الرئيسية » مقالات » هل تستجيب بنود الاتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية الحلقات 1-3

هل تستجيب بنود الاتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية الحلقات 1-3

الحلقة الأولى

تعم الشارع العراقي في هذه الأيام إشاعات كثيرة حول بنود وشروط اتفاقية طويلة الأمد يراد لها أن تعقد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية والتي يفترض أن تشتمل , كما ورد في إعلان المبادئ بين المالكي وبوش , على الجوانب السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم البلدين إضافة إلى الجانب الثقافي بشكل غير مباشر. وتصب جميع تلك الإشاعات باتجاه سلبي يؤكد مسألة واحدة هي : أن شروط الاتفاقية المطروحة للتفاوض ليست في صالح العراق , وأنها , إن وقعت , ستلحق أفدح الأضرار بالاستقلال والسيادة الوطنية , كما ستكون سبباً لتفاقم المشكلات بين الشعبين ومع شعوب وحكومات الدول المجاورة. وزاد في تعقيد هذه اللوحة تلك الشروط التي تسربت بتعمد أو بغير تعمد على شكل إشاعات نشرتها بعض الأوساط السياسية , إضافة إلى ما يمارسه الإعلام الإيراني وولي الفقيه علي خامنئي في التصدي لأي اتفاقية يمكن أن تعقد بين العراق وإيران , على اعتبار أنها ستكون في كل الأحوال موجهة ضد إيران بسبب الموقف الضعيف للحكومة العراقية أمام الإدارة الأمريكية , وبسبب كون العراق دولة محتلة لا يمكن لحكامها رفض ما تريده الإدارة الأمريكية وبسبب اعتبار إيران دولة مارقة من جانب الإدارة الأمريكية. كما تشن القو القومية الشوفينية , التي وقفت إلى جانب النظام الصدامي ودافعت عن وجوده وعن حروبه وجرائمه , حملة تهويشية مماثلة هدفها تعطيل حركة الدولة العراقية وإبقاء العراق تحت الفصل السابع الذي يقيد إمكانيات العراق وانطلاقه في علاقاته مع العالم.
وانقسم الشارع العراقي إزاء الموقف من الاتفاقية المقترحة إلى ثلاث جبهات:
– الأولى تدعو إلى التريث بأمل الاطلاع على بنود الاتفاقية أو المقترحات الأمريكية من جهة , والمقترحات العراقية من جهة أخرى , قبل الحكم على الاتفاقية أو اتخاذ موقف بشأنها , إضافة إلى أن عقد اتفاقية مع الولايات المتحدة لا يشكل ضرراً بحد ذاته , بل يفترض معرفة بنودها.
– والثانية تدعو إلى رفض عقد أي اتفاقية مع الولايات المتحدة , لأنها ستشكل قيداً ثقيلاً على العراق وتسمم العلاقات مع الجيران وتطعن الاستقلال والسيادة العراقية بالصميم.
– والثالثة تدعو إلى عقد اتفاقية طويلة الأمد لحماية العراق من الأرهاب الدموي الذي تعرض له الشعب العراقي طوال السنوات الخمس المنصرمة وما يزال حتى الآن يعاني منه , ولأنها السبيل الوحيد لإنقاذ العراق من التدخل الفظ للدول المجاورة بشئونه الداخلية والتي تريد بكل ثمن الهيمنة التامة على مقدرات العراق ونشر الظلامية فيه. ولا ترى في بعض الشروط التي تدعو لها الإدارة الأمريكية ضيراً أو تلحق ضرراً بالعراق في عالم معولم ومفتوح.
