الرئيسية » مقالات » حوار مع الشاعرة والكاتبة الفلسطينية منى ظاهر

حوار مع الشاعرة والكاتبة الفلسطينية منى ظاهر

*هو نصّ رافض للتّجنيس؛ فيه نبش في جسد اللغة منبثق من طين رمزيّ.
*خميل كسلها الصّباحيّ” هو نصّ جادّ فيه اشتغال على هذه العلائقيّة الوجوديّة بين الرّجل والمراة.
*أنا حاليًّا أكتب دون الخوض في مسألة مسمّى النّصّ، علينا أن نبني أو بالأحرى أحاول أن أبني نمطًا جديدًا من الكتابة يخصّني ويميّزني مبنيّ على ثقافة ومعرفة وعلى خلخلة جميلة باشتغال لا تلغي الجماليّة الموجودة .
*هذا البرق الأوّل وتلكَ الومضَةُ الأولى الّتي تستلبكَ من زمانك ومكانكَ، كماها اجتذابك الفطريّ الوحشيّ لكائن يستوقفك.
*تكتملُ القصيدة بتلاقٍ مع الوعيِ لغةً وموسيقى وصُوَرًا وتركيبًا، وتكون ذروة النّشوة عندي حين يكون جسدها كاملا.. فتتنفّسُ روحي بهاءً وارتياحًا.
*هي سيمفونيّة الإنسان الوسيط الخارج من السّرب، الّذي يريد لنصّه أن يبقى مفتوحًا على قراءات متواصلة، هو النّصّ المحمّل والمشحون شعوريًّا ولا شعوريًّا بمجموع رؤى الشّاعر/الكاتب وتجاربه وثقافاته .
*إنّ الأدب هو أدب إنسانيّ، هل سمعنا أحدًا يدعونا إلى لقاء لأدب رجاليّ؟ لماذا إذًا تتمّ دعوتنا إلى لقاء لأدب نسائيّ .
*طبعًا هناك الكثير من النّصوص الّتي تلفتني بشكل شخصيّ لأدباء أكراد يكتبون باللغة العربيّة مع اشتغال مثير للإهتمام ومستوقف إيّاك عند هذه اللغة والتّركيبة الجماليّة والمنزاحة الّتي تستحقّ الإلتفات والدّراسة .

1: خميلُ كَسَلِها الصّباحيّ- خزفيّة نصّيّة لرفسة غزال) آخر أعمالك النّصّيّة الأدبيّة، هل ما زال الوقت مناسباً لكتابة الشّعر ونحن في زمن سريع .. مدهش … ألا تعتقدين إنّ النّصّ العربيّ والشّعر عامّةً يمرّ بمرحلة تأزّم قسوة، وخاصةً نحن نعاني من إزدواجيّة في الثّقافة والكتابة؟

جديد كتابتي صدر قبل أسابيع، والّذي أعتبره تحليقًا آخر في سماء الإبداع وثورة تضجّ بجديد وغواية، يحمل عنوان: “خميلُ كسلِها الصّباحيّ”- خزفيّة نصّيّة لرفسةِ غزال، صادر عن دار أزمنة- عمّان.
هو نصّ رافض للتّجنيس؛ فيه نبش في جسد اللغة منبثق من طين رمزيّ. فيه نقش أعمق في الرّوح- روحي، باشتغال جادّ على المعنى واللغة وفسيفساء وجودي ما بين الأسطورة والواقع. تجدر الإشارة إلى أنّه نصّ حانت ولادته بعد جهد 4 سنوات/ مخاض ثقيل وعميق. بلا شكّ هو سيرة مضمون وشكل من ضوء ونار. وقد جرّبت هذه النّصوص الدّعسَ بين أواخر أيلول/سبتمبر 2003 حتّى أواخر تشرين الأوّل/أكتوبر 2007، رقصاتها كانت في اضطراب أمكنةٍ في النّاصرة وعمّان وفرنسا والمغرب.

نصّي المتطرّف هذا يستثمر الأسطورة عمومًا، بمخيّلة عالية وبتركيب خزف تمّ بناء هذا النّصّ الطّويل المكوّن من 48 دعسة؛ فيه تصوير لما يعتمل الكائن من شهوة وفوضى وفكر ورغبة ولا استقرار وجوديّ وإنسانيّ.
هو عجينة بتوظيف مضامين وبمغامرة لغويّة منزاحة وبإيقاع شذريّ.. هذه الشّذرة ذات التّكثيف الدّلاليّ والإستنطاق الشّعريّ الممارِس اللعب الإيقاعيّ بالكلمة.
“خميل كسلها الصّباحيّ” هو نصّ جادّ فيه اشتغال على هذه العلائقيّة الوجوديّة بين الرّجل والمراة.

هذا الكتاب هو لقارىء انتقائيّ يبحث عن قراءة نصّ دخل ماكينة تقطير ونحت.

وفي ظلّ الظّروف الّتي تحاصر ثقافتنا خصوصًا، في الأراضي الفلسطينيّة عام 1948، وتسعى لتهميش لغتنا العربيّة ومحو تراثنا الفلسطيّنيّ بكلّ جوانبه، وتشويه ذاكرتنا الحيّة. فإنّه من الضّروريّ العمل على الإبداع، من وجهة نظري، بكلّ أشكاله من فنّ وموسيقى وأدب وشعر بصورة تُظهِر هويّتنا الفلسطينيّة ولغتنا العربيّة السّليمة وانتماءنا المتجذّر فيها.

2: المؤثّرات الّتي رافقتكِ لكتابة الشّعر والرّموز الّتي أثّرت بك، وما هي.. ومن هم؟

يمكن القول أنّ أسلوبي اللغويّ أشتغل عليه بغريزتي أوّلاً، ثمّ يكون له نقش متزاوج من دمي وتجريبي. بمعنى أنّ لغتي هي كائن أيضًا متحرّك. أحاول أن أبني فيه لويغة – تصغير لغة – هي لي، لنصوصي بالأحرى. أنا اشتغل على مغامرة لغويّة بانزياحات، هي متأتّية أيضًا من وعي وجوديّ متطوّر لتجربتي الحياتيّة والمعرفيّة، لا شكّ في ذلك.
ولا أنكر أو أنفي أنّ الكاتب كما الإنسان متأثّر وامتداد لمن سبقه.. لكنّه يبحث عن فضائه الشّخصيّ وسط الخضمّ الكبير من المبدعين والمبدعات في العالم العربيّ والغربيّ. والإطّلاع قراءة وتجربة على إبداع وثقافة الآخر مهمّ في هذه الرّحلة الإبداعيّة الطّويلة الممتعة والشّاقة.

