الرئيسية » مقالات » كو- رد- سموبوليتيا – واقعاً وتاريخاً –

كو- رد- سموبوليتيا – واقعاً وتاريخاً –

كو-رد- سموبوليتيا.. أو عدمية الشخصية الكوردية هو عنوان للواقع الكوردي الذي نعيشه حاضراً – وخاصةً في غرب كوردستان – أكثر مما يمكن أن يكون عنواناً لمقالٍ نكتبه في صفحات الأنترنت والجرائد. فكيف يستقيم الأمر هذا ومعروفٌ عن الكورد الشجاعة والبسالة، بل أن تسميتنا بـ(الكورد) من قبل كزينفون والذي قاد الحملة اليونانية في تقهقرها إلى بلادها بعد مقتل قائدها الحربي منذ أكثر من ألفي عام، وذلك بعد أن لاقى ما لاقى على أيدي الفرسان الكورد الجبليين من بسالة وشجاعة نادرتين، فكان إطلاق الصفة – حيث الكورد أو الكورت وتعني في اللغة اليونانية الشجاع والباسل والبطل أو الفارس إجمالاً– على الموصوف كأسم علمٍ له – قديماً وما زال – قيمةً معنوية كبيرة لدى الشعب الكوردي عموماً ومحل اعتزاز وفخار للأبناء بأنهم أحفاد أولئك الأبطال، ولكن.. ما الذي جعلت الآية تنقلب بنا وتظهر لنا ظهر المجن لنرى الشخصية الكوردية في التاريخ الحديث بأضعف صورها؛ بحيث تبدو هلامية رخوة وهي في أحسن الأحوال انهزامية مكسورة.

بالتأكيد هناك مجموعة عوامل وأسباب وظروف؛ بحيث ذهبت بنا (بالشخصية الكوردية) من حالٍ إلى حال وفي مقدمتها وعلى رأسها، حالة الاستلاب والاغتصاب والاستبداد والقمع – للبشر والحجر (الجغرافية) – وإنكار الوجود والهوية الكوردية وعلى مر عقودٍ وعقود ومن قبل كل السلطات والحكومات التي اغتصبت – وما تزال – الجغرافية الكوردستانية بتاريخها وناسها وثقافتها وتراثها من تقاليد وأعراف وقيم أخلاقية وفلسفية. وبالتالي ونتيجةً لتلك الأجواء والمناخات السياسية تم القضاء ومحو الكثير من الخصائص والملامح التاريخية في سيكولوجية الشخصية الكوردية لتعيد إنتاج شخصية مهزوزة ومقهورة ومغلوبة على أمرها بعيداً عن الملامح الأصيلة والأصلية لشخصيتها التاريخية أو ما يمكن تسميتها بـ(ظل الشخصية الكوردية). وهنا نتذكر نصاً إبداعياً للكاتب السوري الراحل محمد ماغوط يحاول من خلاله تسليط الضوء على الواقع العربي عامةً والسوري على وجه التحديد وما آلت إليه حياة المواطن من جبناً وخوفاً جراء حالة القمع والإذلال التي تمارسها الأجهزة الأمنية بحق مواطني بلدها؛ بحيث بات الواحد منا (يمشي من الحيط للحيط ويقول يا رب السترة). وهكذا ومن خلال الكوميديا السوداء والتي تجعل من بطل النص؛ (عبد الرحمن الداخل – صقر قريش)، والذي يخرجه من بطون التاريخ ويعيده إلى الحياة وبعد أن يمضي بعض الساعات في إحدى الأقبية الأمنية، إنساناً جباناً رعديداً يخاف من ظله.

