الرئيسية » مقالات » ذكرى هزيمة لم نتعلم منها شيئاً

ذكرى هزيمة لم نتعلم منها شيئاً


-1-


مرّت قبل أيام (5/6/2008) الذكرى الحادية والأربعون لهزيمة الخامس من حزيران 1967 والتي اخترع لها جهابذة الإعلام الناصري المضلل في ذلك الوقت، وعلى رأسهم حسنين هيكل صفة تخفيفية، ورشّها بعطر إعلامي رخيص (كمن يرشُّ على الموت سُكَّراً) كما يقال، وأطلق عليها صفة “النكسة” – وهي صفة فيها النون والكاف والسين وكلها أحرف مُحببة ومريحة للقاريء العربي- لهزيمة كبرى منكرة، لا يقدر عليها غير الحواة، ومُرقّصي القردة، والمشعوذين. ولو كانت دولة عربية غير مصر، هي صاحبة تلك الهزيمة العسكرية، وكان قائدها غير عبد الناصر، هو الذي هُزم أمام إسرائيل، لأطلق عليها الإعلام المصري وسادنه الأكبر هيكل، في ذلك الوقت: “الهزيمة الكبرى”، أو “الهزيمة المنكرة”. والتسمية الهيكلية (النكسة، والمصريون يسخرون من تسمية هيكل، ويطلقون على الهزيمة “الوكسة”) للهزيمة الكبرى 1967 ، راقت لكثير من المثقفين والمعلقين السياسيين القوميين والناصريين، وأرضت غرورهم، وداوت جرحهم النرجسي بالعظمة الدائمة، فاستطابوها، واستعملوها في كل تعليقاتهم بدلاً من تلك السكين الحامية والحادة: “الهزيمة الكبرى”، أو ” الهزيمة المنكرة”.


 


-2-


لا أريد في هذا المقال، أن أدعو القارئ إلى المزيد من الحزن والبكاء واللطم في هذه الذكرى الحزينة، وأنا أعلم أن القارئ العربي يبكي ويلطم كل يوم، على المآسي العربية المنتشرة حوله، وعلى الحرائق المشتعلة في فلسطين ولبنان والعراق وغيرها. ولكني أريد في هذا المقال أن أشرح، كيف أن العرب، بعد واحد وأربعين عاماً من الهزيمة المنكرة، لم يتعلموا منها درساً واحدا مفيداً، لهم وللأجيال القادمة. وأن العرب ما زالوا حتى الآن يكررون الأخطاء نفسها التي أدت إلى هزيمة 1967. ولو كان لإسرائيل ذلك الشبق السياسي والجغرافي السابق قبل 1967، في دولة من الفرات إلى النيل، لاستطاعت أن تتوسع في دولتها أكثر فأكثر على حساب الأرض العربية التي تبدو (وكالة بلا بواب)، يستطيع أي غازٍ معتدٍ أن يسرق وينهب منها ما يشاء. فلقد سُرقت منا المدينتين المغربيتين (سبتة ومليلة) من قبل البرتغال ثم اسبانيا، قبل خمسة قرون وما زالتا في يد المغتصب، وسُرق منا لواء الإسكندرون السوري عام 1939 من قبل تركيا، وسُرقت منا فلسطين عام 1947 من قبل الصهيونية العالمية، وسُرقت منا جزر إماراتية ثلاث (طمب الكبرى، وطمب الصغرى، وأبو موسى) عام 1971 من قبل إيران. وكل هذا ونحن نتفرج. نحزن، نبكي، نلطم، نندد، نهدد، نشجب، نشكو.. الخ. ثم نطلق على هزائمنا الكبيرة “نكسات” لنرتاح، ونهدأ، ويطيب لنا العيش.


 


-3-


وكان بودنا في هذا المقال، أن نذكر ما تعلمناه من هزيمة 1967  التي قادتها الديكتاتورية الناصرية آنذاك. ولكننا في واقع الأمر لم نتعلم شيئاً يُذكر لكي نذكره. فالأولى بنا في هذه الذكرى أن نذكر ما لم نتعلّمه، علّنا في مقتبل الأيام نتعلم من هذه الهزيمة ما فاتنا طوال الحادي والأربعين عاماً المنصرمة. فنحن طوال هذه الأعوام لم نتعلم ما يجب أن تعلّمه، وهذه أمثلة منه:


 


1-              لم نتعلم أن الحروب التي تهتف بها الغوغاء في الميادين العامة، وتقررها حناجر الجماهير الغفيرة في المناسبات، هي حروب خاسرة. لأن قرار الحرب والسلام من عمل النُخب المتخصصة بصناعة القرار السياسي، وليس من حناجر الجماهير، وخاصة الجماهير العربية التي تتمتع بنسبة عامة تتراوح بين 30-60 % من الأميين الأبجديين فقط، إضافة إلى الأميين الثقافيين. فهل تصنع هذه الأمية قرار الحرب؟ ولكن هكذا كان!