3: هل تفكّرين بترجمة أعمالكِ الشّعرية إلى لغاتٍ أخرى ونشرها، وماذا تحقق ترجمة الشّعر لك؟

مَن يتابع موقعي الشّخصيّ يجد في بند “ترجمة الرّوح” قصائد مترجمة إلى اللغات: العبريّة، الفرنسيّة، التّركيّة وأيضًا الإسبانيّة والإنجليزيّة. وهي كانت مبادرات من شعراء مترجِمين لترجمة نصوص من أعمالي.
طبعًا وبلا شكّ التّرجمة الأدبيّة مهمّة، يستطيع نصّك من خلالها التّواصل مع ثقافات مختلفة وأن يتحاور مع نصوص جديدة ويوصل رؤياه وحلمه وفكرته وكينونته كلّها.
التّرجمة بحدّ ذاتها هي إبداع آخر تدخل فيه رؤية المترجم للنّصّ الّذي يعمل عليه للتّرجمة. أكيد تدخل على نصّك الأصليّ أنفاس أخرى مهمّ أن نكون متيقّنين من أنّها ستتسرّب إليه من الجوّانيّ اللاواعي.. ومن المهمّ أن يحتفظ نصّك الأصليّ إلى حدّ كبير بروحه الخاصّة الّتي يتفنّن المترجِم المبدع بتقديسها والمحافظة عليها. ولا ننسى أنّ لكل لغة خاصّيّاتها وميّزاتها.
وستكون لي قريبًا مجموعة من قصائد جديدة مجتمعة في كتاب، بلغة مترجَمة واحدة من جهد شاعر مهمّ ومبدع بادر إلى هذه الفكرة الّتي سيعلن عنها في حينه.

4: هل بقي شيء من زمن الشّعر الكلاسيكيّ، وهل ما زال أحد من شعرائنا يكتبونها وكيف تجدين مستوى الشّعر العربيّ الحداثويّ الآن؟

ج4: أعتقد أنّه حان الأوان لأن نعيد النّظر في كلّ ما نعنيه حين نطلق أحكامنا سواء على النّظريات أو على الموجود. وحان الوقت أيضا لأن نعيد النّظر في كلّ الثّوابت ولو تلك الّتي تبدو مسلّمة وبديهيّة، بمعنى أنّه علينا إعادة النّظر في المسلّمات الإبداعيّة النّصّيّة . أتحدّث عن تجربتي الكتابيّة في هذه المرحلة، أنا حاليًّا أكتب دون الخوض في مسألة مسمّى النّصّ، علينا أن نبني أو بالأحرى أحاول أن أبني نمطًا جديدًا من الكتابة يخصّني ويميّزني مبنيّ على ثقافة ومعرفة وعلى خلخلة جميلة باشتغال لا تلغي الجماليّة الموجودة .
فقد أكتب نصًّا لا يبدو شعرًا، لكن روحه شعر ويحمل ايقاعه وموسيقاه.
لو أنّنا نتواصل مع الشّعر حقًّا بأرواحنا من خلال استعمال معرفتنا ورؤيتنا، كنّا قد حقّقنا تواصلاً متبادلاً معه. كلّ واحد منّا يختلف عن الآخر بتعامله مع كلّ الكائنات والأشياء وفقًا لثقافته ورؤيته.
هل الشّعر يستطيع أن يفهمنا؟ نعم هو يستطيع أن يفهمنا، إن كان منبثقّا منّا حقّا من تواصلنا مع ذواتنا، إن كان كما يجب أن نكون كإنسانيّين متحوّلين باستمرار/ نتخطّى أنفسنا وعالمنا..
طبعا تناضل المرأة الفلسطينيّة وتسعى لتكسير القيود كتابةً بعد تخطّي ذاتها لتصبح جزءا من مجموعة- تعبّر عن هموم المجموع: سياسيّا، وطنيّا، مجتمعيًّا وفرديًّا.
هناك أسماء لكاتبات فلسطينيّات لمعت أسماؤهنّ عربيّا وعالميًّا، أمثال: ميّ زيادة وفدوى طوقان.

5: هل هناك نقد أدبيّ أو نقّاد أو متابعين لحركة الشّعر و الإبداع النّصّيّ أو السّرديّ، وكيف تجدين دور النّاقد في التّعامل مع القصيدة؟

يهمّني هنا أن أركّز على موضوع لا يمكننا أن نغفل عنه مرتبط بانكشاف الإبداع على الآخر، لأنّنا في عصر منفتح من خلال هذه الشّبكة العنكبوتيّة الإلكترونيّة فقد تلتقي حقًّا بأقلام جادّة نقديًّا، من شأنها أن تبني عمادًا لحركة نقديّة، لكن للأسف بما أنّنا أيضًا في حالة من الفوضى العارمة ليس فقط في مضمار الأدب والإبداع، بل أيضًا في ممرّات ومجالات الحياة المختلفة.. لذا فإنّنا نشهد أنّ نقد النّصّ بات أيضّا متوقّفًا ومنقادًا في أحيان كثيرة لعلاقات شخصيّة محلّيّة وفي الخارج أيضًا.
كأنّنا لا نستطيع أن نفرّق بين شخصيّة النّصّ وشخصيّة الكاتب فإمّا أن نرفع نصّه لأنّه “صديق” أو أن يكون العكس .
والسّؤال المطروح هنا هو: هل نستطيع حقًّا أن نتعامل مع النّصوص الّتي نقرؤها بموضوعيّة؟
أنا أجد أنّ مهمّة الكاتب والشّاعر إن أردنا أن نحدّد، هي محاولة خلخلة تابوهات النّظريّات الأكاديميّة في النّقد. ما فائدة أن أكتب/ أخلق وأنا أستبقي أسس نظريّات جامدة ثابتة لا تتغيّر! هل أنا أكتب للنّقد/ للتّواطؤ معه؟ الجواب أكيد لا. يعني أنّ نصّي هدفه إثارة وتحريض أدوات النّقد للكتابة عنه،
ووفق ما أراه فإنّ هناك أقلامًا تلامس التّجديد أو/ وأخرى تلامس العمل الجادّ في نصّ تكتبه، لكنّها قليلة. نحتاج ربّما حقّا للعمل على تقنيّات جديدة. هنا أتحدّث عن النّاقد – دور النّقد.
يعني على النّقد أن يكون إبداعًا آخر. عليه أن يتخلّص من المسلّمات من أجل أن يؤسّس لقراءات مضيئة غنيّة ومغنية- كما يقول أدونيس في “موسيقى الحوت الأزرق”.
من المهمّ الإلتفات أيضًا إلى أنّ حركة النّقد الجادّ من شأنها أن تؤسّس لرقابة على موضوع نشر الأدب الحقيقيّ في عصر مدجّج بالتّساهل والسّهولة والإستسهال.
6: منى ظاهر إسم أدبيّ رفيع؛ من أين تأتيك النّصوص والقصائد و كيف تبلورينها أدبيًّا، ومن أين تأتيك العناوين؟