وهكذا هي الحال والمآل بالنسبة لنا نحن الكورد؛ حيث أن المثال السابق يلخص الواقع المرير لأبناء شعبنا الكوردي وما عانوه ويعانونه خلال الأحقاب الماضية والحالية من تسلط الأجهزة الأمنية القمعية على حياتهم وتدخلهم في جزيئيات واقعهم اليومي؛ بحيث يجد المرء نفسه محاصراً من كل الجهات، ناهيك عن الحرمان من كافة الحقوق المدنية الإنسانية. أما الجانب القومي بالنسبة لأبناء الشعب الكوردي في غرب كوردستان فتلك قضية أخرى وواقعٌ (فريد) واستثنائي حتى بالنسبة لبقية إخوتهم في الأجزاء الأخرى؛ حيث الحرمان من كافة الحقوق القومية الديمقراطية من سياسية وثقافية واجتماعية وأيضاً الاقتصادية، بل عدم الاعتراف بالوجود والهوية والثقافة الكوردية، فما زال الدستور السوري – وإن هو معطلٌ الآن بفعل قانون الطوارئ والأحكام العرفية – يدعي بأن سوريا جزء من الوطن العربي ومن يعش على أرضٍ عربية فهو عربي وهكذا فليس هناك غير العرب في سوريا بحكم الدستور.

في ظل هذه الأجواء كان وما زال يرزح الشعب الكوردي في غرب كوردستان؛ ظل أجواء الخوف والرعب من الأجهزة الأمنية وقمعها وسجونها وزنازينها وجلاوزتها مما خلق واقعاً مأسوياً حتى على المستوى النفسي السيكولوجي للإنسان السوري عموماً والكوردي خصوصاً؛ كونه يعاني من حال غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان ومنع الحريات السياسية والتعبيرية من منع أي نشاط صحفي حقيقي أو عمل نقابي وسياسي من خلال منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية وها هم كوكبة من مناضلي الحركة الوطنية الديمقراطية السورية من معتقلي (ربيع دمشق) و (إعلان دمشق) وغيرهم من معتقلي الرأي والضمير ومنذ سنوات يرزحون في السجون والكثر منهم دون محاكمات أو من خلال محاكمات صورية عسكرية وبأحكامٍ جاهزة، هذه من جهة، ويشترك كل المواطنين السوريين بها ويعانون منها. ولكن بالنسبة للكورد فإن المأساة والمعاناة تتضاعف؛ كونهم وإضافةً إلى معاناتهم، مع كل الطيف السوري، من الواقع الأمني القمعي الغير إنساني فإنهم يعانون أكثر من الجانب القومي والممارسات والسياسات العنصرية الشوفينية للنظام بخصوص الوجود القومي والقضية القومية للشعب الكوردي في هذا الإقليم.

واستتباعاً لحالة القمع والتسلط ونتيجةً لها فقد ساهمت وتساهم مجموعة عوامل مساعدة في حالة التشظي والضعف التي تعاني منها الحالة والشخصية الكوردية؛ حيث الفقر والبطالة وأمراض اجتماعية جمة وخاصةً بين الجيل الشاب في سوريا عامةً وغرب كوردستان تحديداً وضمن أجندة سياسية مبرمجة ومدروسة من قبل دوائر خاصة وبفكر سياسي – أيديولوجي مسبق وتطبيقاً لمشروع (محمد طلب هلال) وذلك على غرار المستوطنات الإسرائيلية – كما هو نفسه يؤكد على ذلك في مشروعه الذي قدمه للسلطات السورية في بداية الستينات من القرن الماضي – وبحيث يتم تغيير ديموغرافي في إقليم (غرب كوردستان) لصالح القومية السائدة (العربية). وكذلك ومن خلال إحياء المشروع القديم – الجديد، (مشروع طلب هلال) بحرمان المناطق الكوردية من أي مشاريع حكومية إستراتيجية، إن كانت اقتصادية أو تعليمية؛ حيث ومن خلال استطلاعات ميدانية لمناطق الإقليم يمكن لأي مهتم ومتتبع للقضية الآنفة الذكر أن يلاحظ خلو المنطقة من أي مشروع حيوي تنموي – ما عدا مشروع سد ميدانكي الإروائي ومؤخراً – مع العلم أن المنطقة بحاجة إلى العشرات من المشاريع الكبيرة والإستراتيجية وهناك كل الشروط والإمكانيات المتوفرة لقيام تلك المشاريع من المادة الأولية (الخام) وكذلك اليد العاملة المتوفرة؛ حيث مئات الآلاف من الكورد الذين هجروا الإقليم بحثاً عن فرص العمل في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق ناهيك عن الذين اغتربوا في المهجر والشتات. وإلى جانب هذه السياسة المتبعة من حيث الاقتصاد والإفقار فإن سياسات النظام في الجوانب الحياتية الأخرى ليس بأفضل منها؛ إن كان من ناحية التعليم حيث كل المناطق الكوردية محرومة من الجامعات على رغم عدد الطلاب الكورد الكبير في جامعات حلب والحسكة ودمشق واللاذقية وغيرها من المدن.

