الرئيسية » مقالات » كريم الوالي .. راهب في دير اللون

كريم الوالي .. راهب في دير اللون

هبط فيها منذ دهر .. تسلق هضباتها وساح في جلدها هائما .. خلقها اولا وقرر النزول فيها حيث يحاول بث روح التمرد في خيول ذاكرته المجنحة لتنطلق في تضاريسها الملتهبة .. اللوحة او قل هي معتكف الفنان الوحيد حيث لاهوادة في امتصاص نشاط الرأس المكتض بحقائق غائمة ..كريم الوالي يرسم عشقه ليزداد ضياعا فيه وليكون حضوره واللوحة واحدا..فكليهما يلبس بعضه وكأنهما ولدا معا هناك على ضفة الفرات المنسية في كوفتها العتيقة ..في ازقة مهيأة بعناد لاصطياد الخيال وزجه في غيابة اللوحة وعلى شفة الورق
اوبين مسارب الاحلام الهاربة من الموت .. كان قد ارتكب جريمة الغياب في عوالم الوانه تاركا لنا تتبع فضائاته بعيون مترصدة ..غيابة ما الذها حين تطل علينا باشكال الوالي المعجونة بعروق يديه رمادا تحته جمر التجربة المزدحمة بالوجوه .. بالاسماء..ببلد كان كالضوء الخاطف في منافي الغائبين …اللوحة عند كريم الوالي وطن معبأ في الاكريلك المتقلب كوجه سماوات الشتاء او هو كجدار كوفي مسه ابا الطيب المتنبي فحنت عليه اكتاف كوفية خجلى داهمتها العيون في صباح اول امس ..او سقف لرأس غرفة امتصت كل اخيلة عشاقها لتمزجها مع دخان السجائر والغزل والحروب .. ومتى ما لمست بعينيك جدار لوحاته تيقنت من ان اسرارك باتت مكتوبة باللون الغائم على غيابة كريم الوالي او على كوفته بفراتها المزدري تحاول ربط جسر من الالوان الى سواحل كاليفورنيا علها توجد معنى لتواصل الانين …لتواصل المستقبل الملون بقتامة ماض خبأ بين غيومه شموسا وشعرا ومناديل لعذروات الفرات .. خبأ نحيبا خافتا كانه غناء الملائكة وهو يودع صواني الشمع بين نهود امواج الفضة في فرات الثلاثاء ..كريم الوالي شاعر اللوحة وبانيها ..وله الحق في ان يغيب فيها كل الدهر لان غيابته تكون حضورا ابداعيا يعمر متعة المشاهدة بتساؤلات التكنيك وحرفة التعامل مع اللون .. كنت شاهدا على مسيرة هذا الفنان المتالق منذ ان هم باللوحة وهمت به .. ومنذ ان كان يغازل حقب التاريخ اللوني في ازقة الكوفة او جمجمة العالم او رحم المتنبي لافرق انها الكوفة وكان عندي ان لافرق بين الفرات وكريم الوالي اذا ما قررت الذهاب مشيا اليها .. وكان غائبا في لوحته مذ عرفته حتى كانت غيابته سمة الابداع لديه وتوحده الذي يخرجه الينا طليقا مثل صباحات العيد .. احسه وهو يحاول تجميع اعصابه ليفرشها عصبا عصبا على وجه اللوحة ثم يرش رماد اللون من خلال اصابع يديه ومسامات جلده ليرى انه قد ذاب كليا واستحال الى ندوب وتضاريس في غيابته المعدة باتقان.. عوالمه يحرثها حرثا على خد لوحته البكر فتصير الوانا لاتجدها إلا لديه احسه قد اختزن كل ما درسه في بغداد وشاهده في مسيرة خروجه حتى استقراره في كاليفورنيا ليمزجه تجريبا وخلقا حتى تكون اللوحة مغلفة بالالام الطلق اللذيذ .. وعندما يفرغ منها تكون وليدا ناضجا بلغ من العمر مابلغه الوالي نفسه ..تجربة جديرة بقراءات اكاديمية اكثر حيادية من قراءتي هذه لانني لم استطع انفكاكا من معرفتي بعوالم كريم الوالي وبصدق تجربته الفنية ..ولكني احاول ان اترك للمشاهد الولوج الى لوحة الوالي متأخذا من كلماتي سرا قررت ان ابوح به للمتلقي حتى يعرف سر النضج في بناءها .. ربما تساعده على فهم منحدر الفنان ومنطلقاته ..كريم الوالي الذي قرر الاقتران بعوالم مشغله الى الابد جدير بان يكون في صفوة الفنانين الذين اخلصوا لفنهم واخلصوا لتجربتهم وسكنوا ذاكرة العراق الابداعية الى الابد .