ما بين محاولاتٍ لكتابة الشّعر والنّثر ونصوصٍ تأبى التّصنيف:
ما يمكنني الحديث عنه هنا هو لحظة البرقِ الأولى في انطلاقِ النّصّ الشّعريّ عندي، وهذا يلخّص إلى حدٍّ ما تجربتي في كتابة الشّعر:
هذا البرق الأوّل وتلكَ الومضَةُ الأولى الّتي تستلبكَ من زمانك ومكانكَ، كماها اجتذابك الفطريّ الوحشيّ لكائن يستوقفك.. يقتنصكَ في لحظةٍ ما، يترككَ بعدها لصَنعتِكَ في أن تحلّق معه في انفعاليّتك خيالاً وواقعًا لتنقش في داخل روحك، وتلتقي كلماتك بتواتريّةٍ بعدها على بياضِ الورقةِ في جسدِ قصيدةٍ أو نصّ شعريّ.
نعم، تهبني القوّة الخفيّة الإشراقة الأولى.. الجملة الأولى أو الشّطر الأوّل من قصيدتي، أقولُ إنّه الوحي أو الشّيطانُ الشّعريّ.. إنّه اللاوعي القابع فيّ، المنتهز للحظةٍ يكون فيها بدئيًّا وغريزيًّا ليقذفَ من أعماقي نسجَ حروفٍ أترجِمُها بانفعاليّة وتواتريّة كلماتٍ على بياضٍ في ورقة..
قد يضيعُ منّي نسج الحروفِ هذا في لحظة منامَةٍ أو سهوةٍ، لذا فالورقة باتت شقيقتي وشقيقة وسادتي لأقتنصَ معها نداءً مستفحلاً آتيًا من قعرِ أبديّتي مُلتفًّا بشعريّةٍ باسقةٍ من روحي.. بعدها أبني فضائي المتناسلِ من تلكَ النّطفة الآتية من تلكَ اللّحظةِ.. لتولدَ القصيدةُ كاملة من اختمار كلّ كينونتي: روحًا، جسدًا، فِكرًا، حِسًّا ونغمًا.
تكتملُ القصيدة بتلاقٍ مع الوعيِ لغةً وموسيقى وصُوَرًا وتركيبًا، وتكون ذروة النّشوة عندي حين يكون جسدها كاملا.. فتتنفّسُ روحي بهاءً وارتياحًا.
أمّا عن العناوين، فإن اختيار العنوان هو بحدّ ذاته بالنّسبة لي كأن تكتب نصًّا جديدًا، لكنّه نصّ حامل بين جوانحه روح العمل كلّه، لذا فإنّ الإشتغال على عنوان الكتاب هو عمل آخر بحفر أكبر.
7: إلى أيّة درجة هناك تأثير لنصوصك؟ و كيف سيكون مستقبل القلم الأدبيّ في فلسطين وهناك احتلال موجود.
بدون أدنى شكّ فإنّ النّصوص حيّة أيضًا، هي كائنات من المهمّ أن نمارس عليها تأمّلنا – ممارسة رياضة روحيّة طويلة، تجعلنا نتواصل مع ذواتنا ومع الآخر.
الكتابة بحدّ ذاتها مقاومة، وكما تقول نوال السّعداويّ: أكتب لأقاوم الموت.
إنّ الكتابة هي وسيلة للثّورة أيضًا، وكما قال الشّاعر نزار قبّاني “قومي، إنفعلي، إنفجري لا تقفي مثل المسمار”، فإنّها أنواع وأساسها الموهبة عندما تكون موهبة إبداع من أجناس أدبيّة كثيرة، ولأنّني من هذا العالم الأدبيّ والشّعري ولي ولادات شعريّة وأدبيّة، فإنّني أساهم مجتمعيّا في إحداث تأثير أو تغيير ولو كان تأثيرًا أو تغييرًا متواضعًا في إبراز هموم المرأة وقضاياها أيضًا.
8: ماذا تعني لك الكتابة و إلى أين تستطعين أن تصلي من خلالها؟
عندي الكتابة هي تحليق الرّغبة.. هي مرحلة اللذّة في الهذيان، هي الكلامُ الجديدُ، الوطنُ الغرامُ. إضافة لما ذكرت فقد يكون للجينات دور في هذه المقاومة الّتي أجدها منبثقة من اختيار التّعبير عن دواخلنا. لماذا الكتابة؟ لأنّها الّتي توصل اللاواعي مع الواعي… هي سيمفونيّة الإنسان الوسيط الخارج من السّرب، الّذي يريد لنصّه أن يبقى مفتوحًا على قراءات متواصلة، هو النّصّ المحمّل والمشحون شعوريًّا ولا شعوريًّا بمجموع رؤى الشّاعر/الكاتب وتجاربه وثقافاته.
وأقول: تُوضَعُ الحدودُ لِنتذوَّقَ طعْمَ اختِراقِها وتلتقِي أحداثُ الأزمِنَةِ في تحليقِ الفراشة.
الكتابة هي كما السّرّ . أقصد أنّ تجربة الكتابة وبالأخصّ الشّعريّة هي تجربة طلسميّة.. كثيرون من يحاولون تفكيكها أو تحليلها ولا يفلحون، لأنّها معجونة بقوّة/قوى خارقة ألوهيّة إن صحّ التّعبير. لذا فإن هذه الكتابة/هذا السّرّ هو الجالب معه الضّوء الحقيقيّ.
الكتابة عندي آتية ومنبعثة من عطر الرّوح ومن أرخبيل انفجارات أضواء وعتمات فيّ.
