الرئيسية » مقالات » بيروت خيمتنا…بيروت نجمتنا…

بيروت خيمتنا…بيروت نجمتنا…

كانت البداية , أو ربما النهاية , في حزيران يونيو 1967 , و من حزيران 1967 إلى حزيران 1982 , إلى حزيرانات جديدة , تمتد الهزيمة عميقا في الواقع و الوعي و الوجدان , و تصبح الوعود بنصر ما قادم أشبه بحكايات الغول و العنقاء , كانت هناك محطات , لحظات ذات طابع مختلف جدا عن الطابع السائد لهذا الزمان , زمان مدام أولبرايت و رايس و البترودولار , كانت بيروت أبرز هذه المحطات بل و أهمها , و لو أنها بدت كزهرة وسط صحراء قاحلة , أو أن الجميع حرص على أن تبدو وتنتهي هكذا..كانت السبعينيات هي فترة التراجع الفعلي وفقا للقوميين و اليساريين العرب التقليديين , كان السادات الذي يعبر عن ضجر جزء رئيسي من النظام البيروقراطي الناصري من أعباء المواجهة خاصة بعد هزيمة حزيران الكارثية قد أنجز عملية التحول في سياسات النظام و خاصة الخارجية و الاجتماعية , محتفظا من ميراث سلفه فقط بشكل النظام البيروقراطي الفردي و خاصة أجهزته الأمنية..كان النظام السوري يطبق تدريجيا على كل خيوط الحراك السياسي النخبوي و المجتمعي بين يدي أجهزته المتكاثرة , و كنظيره في القاهرة استثمر حرب أكتوبر تشرين الأول 1973 لاستكمال سيطرته على أقسام النخبة الفاعلة سياسيا و تنظيريا و على الجيش كمركز أساسي لخلق السلطة و الحفاظ عليها..استخدم النفط لنفس الغرض في بغداد و في عواصم البترودولار , كان يجري إحياء ابن تيمية من قلب التاريخ البعيد ليصبح سلاحا ضروريا في الصراع ضد الخطر القومي أو اليساري..كانت الثورة الفلسطينية جزءا من الرد الشعبي – النخبوي على حزيران 67 , فمن جهة جسدت فكرة الصراع المباشر مع العدو , و فكرة التضحية في الصراع ضد العدو أبعد من مجرد الانخراط في القوى النظامية التي كانت تحاول استعادة شيئا من شرعية تسلط قياداتها على مجتمعاتنا عبر صراع متصاعد مع الجيش الإسرائيلي سمي يومها بحرب الاستنزاف , و قد سمح تواجد المقاومة الفلسطينية في الأردن و لبنان و سورية بأن يمنحها بعدا أكبر في عمق هذه المجتمعات و في عمق صراعاتها كجزء من رد فعل جماهير و نخب هذه المجتمعات على الشكل السائد فيها من العلاقات السياسية و الاجتماعية..لكن الصيغة النخبوية لحركة المقاومة أخذت بالتطور بسرعة كبيرة و لو أن الدعم الجماهيري , الفلسطيني و العربي , لها بقي هائلا , كانت مجموعات المقاومة تتحول خاصة مع انتقالها إلى لبنان إلى شكل ميليشيوي , هذا الشكل الميليشيوي كان يتعامل مع الجماهير من موقف وصائي , كانت الجماهير نفسها تقبله على أنه الصيغة الصحيحة الوحيد للعلاقة بين الجماهير و بين النخبة التي تمثلها , و أن هذه النخبة هي الأساس في الدفاع عن مصالح الجماهير..هذا الوضع الميليشيوي الفلسطيني و اللبناني الوطني قد حول القوات المشتركة يومها إلى قوات شبه نظامية , و حولتها ممارسات الحرب الأهلية , سواء ضد الآخر أو ضد الجماهير نفسها و استخدام الخوات و السلب إلى أشبه بقوات مرتزقة لقيادات هذه المجموعات , مما انعكس على الأرض في صراعات بينية كانت تنفجر لأتفه الأسباب أحيانا..لم تكن القوات السورية في لبنان بعيدة عن هذه الوضعية , كان النهب المنظم للبنانيين هو الشغل الشاغل لكبار الضباط السوريين وصولا إلى أصغر مجند , في وقت كانت فيه الجماهير في سوريا نفسها قد بدأت تئن تحت وطأة عقوبات اقتصادية غربية تشتد قسوة و صرامة تدريجيا..