ولا شك في أن هذه التوجهات وجدت مرجعيتها في مواقف الأحزاب والقوى والتحالفات السياسية العراقية القائمة , إذ احتدم النقاش بينها على صفحات الصحف وفي القنوات التلفزيونية والتصريحات المتبادلة , وكذلك في ردود فعل الحكومة العراقية. كما أدخل الملكي المرجعية الدينية الشيعية في هذا المعمعان وتجلى في ما صرح به عبد العزيز الحكيم نقلاً عن السيد علي السيستاني. وإزاء هذا الاختلاف الطبيعي في الموقف من قضية كبيرة مثل عقد اتفاقية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكية , يراد لها إخراج العراق من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ووإقامة علاقات سياسية استراتيجية مع الولايات المتحدة تمتد لعشر أو عشرين سنةً قادمةً , لا بد من بلورة موقف عراقي مشترك أو موحد إزاء بنود هذه الاتفاقية والأسس التي يفترض أن تستند إليها. ومثل هذا الموقف يتطلب منّا دراسة ما يمكن أن تتضمنه الاتفاقية باتجاهات ثلاثة , وهي :
أولاً : الناحية السياسية والأمنية والعسكرية.
ثانياً : الناحية الاقتصادية – الاجتماعية.
ثالثاً : ناحية العلاقة بدول الجوار بشكل خاص ومع بقية دول العالم.
حين نستمع إلى الرأي العام العراقي بشكل عام ونمعن التفكير بموقفه , سنجد أن غالبيته تقف إلى جانب الا لتزام بالمبادئ التالية التي تنظم هذه الاتفاقية , وهي:
1. أن يسترد العراق استقلاله وسيادته الوطنية وأن لا يثُلمان ثانية.
2. أن تصان المصالح الوطنية السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية العراقية.
3. أن تسود الشفافية في طرح مشاريع الاتفاقية أو النقاش حولها وتأمين استشارة قانونية دولية بشأنها.
4. أن يتم التصويت عليها في مجلس النواب , إضافة إلى استفتاء الشعب عليها باعتبارها مسألة استراتيجية ذات أمد بعيد وتمس مصالح الشعب العراقي والولايات المتحدة في آن واحد.
5. أن لا تسمح بالتدخل أو التعرض أو إلحاق الضرر بأي دولة مجاورة للعراق.
6. وأن تكرس العلاقات السياسية الإيجابية والمصالح المتبادلة مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن تستند إلى مبادئ الأمم المتحدة في العلاقات الدولية وأن تساعد العراق على النهوض من كبونه الشديدة وواقعه المأساوي الراهن والوصول إلى مستويات أفضل , وأن تُخرج العراق من الفصل السابع.
إن إعلان المبادئ السابق بين الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية من جهة , وما تسرب من شروط , يشاع أن الطرف الأمريكي قد طرحها على الطرف العراقي المفاوض , من جهة أخرى , لا تستند إلى تلك الأسس التي يفترض أن تلتقي عندها الاتفاقية , بل فيها مس مباشر بالاستقلال والسيادة العراقية. وأتمنى أن لا تكون صحيحة لأنها ليست قاسية فحسب , بل وسيئة أيضاً , مثل الأشراف على وزارتي الدفاع والداخلية لعشر سنوات من جانب الولايات المتحدة قابلة للتمديد , وحق القوات الأمريكية باعتقال أي شخص عراقي دون العودة إلى الحكومة أو القضاء العراقي , وخضوع القوات الأمريكية لدستور وقوانين الولايات المتحدة وليس القضاء العراقي , وطلب 15 مليار دولارا أمريكيا سنوياً من الحكومة العراقية باعتبارها نفقات سنوية تصرف على القوات الأمريكية التي يراد لها أن تحمي العراق , وإقامة 14 قاعدة عسكرية في العراق , إضافة إلي عدد كبير من المعسكرات للقوات الأمريكية في العراق , ثم الأشراف على المجال الجوى للعراق …الخ. وقد صرح الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية السيد الدكتور علي الدباغ بأن العراق يرفض أي بند يمس الاستقلال والسيادة الوطنية أو يسمح بالتدخل بالشئون الداخلية للدول المجاورة. كما صرح بذلك رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية. وهو أمر إيجابي دون أدنى شك. ولكن هل يمكن الركون إلى ذلك , أم يفترض دراسة الموقف من مختلف جوانبه والخروج باستنتاجات تساعد الطرف العراقي في تحقيق اتفاقية منصفة وتساعد العراق على التقدم واستقلال قراراته؟ تقول الحكمة الدولية : الثقة جيدة ولكن الرقابة أجود , وخاصة الرقابة الشعبية والدستورية.