2-              لم نتعلم من هزيمة 1967 ، أن قرار الحرب والسلام ليس قراراً فردياً وليس حلم ليلة صيف. فقد كانت حرب 1967 قرار الزعيم الديكتاتور عبد الناصر الذي لم يكن يعلم شيئاً عن استعدادات جيشه وتجهيزاته. وخاض غمار حرب 1967 وكأنه ذاهب إلى غزوة قبلية، يمكن له أن يربحها من خلال الأغاني والأناشيد الحماسية والشعارات العاطفية.


3-           لم نتعلم من هزيمة 1967 ، أن المجتمع الحر والمواطنين الأحرار هم الذين يكسبون الحروب. أما الفرد المستعبد والمواطنون العبيد فلا يمكن لهم أن يكسبوا حرباً. لذا، فقد كانت كل الحروب الداخلية والخارجية التي دخلنا غمارها بعد 1967 كانت خاسرة. وما زلنا حتى الآن نخطط لحروب داخلية وخارجية يخوضها العبيد المستعبدين. فهل يلامُ الشيخ الراحل متولي الشعراوي، عندما صلى ركعتين في الجزائر شكراً لله على هزيمة 1967 كما روي عنه؟


4-              لم نتعلم أن الديكتاتورية الخاسرة عندما تقود حروباً على الآخر، لا بد لها أن تكون خاسرة. ولنا أمثلة من النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية، وحرب الجنرال الديكتاتور فرانكو ضد الجمهوريين الأسبان (1936- 1939)، وحرب صدام حسين ضد إيران (1980- 1988) وغيرها.


5-              لم نتعلم كيف نحاسب القائد الديكتاتور المتهور في قراراته، والأعمى في أحكامه، والمهزوم في حروبه. بل على العكس من ذلك، فقد مجّدنا الحكام الديكتاتوريين بعد الهزيمة أكثر مما مجّدناهم قبل الهزيمة. وديكتاتور كصدام حسين – مثالاً لا حصراً – بويع في آخر انتخابات جرت في العراق بالدم، وبنسبة تفوق المائة بالمائة، وكان ذلك مدعاة سخرية وهُزء المراقبين والمعلقين في كل أنحاء العالم.


6-              لم نتعلم أن وجود إسرائيل كتهديد على حدودنا، لا يمنعنا من القيام بالإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي. ولم نتعلم أن صوت الإصلاح يعلو فوق صوت المعركة. وظلت الزعامات العربية تشغلنا وتخيفنا بـ “الضبع الإسرائيلي” طيلة أربعين عاماً، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، تحاشياً للقيام بأي إصلاح. وفيما كانت إسرائيل تحارب، وتنتصر، وتتقدم في الوقت ذاته، في مختلف مجالات الإصلاح المتاحة لها، كنا نحن نحارب، وننهزم، ونتقهقر، في الوقت ذاته، في مختلف مجالات الإصلاح. فكنا كالمنْبَت، لا ظهراً أبقينا، ولا أرضاً قطعنا.


7-              لقد أجمع معظم المحللين السياسيين أن الأسباب الرئيسة لهزيمة 1967 كان الفساد المالي والسياسي والإداري. فهل تعلّمنا من ذلك، وتمّ القضاء على هذا الفساد، أو حتى تم الحدّ منه بعد مضي واحد وأربعين عاماً على الهزيمة؟ وهل نحن على استعداد لتلقي هزيمة جديدة؟ سوف يقول قائل من، أننا انتصرنا بعد ذلك في حرب اكتوبر1973، وفي عام 2000 عندما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، وفي 2006 في حرب “حزب الله” مع إسرائيل، فلماذا كل هذا التشاؤم والسوداوية؟ وهنا نطرح السؤال التالي:


 هل استردت مصر أرضها المحتلة في سيناء بالحرب، أو بمعاهدة كامب ديفيد للسلام؟ وهل انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000 لتعهد قطعه باراك على نفسه لناخبيه بالانسحاب من جنوب لبنان لكي يكسب الانتخابات الرئاسية في عام  2000 أم لا ، فيما عدَّه حزب الله انتصاراً له؟


وهل خسارة لبنان 15 مليار دولار في حرب 2006، وأكثر من ثلاثة آلاف بيت مهدم، ومئات القتلى من المدنيين، في حين لم يستطع حزب الله أن يتقدم شبراً واحداً داخل حدود إسرائيل، تُعدُّ نصراً لحزب الله؟


يبدو أننا بالتأكيد، لم نتعلم بعد.