الرئيسية » مقالات » تداعيات العمر (2)

تداعيات العمر (2)

ملاحظات توضيحية

هذه المقطوعات الأدبية، بعثها لي الصديق الدكتور عزيز الحاج قبل أشهر، وكان قد كتبها على فترات متباعدة ومناسبات مختلفة أثارت فيه مشاعر متباينة عبَّر عنها تارة بالنثر وأخرى بالشعر. وعند إرسالها طلب مني مراجعتها، ونشرها على حلقات في الوقت المناسب كما أرتئيه. وبما أنه لم يكن أي منا على عجلة في نشرها، فقد بقيت هذه الخواطر لديَّ مدة إلى أن شعرت أن قد حان الوقت لنشرها، خاصة وإن الدكتور عزيز الحاج قد تعدّا الثمانين من العمر، والأعمار بيد الله، وهو يعاني الآن من أوضاع صحية صعبة، حيث يتلقى العلاج في باريس، وربما توقفه حالته الصحية هذه عن مواصلة الكتابة لا سمح الله، كما أخبرني.
وأسأل هل اهتمت بأوضاع الحاج الجهات والتنظيمات، المفروض بها ذلك؟!

أتمنى للصديق الحاج الشفاء العاجل وعمراً مديداً، لمواصلة عطائه الفكري المتجدد دوماً، وبما يتمتع به من تجارب نضالية مريرة لأكثر من ستين عاماً قضاها في النضال الثوري، ودخل السجون في العهدين الملكي والجمهوري البعثي، ثم عاش فترة طويلة في الغربة وإلى الآن. ورغم انتمائه الثوري اليساري السابق، ورغم دخوله الشيخوخة، إلا إن الحاج استطاع أن يجدد فكره ويتغلب على ماضيه الأيديولوجي ويخرج من شرنقته، ويتحول من الفكر الثوري اليساري المعادي للغرب، إلى الفكر الديمقراطي الليبرالي المؤيد للغرب. وفي جميع هذه المواقف، اليسارية السابقة، والديمقراطية الليبرالية الحالية، كان هدف الحاج واحداً لم يتغير، ألا وهو تحقيق حلم الإنسان الأبدي الباحث عن العدالة الاجتماعية والتقدم.
أرجو أن تكون هذه المقاطع الأدبية، وكما تمنى لها الكاتب، ذات نفع ومتعة للقراء الكرام. كما وأتمنى للصديق الحاج الشفاء العاجل والعمر المديد لمواصلة نضاله الفكري لخدمة شعبنا العراقي والإنسانية جمعاء.
عبدالخالق حسين
في 6/6/2008

مشاعر وخواطر عام 2007

مع كل عام جديد من عمري، تتداعى الذكريات، وتنهمر العواطف والخواطر، يزاحم بعضها بعضا.
في أيلول من 2007 دخلت مرحلة الواحد والثمانين، دون أن أشعر بما يسرني عراقيا، أو يبهجني عائليا، سوى كون من بقي من الأهل والأقارب والأصدقاء لا يزالون على قيد الحياة، وسوى بصيص أمل في أن يسترد العراق عافيته، وسلامة أبنائه، وقدرته على السير إلى أمام في مسيرة البشرية الصاعدة.
بمناسبة كل عام جديد من العمر تعودت كتابة تداعيات الحدث، وقد تجمع عندي كثير منها، ونشر منها البعض.

في كل عام، تأتيني ذكريات الطفولة، والصبا، وأوائل الشباب، في بغداد التي عرفتها في تلك العهود، بغداد العهود الملكية، والعام الأول من ثورة 14 تموز، مع الوالدين، والجدة، والشقيقات، والأشقاء، وأولاد العم، والأصدقاء، وثم زملاء الكفاح بعد ذاك. معظمهم قد رحلوا عنا، ومنهم من ذهبوا شهداء.

لقد سجلت كثيرا من تلك الصفحات في كتابي “بغداد ذلك الزمان” الصادر سنة 1999، عندما كانت بغدادي التي عرفتها أرض التعايش والأخوة بين القوميات والأديان والمذاهب، برغم السياسات والإجراءات التمييزية لعدد من الحكومات.