كلنا يعرف بعض الحقائق المهمة القائمة على الأرض العراقية التي تؤثر بدورها على الموقفين العراقي والأمريكي في آن , وهي أوراق يمكن اللعب بها من الطرفين. فعلى الطرف العراقي تسجل الملاحظات التالية :
• ضعف الدولة العراقية ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية.
• ضعف الحكومة العراقية وغياب وحدة الموقف واستمرار الصراعات التي تدور في ما بين قواها واستمرار انعدام الثقة بين أطرافها , رغم ما يشاع من تحسن في علاقاتها.
• وجود القوات الأمريكية باعتبارها قوات محتلة على الأرض العراقية وتحكمها حتى الآن بالكثير من الأمور ودورها في مكافحة الإرهاب وحاجة الحكومة العراقية إلى تلك القوات , وخاصة الأمريكية منها.
• وجود قوى الإرهاب والمليشيات الطائفية المسلحة وقدرتها على استعادة نشاطها بفعل التخلخل الداخلي والمشكلات التي يعاني منها المجتمع , إضافة إلى الصراع الطائفي والمشكلات المعلقة بين الدولة الاتحادية والإقليم بشأن العديد من القضايا والتي يمكن أن تكون ورقة مهمة بأيدي القوات الأمريكية , ومنها قضية كركوك أو عقود النفط.
• ضعف الثقة المتبادلة في ما بين الأحزاب والقوى والتحالفات السياسية العراقية , أو في ما بين الشعب من جهة , والحكومة والقوى السياسية العراقية من جهة أخرى.
• العلاقات المتوترة مع الدول المجاورة والتدخل الفظ من جانبها في الشئون العراقية , وخاصة من جانب إيران وسوريا والسعودية ومن قوى قومية وإسلامية متطرفة ومتحالفة في ما بينها.
• ضعف الطرف العراقي المفاوض أو ميل العديد منهم للتساهل مع الشروط الأمريكية وتباين وجهات نظره ومواقفه وتصادم رغباته زاء الاتفاقية ومضامينها. وعلينا أن ندرك بأن خبرة الطرف الأمريكي في التفاوض كبيرة وله تجارب كثيرة في هذا الصدد ويتحرك من مواقع القوة في التفاوض مع العراق المبتلى ببعض الجيران الذي لا يريد الخير له.
• غياب الشفافية من جانب الطرفين وعدم اطلاع الشعب العراقي على ما يدور خلف الكواليس مما يزيد من ضعف الموقف الحكومي إزاء موقف الطرف الأمريكي.

وفي الجانب الأمريكي يمكن تسجسل الملاحظات التالية:
• الرغبة الجامحة لدى الإدارة الأمريكية في التوقيع على اتفاقية مع العراق خلال الفترة الراهنة وقبل بدء الانتخابات الأمريكية وأحراز مكاسب مهمة لصالح الولايات المتحدة في العراق ولصالح الحزب الجمهوري في صراعه مع الحزب الديمقراطي.
• المصاعب التي واجهتها ولا تزال تواجهها القوات الأمريكية في العراق وتجليات ذلك في ضعف الموقف الدولي للولايات المتحدة في إيران ولبنان وسوريا وعموم الشرق الأوسط.
• الضغوط الداخلية المتعاظمة على الإدارة الأمريكية , وخاصة جورج بوش , من جانب الشعب الأمريكي أو من قبل مجلسي النواب والشيوخ , أو من الحزب الديمقراطي , وخاصة في فترة التحضير لانتخابات الرئاسة القادمة , ومن قبل أجهزة الإعلام.
• عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن إيجاد حلول عادلة للمشكلة الفلسطينية وما يتسبب به الموقف المؤيد كلية لإسرائيل من تداعيات لدى الرأي العام العراقي والعربي والإقليمي وتفاقم الكراهية للولايات المتحدة.
• الوضع الدولي غير المناسب للولايات المتحدة , سواء أكان ذلك على صعيد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أم على صعيد الرأي العام الإقليمي والدولي.
• رفض المجتمع الدولي لوجود القوات الأمريكية في العراق والمطالبة بانسحابها وعدم عقد اتفاقية مخلة بالاستقلال والسيادة العراقية. وهو يستند إلى موقفه الأول الذي رفض الحرب ضد النظام العراقي في ربيع العام 2003.
• وعلينا أن نشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد من هذه الاتفاقية أن تزيل مخاوفها من احتمال ولوج روسيا والصين واليابان وكذلك الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر في المنطقة وفي العراق ودول الخليج , وبالتالي تعتبر مثل هذه الاتفاقية ضمانة وحماية لمصالحها من المنافسة الدولية في العراق ومنطقة الشرق الأوسط.
• ويبقى الهاجس الكبير للولايات المتحدة يتمثل في السياسة الإيرانية , إذ أن القيادة الإيرانية تسعى بشكل محموم إلى امتلاك السلاح النووي وتهديدها المباشر للدول العربية وإسرائيل في آن واحد , وخاصة دول الخليج , ورغبتها في الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. وهي مسألة تتعارض مع دور الولايات المتحدة في المنطقة والتزامها المطلق بحماية إسرائيل ومصالحهما المشتركة , كما أنها تتعارض مع مصالح الدول العربية.
• ويشكل هاجس النفط الخام العراقي والنفط في منطقة الخليج وعموم الشرق الأوسط دوراً كبيراً في ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية من عقد اتفاقية طويلة مع العراق التي تساهم , كما ترى , في إبعاد المنافسة لها في نفط الشرق الأوسط.
إن هذا الواقع بالنسبة للطرفين يشتمل , كما يلاحظ المتتبع , على جوانب إيجابية وأخرى سلبية بالنسبة لكل طرف مفاوض , وبالتالي يمكن أن تخضع الاتفاقية المطلوبة لمساومة كبيرة تعتمد على فترة عقدها وعلى مدى تلاحم الموقف العراقي ومدى قدرته على فهم اللعبة الدولية ومدى تمتعه بالمرونة والحركية المطلوبة وعلى التغيرات النسبية في التكتيكات السياسية للإدارة الأمريكية الجديدة التي تعقب الانتخابات القادمة.
ليس ضيراً أن يعقد العراق اتفاقية متوسطة المدى أو حتى طويلة الأمد مع الولايات المتحدة أو مع غيرها من الدول الكبرى , بل يمكن أن نشير إلى ضرورة عقدها وأهميتها للعراق في المرحلة الراهنة وفي المستقبل , ولكن المسألة لا تكمن هنا , رغم وجود من يرفضها أصلاً , بل تكمن أساساً في مضامين هذه الاتفاقية وهو ما سنعالجه في الحلقة الثانية من هذا المقال.
بغداد في 9/6/2008 كاظم حبيب


كاظم حبيب

هل تستجيب بنود الاتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية
لمبدأ الحصول على الاستقلال والسيادة الوطنية في العراق؟
الحلقة الثانية

أشرت في نهاية الحلقة الأولى إلى أنه ليس ضيراً أن يعقد العراق اتفاقية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة الأمريكة , بل هي ذات فائدة من عدة وجوه. ولكن الإشكالية لا تكمن في ضرورة عقدها , بل في مضامينها وتأثيراتها على اتجاهات تطور العراق وعلى العلاقات العراقية العربية والعراقية الإيرانية , خاصة ونحن نعيش تدخلاً فظاً ومريعاً من جانب علي خامنئي , ولي الفقيه في إيران , وحديثه المضاد للإتفاقية حتى أمام رئيس وزراء العراق دون أن يعير للبرتوكول الدولي أي اهتمام واحترام , وتأثيرات هذا الحديث على من يمنح قراره لموقف ولاية الفقيه في العراق.