وهكذا ونتيجةً لاجتماع أسباب وظروف عدة ضاغطة على الإنسان الكوردي ومنذ أزمنة وأحقابٍ مديدة؛ من حرمانٍ من كافة الحقوق القومية والديمقراطية، بل تجريد البعض من الحقوق المدنية والمواطنية مثل التجريد من الجنسية وسلبه الأرض التي توارثها أباً عن جد وذلك وفق مشروعين عنصريين (الإحصاء والحزام) بالإضافة إلى القمع والإرهاب الممارس بحقه فقط كونه كوردياً لا غير. وكذلك الحرمان من الثقافة والتعليم والكوادر العلمية المتخصصة بالإضافة إلى الفقر والتجويع والمساهمة في زيادة الأمراض الاجتماعية والأخلاقية وكذلك تشجيع الفكر السلفي الغريب عن المجتمع الكوردي وذلك من خلال (فقهاء الظلام) لأن يلعبوا أدواراً جد سلبية والسماح لهم بفتح بؤر وأوكار لزرع أفكار التطرف والمغالاة في رؤوس الجيل الناشئ مثلما رأينا في العام الماضي في منطقة عفرين والدور الذي لعبه مفتي المنطقة تحت يافطة كتاتيب تعليم القرآن والسنة. وبالتالي فإن هذه العوامل مجتمعة ساهمت وتساهم في رسم هذه الملامح الجديدة للشخصية الكوردية لتكون شخصية الظل والملحق والتابع ليتم القضاء عليها فيما بعد بكل يسرٍ وسهولة. وهذه – برأينا – تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه الحركة الوطنية الكوردية؛ وذلك بأن تقوم بدورها لإعادة الملامح الحقيقية للشخصية الكوردية، فهل هي قادرة على ذلك؟ نترك الجواب في عهدة الأحزاب والمستقبل. مع العلم أن أحزابنا ومن خلال مفاهيم مغلوطة، قراءةً وتأويلاً، مثل مسألة احترام شخصية القائد بأن كرسنا لحالة عبودية الفرد ولم نفسح الخيار أمامه لأن يكون إنساناً خلاقاً مبدعاً، وهكذا فكيف يمكن للعبد – في حزبه – أن يكون مناضلاً أمام سلطةً تملك من الإمكانيات والطاقات والكوادر والوسائل و.. ما يفوق حزبه وتنظيمه بآلاف المرات، فالذي بعبدٍ هنا سيكون عبداً هناك، والذي يقول هنا (ezbenî) سيقول هناك سيدي. وهذه ليست دعوة لأن لا نحترم (الكبير) قائداً، أباً، أم.. أي شخصية اعتبارية ولكن أن لا نجعل من أنفسنا عبيداً وغلماناً في قبيلة هذا (السيد) أو ذاك، أو حزبه وأخيراً دولته بحيث نكون (يكون) “الجميع في فلكه يسبحون” وبأمره يسجدون.

المهجر – 2008