لم تكن في بغداد أحياء مقفلة للشيعة أو السنة كما وصلت بنا الحالة اليوم، ولم يتردد مسلمون شيعة من زواج السنيات والعكس كذلك، ولم يكن محرما صداقة مسيحي، أو يهودي، أو صابئي، أو أيزيدي، بل كان أول رئيس لجامعة بغداد هو عبد الجبار عبد الله من الصائبة، وذلك في عهد الزعيم الراحل عبد الكريم. لم يكن الحجاب مفروضا على المرأة، بل كنا في الكلية نتعلم مع الطالبات سوية وجميعهن سافرات، ونقوم بالسفرات سوية دون أن تداهمنا بالقوة عصابات المتطرفين الإسلاميين من صدريين ومليشيات أخرى. كانت الفنون مزدهرة، وكان هناك العشرات من كبار الفنانين في مختلف الفروع، وشعراء مبدعون، ومفكرون بوزن علي الوردي. فماذا لدينا اليوم في العراق غير المحرمات: الموسيقى، الغناء، السفور، التفكير العلماني، لباس الرياضة، وعشرات من المحرمات الأخرى؟

في هذا العام تردني ذكريات شغفي بالموسيقى والأدب ، وسماعي المقطوعات الموسيقية الجميلة، والأغاني الزاخرة بالعاطفة، التي لا أزال أدندن بالكثير منها. إن الموسيقى عندي هي الفن الأكثر بقاء والأكثر تفجيرا للعواطف الجياشة، وكم تمنيت في حياتي لو كنت، بجانب الأدب السياسي، عازف كمان، أو عود، أو بيانو، أو أكورديون أو أية آلة موسيقية أخرى. فالموسيقى هي غذاء الروح، ولا أعرف لماذا حاربها المتأسلمون ويعملون على حرمان شعبنا من هذا الغذاء الروحي ويفرضوا إرادتهم على الناس بالقوة الغاشمة.

رحل الأحباب، والموت لا مرد له ولا مناص، ولكن هناك موتا وموتا، فبعض الوفيات خسارة للفكر، أو الموسيقى، أو الشعر، مثلا، وأخرى هي خسارة ولكنها مأساوية أيضا، وهذا ما يحدث اليوم في العراق .
إن الموت الطبيعي لعظيم من العظماء خسارة كبرى، ولكن أن يموت في حادث سيارة، أو بقنبلة قاتل إرهابي، أو غريبا بعيداً عن الأهل وفي عزلة وضائقة، أو على أثر مرض كان يسهل علاجه لو كانت الظروف آمنة، والخدمات موجودة، فهذا موت مأساوي ويثير الحزن مقرونا بالغضب.

لقد رسم لنا الكاتب العراقي لؤي قاسم عباس في موقع [المجالس]، لسان حال [ المجلس العراقي للثقافة]، لوحة تعبيرية عن وفاة من النوع المأساوي وهو يرثي موسيقارا عراقيا نابغة، الراحل سلمان شكر، الذي مزج الموسيقى الشرقية بالغربية، وغاص في فرائد الموسيقى التراثية العربية القديمة.

يقول الكاتب عن هذا الموت المأساوي بسبب مرض كان يمكن علاجه:
” رسم لنا، [ أي الموسيقار الراحل]، بإحساسه المرهف لوحة تعبيرية عن [ الألم العراقي]، أظهر فيها الوطن وكأنه المنفى، والبيت كأنه السجن،”، وطن صارت فيه المواهب محرمة وكأنها جرائم وخطايا.”

لقد زاملت في السجون عشرات من خيرة المناضلين الذين كان العديد منهم أصدقاء أعزاء. كانوا جميعا يؤمنون بمثل الخير وحب الشعب والكادحين، أتذكرهم اليوم واحدا فواحدا، من راحلين ومنهم شقيقي الأصغر لطيف الحاج، ومن أحياء. إنهم كانوا جزءا من حياتي ومن حياة العراق، حين كانت المثل نبيلة، والنوايا بريئة من كل هاجس مصلحي، أو عقدة طائفية أو دينية أو عرقية. ترى إلى أين وصلنا، وكيف صرنا!!
عام انقضى ولابد من اللحاق بمن سبقوا في هذه الرحلة الحتمية.

30 أيلول 2007