يفترض أن يعتبر وجود القوات الأمريكية في العراق حالة موقتة فرضتها ظروف ما بعد الحرب وسقوط النظام الاستبدادي , وأن عليها أن تغادر العراق في فترة غير بعيدة ترتبط بوجود قواعد لها ينتهي وجودها بانتهاء تلك الفترة التي يمكن أن تستمر لخمس سنوات وليس لعشر أو عشرين عاماً. كما يفترض أن ترفع الولايات المتحدة الأمريكية يدها عن وزارة الدفاع ووزارة الداخلية ووزارة الأمن الوطني ما دامت الوجهة تسير باتجاه التخلص من وجود القوى الطائفية السياسية في تلك الوزارات واستبدالها بعناصر تؤمن بالوطن والمواطنة وليس بالهوية الطائفية. كما يفترض أن تكون القواعد العسكرية المزمع إقامتها لفترة خمس سنوات مثلاً في إقليم كردستان وعلى الحدود العراقية الإيرانية والحدود العراقية التركية وفي الجنوب على الحدود بين العراق وإيران , إضافة الى الحدود العراقية السورية , إذ تشكل هذه المناطق خطراً مستمراً لتسرب الإرهابيين والمخربين والأسلحة والأموال للعصابات الإسلامية السياسية المختلفة ولقوى البعث الصدامية التي يقودها عزة الدوري وعصابات الجريمة المنظمة.
ليس من واجب الحكومة العراقية دفع نفقات القوات الأمريكية في العراق , فوجود هذه القوات في العراق ليس فقط لحماية العراق من القوى الإرهابية أو ضد تدخل الدول المجاورة , بل وكذلك لتنفيذ جزء من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة , وخاصة الرقابة على تحركات القوات الإيرانية أو النشاط المعادي لإسرائيل في المنطقة , إضافة إلى كونها تشكل جزءاً من حزام عسكري حول روسيا الاتحادية يستكمل في افغانستان وبعض جمهوريات آسيا الوسطى التي عقدت اتفاقيات عسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية. كما لا بد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد من وجودها في العراق منع المنافسين الآخرين من ولوج العراق والمنطقة عموماً , وخاصة دول الاتحاد الأوروبي واليابان والصين وروسيا , وكذلك الاستفادة من وجودها ومن الاتفاقية هي الرقابة على اقتصاد النفط الخام وإبقائه تحت الإشراف المباشر أو غير المباشر للإدارة الأمريكية ولشركاتها العملاقة , وكذلك التأثير على وجهة التطور الاقتصادي في العراق.
ليس من السهل فرض القانون العراقي على وجود القوات الأمريكية في العراق , إذ أن الولايات المتحدة رفضت الدخول في المحكمة الجنائية الدولية لهذا السبب , ولكن من الممكن تحديد حركة القوات الأمريكية خلال فترة وجودها في العراق لمنع حصول مخالفات ضد السكان أو القوانين العراقية. ولا يجوز بأي حال من الأحوال ترك المجال الجوي العراقي تحت إشراف الولايات المتحدة , بل يفترض أن يمارسه العراق حال توفر الإمكانيات لممارسة هذا الدور. كما لا يجوز بأي حال اعتقال أي عراقي من جانب القوات الأمريكية , بل يفترض أن تخضع لموافقة ورقابة الحكومة العراقية.
لا شك في ضرورة استمرار بناء القوات العراقية , الجيش والشرطة والأمن الداخلي , بمساعدة الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية المتقدمة لأهمية ذلك في إبعاد الأجواء الدينية والمذهبية عن فرض هوياتها في صفوف هذه القوات , بل نشر وتكريس وترسيخ روح الوطن والمواطنة في وعيها وسلوكها وممارساتها اليومية.
