عن قناعة شخصية بأن الخط العربي لم يستنفذ بعد غناه التعبيري الفني. فبالرغم من اهتمامه المتأخر بفن الخط، لكنه كان قد قطع شوطاً طويلاً تجاوز الستة عشر عاماً من العمل المتواصل والإبداع الشخصي، في الأسلوب وفي طريقة العمل الحرفية، على سبيل المثال، جمعه بين الإنجاز الإبداعي اليدوي والحرفية الصناعية الجديدة، في استغلال قدرات برامج الحاسوب مثل ( الفوتوشوب ) والطباعة الحديثة في إخراج العمل الفني النهائي، التي مكنته من تحقيق أعمالاً فنية بالخط العربي من حقها المطالبة بصفة المعاصرة. ( شاهد موقع الفنان مصطفى جعفر على الرابط التالي ) :

www.arabigraphy.com




بصمة الأحداث
حرب ثانية ثم حرب أخرى. أحداث العنف تتكرر وتطول ثم تستديم. القلق القديم يستجد وتتراكم الأخبار المؤذية التي تحمل في أحشائها مفردات الدمار. وبالمقابل كان تصدي الفنان لمعاناة الوضع المستجد بالصبر، بالعمل. العمل بالرغم من قسوة الأخبار. الاستمرار بمزاولة العمل الفني ـ الخط بالتعبير عن المعاناة القديمة والجديدة واتخاذ نفس الموقف ضد العنف والحرب والإرهاب، ضد مصادر الشر والحقد المولدة للمعاني المظلمة، المحزنة، التي مارست سطوتها على النفس العراقية قبل الاحتلال بدهر طويل وتفاقمت أثناءه. إن وعيه بحالة الرفض لديه دعته إلى فعل نوع من المقاومة السلمية الذاتية، الجسدية والنفسية، مقاومة صوفية البعد والمعنى، لها علاقة بطبيعة عمل الخطاط. كانت هذه المقاومة السلمية قد ترجمت بعمل طويل، متأن ورصين، استخلص فيه ظاهرة العنف الدموي عبر اختيار مفردات ذات وقع مؤسف ومؤلم، كان قد حققها بلون أحمر قاتم، لون الدم.

المعنى البصري
بالرغم من التجرد الذي يتصف به الحرف، فإن المعنى البصري له يأخذ صيغة واقعية مستقلة بالتعبير عن الحالة التي يكون قد أنجز بها، إنه السبب في وجود تعدد الأساليب الشخصية للفنانين الخطاطين، أيضاً، السبب في إمكانية تحميله معنى إضافي، أدبي أو تشكيلي. ففي هذا العمل يقحم مصطفى جعفر عمل الخطاط في عمق المأساة، فبقلم جديد كان عليه أن يتعلم في درس أضافي، رسم شظايا الكلمات المنطلقة عن جحيم الحرب، وبأسلوب التلميذ المجد، يتشبث بطريقة استنساخ قواعد الخط التقليدية، فالكلمات الثقيلة المعتمة المخطوطة بالحبر الأحمر تفتقر، بحد ذاتها، إلى الهدف الجمالي وكأن عنف الأحداث قد تطاول عليها.
يذهب مصطفى نحو الفكرة، نحو المجرد. إذ ينكشف البصري المجرد في تحقيق الخط وينكشف المعنى المجرد في خبر الكلمة ـ الحدث اليومي العراقي، حيث المأساة الإنسانية في أوج ذروتها من أعمال التحطيم الشامل للمادة والروح والنفس.

عباس باني حسن ـ فرنسا
www.abbas-bani-hasan.com

دعوة عامة
يقيم الفنان مصطفى جعفر معرضاً فنياً بعنوان ( كلمات سوداء بحبر أحمر ) يحاول فيه التعبير عن معاناته كفرد وكفنان عراقي، أيضاً اهتمامه بإضافة تجربة فنية جديدة إلى المجهود الفني المشترك للفنان العراقي عبر استخدامه للخط العربي كمادة وكموضوع تشكيلي. سيكون الافتتاح في الساعة السادسة من مساء الاثنين المصادف 16 حزيران 08 في قاعة مينيير غالري على العنوان التالي :

Menier Gallery
Lower Ground Floor
Menier Chocolate Factory
51- 53 Southwark Street
London SE1 1RU
Tel : 020 7407 3222