عندما تكتب أنت تمارس الحياة وترقص جنونًا، أنت تخلق عوالم طبيعة ومرايا ملوّنة، أنت ترسم خطوط أجنحة الفراشة. وقد يكون هدف الكتابة أيضًا التّفريغ من أجل إعادة البلورة والخلق. أو أنّها الإلتفات للهامشي اليوميّ بأسلوب مغاير مستوقف لتحمله في غرائبيّة هذا الوجود.
أظنّ بأنّ المكوّنات الّتي خلقتني شاعرة وكاتبة، هي مكوّنات تنتمي بانحياز حادّ للطّبيعة، لجينات بيولوجيّة وروحيّة لعوالم خاصّة فيّ، ولطبيعة فيها من الشّراسة والتّمرد اللاواعي لأكون خارج السّرب، أغرّد بأسلوبي. وأخطّ طريقًا فردانيًّا يميّزني عن غيري .. الكتابة هي تعبيري الجواّنيّ عن أعماقي وعن رؤيتي للعالم وعلاقتي مع الأشياء والآخر دون ابتذال بل بكلّ الشّفافيّة والتّحليق..
كتابتي هي ولع الليلك/ الشّعر خارج قوانين الكتابة التّقليديّة، هي كتابتي الخارجة من دفاتر الرّوح والوجدان.
الكتابة عندي بداية منبعثة من الحفر والنّقش في ذاتي غير المنفصلة عن بيئتي وعالمي، بمعنى أنّ كتابتي ليست آتية من فراغ. لكن قد تكون العوالم الّتي أكتب منها/ خلالها مختلفة: حلميّة/ عشقيّة/ علائقيّة بين الواعي واللاواعي/ منبثقة من واقع تتجاوزه لتفكّكه وتعيد تشكيله من جديد.
وكما أسلفت سابقًا، أنا أؤمن أنّ قوانين الكاتب/ة هي فقط قناعاته/ا نفسه/ا. وهذا الكاتب الحقيقيّ نفسه هو الإنسانيّ فينا. أنا أركّز هنا على الإبداع الرّافض للإبتذال، الرّافض للمساومة.
وأنا أتحدّث عن الحقيقيّة في الرّوح، في العمل الجادّ على الذّات، في العمل الجادّ على النّصّ/ على مرآتك / نصّك الشّعريّ أو النّثريّ أو النّصّ غير القابل للتّصنيف، بمعنى أنّ نصّنا الحقيقيّ هو مولود وكائن يتحرّك من طينتنا نحن. والقارىء ليس غبيًّا، هو ذكيّ ويتواصل فقط مع الحقيقيّ.
9: هل نستطيع من هذا المنطلق إعتبار القصيدة الحديثة والنّصوص الّتي تكتبينها هي بحث عن طريق حرّيّة تشقّينها بقلمك؟
أنا أجد أنّ النّصّ جسد وروح وله أن يبثّ طاقته فيّ أنا القارىء . أمّا تلك النّصوص المبتذلة تموت، قد يكون لها بريقها الّذي يخفت. ولا ننكر أنّها كثيرة في عصر الإستسهال أو الإسهال في النّشر والثّقافة المشوّهة، لكنّني أتحدّث عن ماء الورد/ عن ندى الوردة وعن بريق ألوان أجنحة الفراشة والكائنات الليليّة.
أنا أتحدّث هنا عن الشّاعر أو الكاتب الّذي يملك رؤية خاصّة للعالم، الّذي يؤسّس لعلاقات خاصّة بين لغته والأشياء والّذي يؤسّس لتقنيّة فنيّة وجماليّة خاصّة أو لغة شعريّة خاصّة.
لنقل أنّني أعمل في البحث الجوانيّ في داخلي، أحاول دخول السّراديب؛ فتح المغلق منها رغم ألمها ووجعها، كيّ أصير أنا جزءًا من الوردة/ من الشّجرة/ من الطّير، أيّ من العامّ. عليّ أن أخرج بقوّة من الذّاتيّ، الخروج هنا ليس الرّحيل بل هو فهم الجوّانيّة الدّاخليّة في محاولة للعمل عليها لتطويرها، محاولة الوقوف لمواجهة أزماتها وصعوباتها!. كلّ الوقت أقول “محاولة” لأنّني حقًّا أحاول وأعمل بجدّ. وهذا هو مسار تجربة وجوديّة، نعم تنعكس في رؤيتي للعالم. وبهذا فإنّها تؤسّس في بناء لغويّ ينبني ويترعرع ويتكوّن.
10: شاركت في مهرجان الشّعر الدّوليّ (2005) الّذي تنظّمه جامعة حيفا برعاية قسم اللغة الفرنسيّة وآدابها، و مهرجانات أخرى كيف وجدتِ الشّعر العربيّ و بأيّ مستوى كان؟
الإبداع طبعًا غير قابلٍ للتّداول في ورشات أدبيّة ومهرجانات ومؤتمرات. لكنّني أكيدة أنّه يكشفك على تجارب مبدعين ومبدعات آخرين وأخريات.