إن الحد من دور الولايات المتحدة في العملية الأمنية والعسكرية لصالح القوات العراقية يفترض أن يتجلى في تقليص دور الإدارة الأمريكة السياسي في العراق لصالح المزيد من الحرية لرئاسات الدولة والحكومة ومجلس النواب , رغم الاختلالات التي تعيشها هذه المستويات , وخاصة مجلس الوزراء ومجلس النواب. فالوصول إلى اتفاق سياسي بين أطراف الحركة السياسية العراقية لصالح المصالحة السياسية بين الأطراف العراقية وحل المعضلات المعلقة بآليات ديمقراطية وسلمية سيسمح بنشوء أجواء جديدة في العراق تسمح ليس بسيادة القانون والعمل السياسي المنظم حسب , بل وتسمح بإقامة علاقات إيجابية وطيبة على مستوى الإقليم والعالم , وهو مانفتقده حالياً بسبب وجود القوات الأمريكية في العراق وتأثيرها على السياسة العراقية. إلا أن هذا التوجه يتطلب توقف الدول المجاورة عن التدخل الفظ وغير المنقطع بالشأن العراقي , وهو ما نعيشه من جانب إيران وسوريا وإلى حدود واضحة أيضاً من جانب تركيا والسعودية , وبشكل مبطن من بعض قوى دول الجوار الخليجية. ويمكن أن تكون السنوات القادمة أكثر هدوءاً من السابق. ولكن علينا أن نتوقع وفي كل لحظة احتمال عودة قوى الإرهاب الإسلامية السياسية المتطرفة وقوى البعث الصدامية وعصابات الجريمة المنظمة إلى نشاطها الإرهابي والعدواني ضد الشعب العراقي , رغم الضربات التي تلقتها في البصرة والموصل ومدينة الثورة وفي مناطق أخرى من العراق. إن النشاط الإرهابي يستهم في إبقاء القوات الأنبية في العراق فترة أطول ولا يسهل مهمة عقد اتفاقية أكثر قدرة على تحقيق مصالح العراق. ولهذا يفترض أن لا تهدأ الحكومة العراقية عن مراقبة هذه القوى ومتابعتها , وخاصة تلك التي توجهت لها ضربات أو المرشحة لمثل هذه الضربات بسبب امتلاكها لاحتياطي مسلح كبير دخل في إطار الحمايات الخاصة لقوى بعض الأحزاب السياسية , وخاصة الإسلامية منها.

كاظم حبيب

هل تستجيب بنود الاتفاقية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية
لمبدأ الحصول على الاستقلال والسيادة الوطنية في العراق؟
الحلقة الثالثة والأخيرة
وعلى الصعيد الاقتصادي تبنى إعلان النوايا أو المبادئ بين جورج بوش ونوري المالكي , الذي صدر في شهر كانون الأول / ديسمبر من العام 2007, أفكاراً تمس الاقتصاد العراقي وتدعو إلى التزام مبدأ اللبرالية الجديدة في العمليات الاقتصادية , كما أنها تمس بشكل خاص الموقف من القطاع الخاص وقطاع الدولة وقضايا النفط الخام وجملة من المسائل الاقتصادية الأخرى التي برزت بشكل مبطن وليس بالوضوح الذي يثير المشكلات.
إن اختيار الاقتصاد الحر (اللبرالية الاقتصادية) لا يعني التزام طريق واحد لا غير , كما يلاحظ اليوم , خاصة وأن لهذه الوجهة دعاة كبار يحتلون مواقع أساسية وموجهة ونافذة في الحكم الراهن في العراق ككل. إذ أن اللبرالية يمكن أن تسير باتجاهات مختلفة وفق طبيعة ومستوى التطور والقضايا المباشرة التي ترتبط بواقع العراق الراهن وحاجاته. والولايات المتحدة تسعى , ومعها من يلتزم بخطها ويدعم دورها في العراق , إضافة إلى مؤسستي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي , إلى فرض ثلاثة اتجاهات أساسية في الاقتصاد العراقي, وهي:
• التخلي عن دور الدولة الكامل في النشاط الاقتصادي العراقي وترك المجال كاملاً للقطاع الخاص المحلي والأجنبي. وبسبب ضعف القطاع الخاص المحلي سيكون الباب مفتوحاً أمام القطاع الخاص الأجنبي بعد أن تهدأ الحالة الأمنية.