على سبيل المثال كان إهمال صريح من قادة بطاريات صواريخ سام أرض – جو خاصة سام – 6 المتحركة منها للكثير من قواعد الاشتباك مع الطيران المعادي خاصة التبديل المستمر لمراكز منصات إطلاق الصواريخ و رادارات التوجيه و الحد من زمن استخدام هذه الرادارات لتقليل فرص اكتشافها من الوسائط الالكترونية للعدو , مرة أخرى كان هناك إحساس غير مبرر بالطمأنينة و استرخاء عام في مواجهة تهديدات العدو المتصاعدة , تماما كما كان عليه الحال في حزيران يونيو 67 . كان كل شيء سيتغير قريبا جدا , و الفضل يعود لشارون في هذا التغيير..كان أداء القوات المشتركة سيئا على العموم في مواجهة الغزو المتوقع , رغم أن بعض المقاتلين قد أبدوا صمودا عنيدا , لكن المصدر الأساسي لمعظم البطولات التي شهدها الجنوب و مخيماته كانت الناس العاديين , الذين حولهم غزو شارون إلى صناديد واجهوا ماكينته العسكرية بشجاعة منقطعة النظير..عادت الجماهير من جديد لتأخذ زمام الأمر بيدها في كل مكان اختفت فيه القوات شبه النظامية للمقاومة أو تراخت فيها أو حتى صمدت بشراسة..في بيروت التي سرعان ما انتقل إليها الصراع تكرر ذات المشهد على الفور..كان من المنطقي أن تصبح القوات المشتركة هنا أكثر تماسكا و تصميما في الصراع ضد العدو بعد الصدمة الأولى و أن يكون اللواء الوحيد السوري الذي بقي داخل بيروت الغربية , اللواء 65 وحدات خاصة و هي قوة المغاوير في الجيش السوري , أيضا على درجة عالية من الاستعداد للمواجهة , بعد أن كان سلاح الجو السوري و بطاريات صواريخ م – ط قد أصيبت بخسائر فادحة..كانت النتيجة محسومة إلى حد كبير , بسبب نتائج العمليات العسكرية على الأرض و بسبب موقف “العربان” الذين تسارعوا إلى طرح مشاريع تسوية للقضية الفلسطينية منتظرين أن ترفع بيروت الراية البيضاء..تحت القصف و الحصار و على امتداد عشرات الأيام حولت الجماهير و النخبة المثقفة اللبنانية و الفلسطينية و كل من أسعفه الحظ من المثقفين العرب بأن يكون هناك في بيروت الغربية , حولت كل لحظة إلى نداء للمواجهة و إلى الصمود , كان صخب السياسيين لا يصل أسماعهم , استغرقتهم لحظات المواجهة و لملة الجراح و استحوذ عليهم هاجس واحد هو الصمود..على الأرض كانت الجماهير هي من ينظم معظم الأشياء مع اختفاء أية سلطة فعلية قادرة على ذلك , من الطعام إلى الماء إلى الصمود , هناك استشهد علي فودة , و هناك حول معين بسيسو و أمجد ناصر الأوراق البيضاء إلى شعار للمقاومة سموها مقاومة..لكن السقوط كان , كالعادة , ينتظر على بعد أيام قليلة , و كانت المجازر هنا أيضا على بعد شهور قليلة , كان المطلوب قتل تلك الروح دون رجعة , تدجين الجماهير من جديد , باختصار إعادة نظام الكون كما كان..استمر مهرجان الآلام حتى اليوم , لكن ذكرى بيروت في ذلك الصيف القائظ ستبقى , كما جعلتها الجماهير , ذكرى للحظة مسروقة من التاريخ , انتزعتها الجماهير بدمائها و تضحياتها من أيدي النخب و قوى القهر , لحظة كان فيها الإنسان البسيط هو مصدر و أساس و مرتكز المقاومة و العالم الجديد المنتظر عندما تراخت النخب أو أصيبت بالتردد أو الفزع , لا كما تدعي قوى الممانعة السلطوية أنه من دون سجن هذا الإنسان و مصادرة صوته و شل إرادته و فرض إرادة النخبة عليه فإنه قد يبيع القضية و يمضي كما فعل الكثير من الزعماء حتى اليوم , كانت بيروت ومضة تحولت فيها الجماهير إلى مركز الفعل و إلى مركز المشهد حيث يجب أن يكونوا , حيث يستحقون , ليس فقط كمادة للتضحية بل كمركز للحياة كمركز للعالم بل كمركز للأرض و للكون , ومضة في ظلام يشتد قتامة حتى يخنقنا.