يعني مهرجان الشّعر الدّوليّ (2005) الّذي تنظّمه جامعة حيفا برعاية قسم اللّغة الفرنسيّة وآدابها مركز بحث الشّعر الفرانكفونيّ، و مهرجانات أخرى كانت أهميّتها بالتّعرّف على إبداع الآخَر وإنسانيّته، بكلّ ما فيها من مكنونات إيجابيّة وسلبيّة. علمًا بأنّ هذا المهرجان سأشارك في ملتقاه الجديد في نوفمبر 2008 بقراءات شعريّة باللغة العربيّة وسيقرأون نصوصي بالفرنسيّة أيضًا. ويشارك فيه أسماء منتقاه من العربي الفلسطينيّين في الدّاخل، علمًا بأنّه في العام 2005 شارك كلّ من الشعراء: سميح القاسم، رشدي الماضي، بروفيسور نعيم عرايدي وأنا وقد مثّلت هناك نموذج المرأة الشّاعرة الفلسطينيّة الّتي تعيش في المجتمع الإسرائيليّ، وتحدّثت عن ظاهرة الشّعر الغنائّيّ وشعري كنموذج لذلك.
في هذا السّياق، تحضرني مشاركتي الأخيرة لمهرجان متنقّل جرى في العام2006 في شمال فرنسا، هناك تيّقنت أنّ الرّوح الّتي فينا هي المحرّكة، يعني لمجرّد أن تستمع مثلاً إلى شاعر ألبانيّ وأنت تدركُ أنّك لن تفقه شيئًا من لغته، وإذ بك تندهشُ وأنت تحاول أن تفسّر ما يقوله من خلال موسيقى حروفه ونبرات صوته وإحساسه المتراكم في قصيدته والّذي يكاد يخاطب داخليّتك من مشاعر وأحاسيس. وهو بالمثل لا يفهم العربيّة لكنّه منقاد لما فيها من موسيقى ونغمات تخاطبه وقريبة منه.
هذا مثال على أنّ اللّقاء بحدّ ذاته مهمّ ففيه التّواصل وانكشاف الآخَر عليك وانكشافك عليه بكلّ ما فيه وفيك من ثقافة وحضارة وإنسانيّة وإبداع.
مثل هذه اللقاءات من شأنها أن تلغي الحدود الجغرافيّة والمكانيّة، ليكون اللقاء ملتقى ثقافيّا وأدبيّا لهدف التّعميق والتّواصل.
11: أين تقع قضيّة فلسطين وقضايا العرب الأخرى على خريطة الشّعر والنّصّ عندكِ؟
الإبداع لا يمكن أن يكون إبداعًا دون أن يكون موصولاً وطارحًا لقيم وقضايا مجتمعيّة نعيشها. هو أيضًا صوتنا ولكلّ واحد فينا هويّته، أيّ أسلوبه هنا في طرح هذه القضايا. المبدع الحقيقيّ غير منفصل عن قضايا وهموم وآمال شعبه لأنّه جزء من هذا الشّعب،
لكن كلُّ له أسلوبه في طرح هذه القيم ومن هنا فإنّه ينزاح إلى الإبداع شعرًا ونثرًا أو أيّ جنس أدبيّ آخر.
وحاليًّا أنا أكتب تجربة أسميتها للآن يوميّات 2008، بدأت بكتابتها من حرب تمّوز 2006، مرورًا واسترجاعًا بالذّاكرة الجمعيّة والفرديّة إنسانيّا ونفسيًّا وبالمكان هنا وبأرض فلسطين وما يمرّ عليها من أحداث، كلّ ذلك بتصوير مشاهد متنقّلة ومتراكمة من قبل النّكبة وحتّى يومنا هذا. في هذه التّجربة أنا أكتب نصًّا مختلفًا سيضفي جديدًا على محطّات مسيرتي الإبداعيّة.. أنا فخورة بما أنجزه حاليًّا لأنّه سيكون بصمة وإشارة أخلِِصُ فيها لتاريخ المنطقة الّتي أنتمي إليها وهي مسؤوليّة كبيرة وخطرة ومهمّة.. سأعمل بجدٍّ من أجل أن أنجزها بصورة وأبعاد جديدة، سيكتشفها القارىء لاحقًا.
12: ما رأيكِ في ما يسمّى بالأدب النّسائيّ وأين هو في كلّ ما يجري في هذا العالم؟
في خضمّ هذا الواقع المجتمعيّ الّذي أعيشه، ومع تزايد إعلان المجتمع الدّولي بتوفير الإمكانيّات المتساوية لكلّ الأفراد فيه، فإنه يترتّب على كلّ مجتمع تطوير القدرات الذّاتية لأفراده ومشاركتها مجتمعيّا وإنتاجيّا، ومن هنا أهمّية تغيير الأدوار بين النّساء والرّجال في المجتمع، أيّ تغيير التّقسيم الوظيفيّ بين الجنسين.
لذا فإن المرأة الكاتبة الّتي تساهم بالكتابة في مواضيع معيشيّة حياتيّة ثقافيّة وأيضًا تعنى بالمرأة، هي تساهم في عكس واقع تعيشه، ومن ثمّ تسعى للتّأثير عليه.
وعلى فكرة أنا لا أحبّذ هذا التّقسيم في الأدب، إلى أدب نسائيّ موقّع باسم امرأة وأدب رجاليّ موقّع باسم رجل.
إنّ الأدب هو أدب إنسانيّ، هل سمعنا أحدًا يدعونا إلى لقاء لأدب رجاليّ؟ لماذا إذًا تتمّ دعوتنا إلى لقاء لأدب نسائيّ؟
أصلاً هذا التّقسيم من شأنه أن يعزّز سياسة التّمييز ضدّ النّساء.
نعم هناك أدب نسويّ وهو الّذي يحمل فكرًا وينادي بتغيير الأدوار المجتمعيّة بين الرّجل والمرأة. وقد يكتبه رجل أو تكتبه امرأة.