• التخلي الفعلي عن عملية التصنيع التحويلي والتحديث الضروري للزراعة العراقية , وبالتالي الاعتماد على إيرادات النفط الخام في الحصول على الموارد المالية وإنفاقها في السوق الرأسمالي العالمي من خلال الاتجاه الثالث.
• الاعتماد الكامل على الاستيراد وممارسة سياسة الباب المفتوح أمام الشركات التجارية الأجنبية.
وهذه الوجهة في النشاط الاقتصادي تعني , شاء البعض أم أبى , حصول العواقب التالية:
1. اختلال شديد في العملية الاقتصادية العراقية , إذ أن عملية إعادة الإنتاج لا تحصل في الاقتصاد العراقي , أي في الداخل , بل تتكامل مع الاقتصاد الأجنبي , وبالتالي تمنع عن العراق جملة من الضرورات الاقتصادية التي تستوجبها عملية التنمية وبناء اقتصاد عراقي مترابط عضوياًُ ومستقل نسبياً وقادراً على مواجهة الأزمات المحتملة كتلك التي واجهها عبر السنوات الماضية.
2. إن هذا يعني بأن الاقتصاد العراقي يبقى تابعاً كلية ومرتبطاً عضوياً بالنفط الخام وبالتجارة الخارجية أي الاستيراد , الذي يستنزف كامل الدخل القومي المتحقق عبر اقتصاد النفط ولا يحقق أي تراكم داخلي أو إغناء الثروة الوطنية العراقية بفروع وقطاعات إنتاجية أخرى. وسيكون الاقتصاد العراقي ممراً لدخول موارد النفط المالية وخروجها عبر الاستيراد , أي أنه جيب مثقوب يخرج منه ما يدخل فيه ويعود إلى اقصاديات الدول الرأسمالية المستوردة للنفط الخام والمصدرة للسلع والخدمات للعراق.
3. وهذا يعني بقاء الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً واستهلاكياً لا غير , وهي لعمري أسوأ ما يمكن أن يحصل لأي اقتصاد في العالم.
4. وفي ضوء ذلك سيصعب على الاقتصاد العراقي امتصاص الزيادات السكانية في سوق العمل. ففي الوقت الذي سيوفر قطاع النفط الخام والخدمات فرص عمل قليلة بسبب التقنيات المتطورة التي سوف تستخدم في هذين القطاعين , سيعجز القطاع الصناعي التحويلي والزراعة المحلية عن توفير فرص عمل جديدة. ومن هنا سوف يزداد عدد العاطلين عن العمل , وتجبر الحكومة على زيادة الوظيف في أجهزة الدولة المتضخمة أصلاً لتنمو البطالة المقنعة وتستنزف الدخل القومي.
5. إن العراق بحاجة ماسة إلى القطاع الخاص المحلي والإقليمي والأجنبي , ولكنه بحاجة أيضاً إلى القطاع الحكومي في مجالات كثيرة , منها قطاع استخراج وتصدير النفط الخام ومشتقات النفط والصناعات البتروكيماوية وغيرها , كما أن العراق بحاجة إلى دور هذا القطاع في توسيع وتطوير وتحديث البنية التحتية , وخاصة مشاريع الطاقة والطرق والجسور والخزانات المائية أو السدود والماء والنقل والمواصلات و,خاصة السكك الحديد والطيران والاتصالات الحديثة وما إلى ذلك. كما يمكن أن يهتم قطاع الدولة بمجالات غير مربحة ولكنها ضرورية للاقتصاد العراقي بسبب واقع الفقر الذي يحيط بالناس حالياً ولسنوات قادمة.