وكلّنا نحمل أكثر من وجهٍ فينا.. فمسارح الوجه الواحد كثيرة.. وباختلاف الوقت والزّمن والتّجربة الحياتيّة، فإنّك قد ترى وجهك مختلفاً في المرآة الّتي تعكس ملامحه. ويراه الآخرون وجها مغايرًا أو مشابهًًا في مرآتهم..
ونصّك الشّعريّ/ الإبداعيّ هو كما ملامح وجهك..
وللمرأة في مجتمعنا العربيّ الفلسطينيّ عمومًا أن تبحث عن نفسها وتحاول أن تخلّصها من كلّ القيود والمركّبات الحياتيّة المضطهِدة.
وأيضًا وفي مجتمعنا الفلسطينيّ في أراضي ال 1948، من المهمّ للمرأة أن تبحث عن نفسها وتخلّصها مرّتين، وأنا كامرأة من هذا المجتمع وكفرد من النّساء- أعايش هذا البحث عن الذّات، من جرّاء تمييزين واضحين: أوّلا: لأننا عربيّات من أقليّة فلسطينيّة. وثانيا: لأنّنا نساء نعيش في مجتمع ذكوريّ، تطغى عليه منظومات مجتمعيّة بطريركيّة، فيها سلطة الرّجل هي الغالبة.
طبعا هناك تحدّيات وصعوبات تواجه المرأة العربيّة عمومًا مقارنة مع الرّجل في ظلّ مجتمع أبويّ يرجّح كفّة الميزان للرّجل ويعطيه كلّ الإمتيازات في الحيّز العامّ والخاصّ، فكيف بالحريّ إن كانت المرأة كاتبة أو شاعرة أو كلاهما معًا.
لذا ليس من العجب أن نرى أنّه على مرّ العصور منذ بداية حمل المرأة للقلم رافقتها ممنوعات كثيرة أوّلها العادات والتّقاليد فنجد نساء كثيرات كتبن بأسماء مستعارة ونشرن إبداعاتهنّ بأسماء مستعارة، أو حتّى بأسماء رجال.
ثمّ خرقت النّساء هذا الحاجز إلى حدّ كبير لتخرج المرأة معبّرة عن كينونتها كلّها، ومع ذلك بقيت هناك تحفّظات مجتمعيّة من مواضيع قد تتطرّق إليها المرأة الكاتبة خصوصًا، منها خلخلة تابو الجسد والتّعبير عن نفسها وعن حرّيّتها وعن حقّها على جسدها. والحديث عن مشاعرها وبالأخصّ مشاعر الحبّ والعشق.
وقد تصل هذه التّحفّظات إلى منع عامّ يمكن أن يصل إلى منع رسميّ يؤدّي إلى عدم نشر أو توزيع العمل الإبداعيّ.
مع ذلك فإنّ المرأة برغم كلّ الصّعوبات نجحت في أن توصل إبداعها في العالم كلّه ولا يخفى علينا أسماء نساء لمعت نصوصهنّ عربيّا وأجنبيًّا.
ومن جهة أخرى هناك تحدّيات وصعوبات أخرى تواجه الشّاعرات الفلسطينيّات والشّعراء عمومًا/ الكتّاب كصعوبات في النّشر والتّكلفة المادّيّة وتسويق الكتب، بالإضافة إلى عدم دعم المؤسّسات المحلّيّة، ممّا يضطرّ الشّاعر/ة للسّفر إلى الدّول العربيّة لطبع كتبه ونشرها، وأيضّا من أجل خرق حاجز الجغرافيا والسّياسة.
ولا يفوتني أنّ هناك تحدِّ آخر قد يواجه المبدع والمبدعة، واتحدّث هنا عن الحقيقيّ، هو منع كتابه/ا دون ذكر سبب واضح أو حتّى ذكر السّبب هو أمر يحيل إلى مشهد كوميديّ ساخر.
كيف لنا أن نمنع تلك الرّئة الأخرى للتّنفس والحياة من ممارسة وجودها وحياتها، تلك الرّئة هي إبداعنا.
من هنا فإنّ أزمة الكاتب عمومًا ليست أزمة فرد/افراد، بمعنى أنّني لا أتحدّث عن هذا الموضوع فقط لأنّ أحد كتبي قد منعته الرّقابة الأردنيّة، وهو كتاب “أصابع” الصّادر عن المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنشر 2006، وقد نشرتم مقاطع منه في موقعكم الكريم “سريه كانيه”. بلّْ لأنّ المنع هو المنع الشّامل الّذي كما نعرف بأنّه يصل إلى كلّ مجال إبداعيّ وثقافيّ وحياتيّ/ فيه تحطيم خصوصيّة الآخر وحريّته.
يعني وأتساءل عن أنّ هناك كتبًا من عيون أدبنا العربيّ القديم أيضًا يمارس عليها الحذف والتّشويه، بحجّة أنّها تكسر واحدًا أو أكثر من التّابوهات الثّلاثة: الدّين، السّياسة، الجسد.
أصلاً كيف لنا أن نبدع/ أن نخلق/ أن نكتشف/ أن نبحث أوّلا في مجاهل أنفسنا ونستغورها ونحن نقيّدها بقوانين!
تصوّر أنّك تكتب بقوانين مفروضة عليك! أنا أؤمن أن قوانين الكاتب هي فقط قناعاته نفسه.
13: إلى أيّة درجة أنتِ حرّة في صورك النّصّيّة؟
هنا يخطرني سؤال عن معنى ان اكون شاعر/ة، كان قد طرح عليّ في حوار صحافيّ أدبيّ، وأذكر أننّي قلت وكتبت:
أن تكون شاعرًا وشاعرةً يعني أن تتلمّس دربك في الطّرق الجبليّة الوعرة، القابعة في سحاب الأرض، دون مساومة.
أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تغوص في الأعماق البحريّة لتخلخل رمليّتها المهتاجة.
أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن ترى حجر الجحيم في الحَفرِ في روحك.. أن تنكشف في ذاتك على ذاتك، أن تنطلق منها في لا وعيك إلى وعيك.
أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تخرج من الأنا الفرديّ لتكون في الذّات الإنسانيّة الّتي لا تنفصل عن كونها جزءًا من الطّبيعة.. فالشّاعر والشّاعرة الحقيقيّان هما جزء من البحر والوردة، من الهواء والشّجرة، هما جزء من كلّ الكينونة العامّة.
أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن لا تنفصل عن واقع شعبك وهمومه، وعن آماله وأحلامه وأن تواصل الكشف بهدف المزيد من المعرفة وليس الإبتذال.
أن تكون شاعرًا وشاعرة يعني أن تكون طليعيّا، أن تكون تجريبيّا، أن تكون قادرًا على زلزلة داخلك أوّلا، أن تكون فراشةً ونسرًا وذئبًا..
وأن تعمل لأن تكون رئة الحرّيّة الإضافيّة خلال حركة الزّمن وسيرورته وصيرورته، لذا من المهمّ تطوير الأدوات والتّجربة الإنسانيّة.
وأنا حاليًّا أكتب دون الخوض في مسألة مسمّى النّصّ، علينا أن نبني أو بالأحرى أحاول أن أبني نمطًا جديدًا من الكتابة يخصّني ويميّزني مبنيّ على مقاس وعيي الجماليّ ككاتبة وقلقي الوجوديّ غير المنفصل عن جسد الكينونة العامّة وروحها وعلى خلخلة جميلة باشتغال لا تلغي الجماليّة الموجودة، فقد أكتب نصًّا لا يبدو شعرًا، لكنّ روحه شعر ويحمل إيقاعه وموسيقاه، هي مرحلة التّجريب، وأقتبس هنا مقولة محمود درويش: “إنّ شقاء التّجديد المتعثِّر أَفضل من سعادة التّقليد المتحجّر”..
14: بصراحة مطلقة ما رأيك بالنّصوص الأدبيّة المكتوبة باللغة العربيّة لبعض الأدباء الكرد
خاصّة مع وجود أقلام مهمّة تنافس بلغتها الأدبيّة العالية أقوى الأدباء العرب دون ذكر أسمائهم
هل تعتقدين أنّ هذا الأمر هو إثراء للأدب العربيّ أم ماذا؟
بالتّأكيد هو إثراء للغة العربيّة وأدبها.. طبعًا هناك الكثير من النّصوص الّتي تلفتني بشكل شخصيّ لأدباء أكراد يكتبون باللغة العربيّة مع اشتغال مثير للإهتمام ومستوقف إيّاك عند هذه اللغة والتّركيبة الجماليّة والمنزاحة الّتي تستحقّ الإلتفات والدّراسة. بالإضافة إلى تناول الغريب في اللغة وتناوله في تركيبة الجملة لتضيف إثراء آخر عليها. لن أخوض في الأسماء.. لكن أقول بأنّ العمل الجادّ بأيّ لغة كان هو الأساس وهو الباقي. والإبداع سيمتاز أكثر ويعلو أفقه حين ينكتب نصوصًا تضاهي نصوص كتّاب يكتبونها بلغتهم الأمّ بالشّكل والمعنى. وذلك سيكون محفّزًا لمزيد من الإشتغال والإجتهاد وشحذ المخيّلة والتّخييل.