6. إن إيرادات النفط الخام الحكومية يفترض أن توظف لصالح التنمية والتطوير الاقتصادي وليس لأغراض ثانوية لا تساهم في تعجيل التنمية وتوفير الأساسيات للمجتمع. ومن هنا يفترض توجيه موارد الدولة صوب عملية التنمية , وهي النسبة الأكبر , وصوب ميزانية الدولة الاعتيادية , وهي النسبة الأصغر , وكلاهما سيساهم في تنمية الثروة الوطنية والدخل القومي ويحسن من مستوى حياة ومعيشة المنتجين والعاملين في قطاع الخدمات.
7. إن إهمال الزراعة , كما يلاحظ اليوم بشكل صارخ , واعتماد العراق كله على استيراد السلع الزراعية , حتى الكراث والكرفس والبصل والثوم واللحوم …الخ , بنسبة تتراوح بين 80-90 % من حاجة السوق المحلية سوف تدمر الاقتصاد الزراعي وسوف تنقل بقية الفلاحين , وخاصة الشباب منهم , إلى المدن وستعرض الأمن الغذائي للعراق إلى مخاطر جمة وتجعل منه قابلاًً للابتزاز والأزمات والاختناقات الكبيرة. إن العالم كله يمر اليوم وفي المستقبل بشكل أشد وأعظم , بأزمة غذائية كبيرة لا بد للعراق أن يبدأ بإمعان النظر فيها منذ الآن بعد أن تأخر طويلاً بحكم سياسات النظام المقبور. وعلينا أن لا نواصل هذه السياسة , كما يبدو ذلك واضحاً على صعيدي العراق وكردستان العراق في آن واحد.
من هنا لا بد للعراق أن يهتم بعدم الرضوخ للضغوطات المتزايدة من تلك الجهات التي أشرت إليها ولا لأولئك الذين يجدون في اللبرالية الجديدة والمتطرفة خير دواء للاقتصاد العراقي والعمل على دفعه صوب اقتصاد السوق الحر المطلق (أو “الرأسمالية النقية”) الذي لا يهتم بالجانب الاجتماعي وبالإنسان العراقي الذي عانى الأمرين خلال العقود الخمسة المنصرمة , بل لا بد من انتهاج سياسة اقتصاد السوق الاجتماعية , التي تحدثت عن فوائدها في مقالات سابقة , في هذه المرحلة وللسنوات العشر أو العشرين القادمة.
إن ما يراد لنا في الجانب الاقتصادي يثير قلقاً كبيراً في صفوف الناس والفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة , وأن السياسة الاقتصادية للحكومة الراهنة حتى الآن لا تبشر بالخير في هذا الجانب , وعلى المجتمع أن يتحرك سلمياً وديمقراطياً لإجبار الحكومة على ممارسة سياسة اقتصادية جديدة بعيدة عن السياسة التي تمارسها اللجنة الاقتصادية ذات النهج اللبرالي الجديد والمتطرف في العراق. إنها إساءة كبيرة لمستقبل الاقتصاد العراقي ودوره في حياة المجتمع , وأملي أن يتحرك الاقتصاديون للكشف عن عورات الحالة الراهنة وما يراد للعراق في الجانب الاقتصادي أيضاً.
ليس من مصلحة العراق أن نمنح الدول المجاورة مشاريع اقتصادية خدمية كبيرة بأمل سكوتها عن مشاريعنا السياسية والأمنية , ومنها الاتفاقية العراقية الأمريكية , وهو ما يحصل مع كل من تركيا عموماً وإيران حالياً وخاصة تلك السياسة التي تبلورت في نهجي الجعفري قبل ذاك والمالكي حالياً وبعد زيارته الأخيرة إلى إيران , بل يفترض أن نمعن النظر في ما نريد أقامته في العراق بعيداً عن مثل هذا التفضيل الذي يمكن أن يكون على حساب النوعية والتدخل غير المباشر في الشأن العراقي.

بغداد في 11/6/2008 كاظم حبيب