وأكيدة أنا أنّ لموقع سريه كانيه أن يكشفني على أسماء كتّاب وكاتبات أكراد أتقاسم معهم ومعهنّ القلق الدّائم لهاجس الكتابة.
وهذه دعوة منّي لأن تمرّ أنامل كلّ مهتمّ ومهتمّة لدخول نافذتي في هذا العالم الإفتراضيّ عبر موقعي www.mona.ws
15: منى ظاهر هذه مساحة لك تتوجّهين بها إلى القراء وجيل الشّباب الّذين تستهويهم قراءة الشّعر:

أقول للقرّاء عمومًا أنّه علينا دائما أن نتخيّل، لأنّني أومن بالمقولة الّتي تقول: لن تلمسَ سوى الأشياء الّتي استطعتَ تخيّلها. لذا نستطيع أن نكون كلّنا على أرض واحدة فقط إن تخيّلنا ذلك. وما أودّ أن أضيفه أنّ الأجمل سيكون ذاك الّذي لم أكتبه/نكتبه بعد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيان سيرة:
منى ظاهر
شاعرة وكاتبة فلسطينيّة من النّاصرة الجليليّة

تنشر إنتاجها الأدبيّ في العديد من الدّوريّات والمواقع الأدبيّة الثّقافيّة، صدر لها:
1) شهريار العصر، مجموعة شعريّة ( 1997، النّاصرة).
2) ليلكيّات، مجموعة شعريّة ( 2001، النّاصرة).
3) طعم التّفّاح، مجموعة شعريّة (2003، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، سلسلة كتابات جديدة، القاهرة- مصر).
4) حكايات جدّتي موفادّت، نصوص (2003، دار العالم الثّالث، سلسلة الأدب الفلسطينيّ، القاهرة- مصر).
5) أصابع، نصوص (فبراير 2006، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت- لبنان).
6) خميل كسَلها الصّباحيّ- خزفيّة نصّيّة لرفسة غزال، نصوص (ماثل للطّباعة عن دار أزمنة- عمّان 2008).

* دعيت وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات شعريّة وأدبيّة محلّيّة، عربيّة وعالميّة:
– معرض القاهرة الدّولي للكتاب الخامس والثّلاثين بدعوة رسميّة من الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، في الفترة من 23 يناير إلى 7 فبراير 2003.
– مهرجان “تيرانوفا”- مهرجان شعر دوليّ متنقّل في شمال فرنسا (2005) وعام (2006)، ومثّلت صوت المرأة الفلسطينيّة في أراضي 1948.
– مهرجان الشّعر الدّوليّ (2005) الّذي تنظّمه جامعة حيفا برعاية قسم اللّغة الفرنسيّة وآدابها، والمركز لبحث الشّعر الفرانكفونيّ في جامعة حيفا. ومثّلت هناك نموذج المرأة الشّاعرة الفلسطينيّة الّتي تعيش في المجتمع الإسرائيليّ، تحدّثت عن ظاهرة الشّعر الغنائّيّ وشعرها كنموذج لذلك.
– أمسية “أرغول” عرافة وقراءات من قصائد الشّاعر أحمد فؤاد نجم وأغاني الشّيخ إمام عيسى، أداء كورال النّيروز بقيادة الفنّان فوزي السّعديّ- المهباج (أكتوبر، 2006).
– مهرجان “نيسان” العالميّ للشّعر- المغار (2004، 2005، 2006، 2007، 2008).
– ورشة للكتّاب والرّسامين العرب لكتابة كتب لفئة الشّباب (جيل 13-19/20) في القاهرة، عن مؤسّسة المورد الثّقافيّ (2007).
* دعيت وشاركت في ندوة في المنتدى الثّقافيّ للواء الكورة في قرية دير أبي سعيد في شمال الأردن وافتتحت الموسم الثّقافيّ للقاءات المنتدى بتاريخ 4/5/2008.
* حاصلة على جائزة التّفرّغ الأدبيّ للعام 2007.
* تمّ وضع إصداراتها الأدبيّة في قسم الأدب في مكتبة معهد العالم العربيّ في باريس- فرنسا، ليتسنّى للقرّاء الإطّلاع على إنتاجها هناك.
* لها قصائد مترجَمة للّغات: العبريّة، الإنجليزيّة، الفرنسيّة، الإسبانيّة.
* من مؤسّسي جمعيّة السّباط للحفاظ على التّراث الفلسطينيّ.
* عضوة إدارة في جمعيّة تنمية ورعاية الموسيقى العربيّة في البلاد.
* عضوة إدارة في جمعيّة أصدقاء الأطفال العرب- مجلّة الحياة للأطفال والحياة للعصافير.
* عضوة في تجمّع الأدباء والكتّاب الفلسطينيّين.
* عضوة في “حركة شعراء العالم”.
* عضوة في مركز الإعلاميّات العربيّات.

– أنجزت بحثُا بعنوان: صورة المرأة في الخطاب الإعلاميّ الفلسطينيّ المكتوب في إسرائيل: قراءة من منظور النّوع الإجتماعيّ. ضمن مشروع البحث والتّدريب للنّساء الفلسطينيّات والّتي انتدِبت إليه من مركز الطّفولة- النّاصرة، صدر في كانون الأوّل- ديسمبر 2006، بدعم من مؤسّسة العمل التّربويّ-لندن.

تعمل محرّرة ومدقّقة لغويّة ومركّزة الحقيبة الإعلاميّة في مركز الطّفولة في النّاصرة.
نورد فيما يلي مقاطع من “خميلُ كَسَلِها الصّباحيّ”- خزفيّة نصّيّة لرفسة غزال



منى ظاهر

*ذئبُ الحافّةآتٍ*

يَثِبُ الذّئبُ متابعًا الشّريطَ الّذي يَنِزُّ من كاحِلَيْها، ليضحى اللاشيء قادرًا على الحياةِ.. إمرأةُ الثّلاثين تلكَ الّتي تربِطُهُ بحُمرتِهِ، تتسكّعُ عندَ الحافّةِ.. ويتَعَقّبُها..
.. عندَ سَكَراتِ الموتِ بعدما يُدَمْدِمُ الرّجُلُ لأنّهُ لم يطَأ تلكَ الحافّةَ، ينزَلِقُ من دَعْسِ خطواتها إلى حيثُ احتراقِ الرّائحَةِ.
شبيهُ الرّيح يعلن أنّه لم يجئ في أوان الوقتِ..
. .
إنْسِرابُ عَسَلِ اللُبنى يَهْرِقُ العَياءَ في قواريرِه الّتي تملأُ المكانَ فَتتشَبَّعُ مساحاتُها بترَنُّحِ الرَّاحَةِ.
. .
عَرَقُها المُتَحَرِّكُ بعِطْرِ جَسَدِها البدئيِّ المُنْقَذِفِ إلى الخَميرَةِ المطبوخَةِ فيهِ هو الرّجُلُ، تلكَ العَجينَةُ الصّلْصالَةُ مِنَ الخَمائِرِ المحتالَةُ المُسْبلَةُ في حَفْرِيّاتِ انشطاراتِ جَسَدِهِ/ روحِه، تَشِمُهُ بوشومِ ظبيةٍ لا ترومُ تتغشَّاهُ بكتابَةِ نقاطٍ ذئبيَّةٍ/ مستئذِبَةٍ، تَحْجمُ عنهُ عُمرَ الزّمانِ، ليتجلّى مِنْ كُوَّةٍ لا فَناءَ فيها.. لذا يكونُ يضحى لا عمرَ له.
.. وُشُومُها شاهِدَةُ تَجلِّيه.
* * *
على بُعْدِ هاويتينِ، عندَ شجرةِ كستناء باسقةٍ- يستشرِسُ ذاكَ الذّئبُ من نظرةٍ مستَفْحِلَةٍ مخاتِلَةٍ تطلُّ من شرقِ القمَر.

أنامُ على ثَمالَةِ صَحْوِهِ، ذاكَ المشتبِكُ فِيَّ، هو أوّلُ الاشتعالِ وآخِرُ الرّمادِ.

إحساسٌ ضارٍ ينشَطِرُ لهُ الجَسَدُ من ريحِهِ العاتِيَةِ، الّتي تلْهِبُ الغرفَةَ، تلكَ الّتي تُتَمْتِمُ بِظِلالِ اليومِ وهسهساتِ غُرْبَتِنا.
إنفلاتُ اشتياقِنا يُشْعِلُ الأبديَّةَ.. وتغدو الخرائطُ لصيقَةً متناهية.
* * *
مِنْ عَلٍ، حيثُ تناديهِ الفقماتُ طويلاتُ الشّاربِ:”أوروكَ.. أوروكَ”[1].. ذاكَ الطّفلُ من الرّجُلِ الّذي كانَ غدا وحيدًَا والمرأةِ الّتي يبحثُ طفلها عن جِلْدِها الفقمة، هناكَ حيثُ الشّواطئ الفضّيّة كَرْكَرَاتٌ من شفاهٍ هي تجلّيات سيقانٍ طويلةٍ رفيعة مطهّمة بخلاخيل ملوّنةٍ.. هي رقصات على دِفء نغماتِ نبراتِ الوهمِ العاشق..
.. مِِن على صخرةٍ مرقّطةٍ في البحرِ هناكَ، أطلّت وقالت: تعلّمتُ أن لا أُصَدِّقَ شفاهَ آدم.
تقلَّبَتْ عندها موازينُ دورَتهِ الدّمويّة بانفعالٍ مائيٍّ مُتَّقِد، أجابَها: نعم، لا تُصَدِّقي اشتياقي، ولا أنّي أموتُ حتّى ألقاكِ.. ولا تُصَدِّقي أنّ العيونَ فِيَّ، ترياقُها نظرة في اتّساعِ عينيكِ! لا تُصَدِّقي كلَّ هذا، لا تُصَدِّقيني.. صَدِّقي أن لا تُصَدِّقي.
.. يجدُ بعدها الطّفلُ جِلدَ أمّه.
. . .
يتحجَّرُ الرّجُلُ مكانَهُ، كما لو أنَّهُ رأى رأسَ ميدوسّا/ الجورجونة..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جملة من وحي أسطورة المرأة الفقمة.[1]


يقوِّضُهُ الزّمانُ.. وَيَحْتَدِمُ عِطْرُ النّاردينِ فيهِ ويَهْصِرُهُ، حينَ تنْقَشِعُ فَوْرَةُ المياهِ عنْ أرخبيلِ الجَسَدِ العاجيِّ، كما لو أنّهُ امتِشاقٌ في تمثالِ النّحاتِ بيجماليون[2] .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حسب الأسطورة الرّومانيّة، بيجماليون نحَتَ تمثالاً عاجيًّا لامرأة وأحبّها. تضرّعَ للإلهةِ فينوس، وقت أعيادها الّتي تقام في أنحاء قبرص، بأن تمنحه امرأة كالعذراءِ العاجيّة.. نفخت فينوس في التّمثال لتغدو بشرًا.. وشاركتهما فرحَة زواجهما. [2]

لوركا بيراني