الرئيسية » مقالات » هل سيرتاح لبنان بعد اتفاقية الدوحة؟

هل سيرتاح لبنان بعد اتفاقية الدوحة؟

قدر بعض البلدان العملقة , رغم مايبدو من صغر مساحتها , أو قلة عدد سكانها , وما ينتشر من أخبار بين الناس عن ضعف حكوماتها , وعدم استطاعتها , وربما عدم رغبتها , في السيطرة الكاملة على التحركات الشعبية , المعبرة عن تناقضات المجتمع , وتفجر تلك التناقضات لأسباب شتى بين حين ةواخر مسببة الكثير من الآلام والدمار , للبلد المعني الذي هو هنا لبنان , سويسرا العرب والشرق , والمتنفس السابق , لكل رغبة تحرر وديمقراطية , لأفراد وشعوب بلدان التخلف المحيطة بجزيرة الأمل العربية . يعود بعدها البلد حين يتناساه الآخرون , إلى سابق عهده الزاهر وأكثر , فقد تجمعت لتخدم تكوينه , العديد من المزايا والايجابيات ليس اقلها الموقع الجغرافي الستراتيجي في إطلالته على البحر الأبيض المتوسط , إضافة لما تجمع فيه من سحر طبيعة باهر واخضرار وخدمات ومياه ماجعله قبلة السياح والمصطافين , وخاصة من رعايا دول الجوار المحتاجة لنسمة هواء عليلة تتنفسها بحرية , اختلاط وتحاور , مع تنوع طائفي متجانس قل نضيره , عميقة وواسعة هي ثقافته وفنونه وآدابه , إضافة للأحزاب والتيارات السابقة والمتقدمة لما يحيطها من مجتمعات أحادية المنهج والرؤى والتوجيه .

التساؤل اليوم وبعد ماتحولت النخب والطواقم السياسية اللبنانية صوب الدوحة عاصمة قطر , وعادت باتفاق آخر يحدد مسار عهد جديد ورئيس منتخب طال انتظاره وتم الإجماع عليه, هو العماد ميشال سليمان قائد الجيش , فهل سيقطف الشعب ثمرة الاتفاق هدوء وسلام ؟ أم ستعود الحرائق والانفجارات لتحيل جنة العرب وربيع أيامهم إلى جحيم مرة أخرى ! .

(الكبار ) من دول الجوار الشرق أوسطية تعودوا على تصفية حساباتهم على الأرض اللبنانية وبواسطة قوى وأحزاب محلية رهنت مصيرها ولأسباب شتى تتقدمها المادية وقدرة التمويل لتجاذبات إقليمية همها توسيع النفوذ وخلق مراكز قوى تنطق باسمها وتتبع توجهاتها في محاصرة نفوذ ومجابهة القوى الأخرى والتضييق عليها .

– التخلف وانعدام الديمقراطية والاهم الحفاظ على النظام القائم , هو الخيط المرشد والطريق المعبد الذي تسير بمقتضاه مجمل علاقات ونشاطات دول المنطقة , مولدة صراعات لاتنتهي , تستخدم غالبا للتمويه والتغطية على فشل وعجز التعاطي الفعلي مع برامج واضحة المعالم للنهوض خاصة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والحريات الفردية , ليصبح البديل خلق أعداء وهميين تستوجب مواجهتهم الحشد الداخلي ورص الصفوف , للمجابهة والتحدي , ويلعب الإعلام دورا أساسيا في هذه الفبركات , وتزاح إلى الخلف مسائل مثل التعاون والتنسيق في مجالات الطاقة والمياه والبيئة بين الشعوب , والتفاعل الاقتصادي , والتنمية المشتركة بما يخدم تطورا متكافئا ومتوازنا لمجتمعات المنطقة المتخلفة عموما .

– لبنان هو النقيض الدائم لمن حوله بدا من إسرائيل الجار الجنوبي حيث تتجه النخب الحاكمة فيه العودة لنقطة الصفر وتهويد الدولة , التي أرادوها شعلة للديمقراطية لتتوقف مسيرتها عند عدم القدرة على استيعاب فكرة زيادة أعداد مسلمي ومسيحيي الدولة العبرية حتى لا يشكلوا مستقبلا تهديدا ديمغرافيا لليهود وديانتهم التي هي الرابط الوحيد بين الأقوام المهاجرة والمستوطنة المؤسسة لدولة إسرائيل , وإعادة إنتاج تاريخ قديم , عكس لبنان الكيان الأزلي الفينيقي قديما , المستمر المتجذر المتنوع الأعراق والطوائف والأديان , ضمن ديمقراطية لا نفي لمكون فيها من قبل آخر, رغم الاحتراب بين حين وآخر , ولا عنصرية تمارس , مع استيعاب وتلقي لأغلب ماتتوصل أليه دول التمدن والرقي في مجالات العلوم والآداب والفنون والاقتصاد والنظم السياسية , لتمر سهلة الهضم ويعاد إنتاجها وتطويرها بيد اللبنانيين أنفسهم حتى على مستوى آليات عمل حركات الأسهم والبنوك , يسند ويوجه كل ذلك , برلمان منتخب وسلطات حقيقية التمثيل , تخطئ ادعاءات إسرائيل , بأنها البديل الوحيد المدني الديمقراطي في منطقة الشرق الأوسط المضطربة , فهل تصبر وتتغاضى الدولة العبرية عن لبنان مستقر مزدهر سياحي لاعنصرية ولا تفرد ديني يحتويه ؟

– دول الجوار العربية وكما أسلفنا منطلقاتها ذاتية , ومصالح نظمها السياسية تجمع على ( تحديد) الإشعاع الديمقراطي اللبناني , و(تأطير) قدرته ككيان وشعب ووطن قادر على التجاوز , وإعطاء مثال متطور لشعوب المنطقة , على قيمة وعظمة دولة لها حكومة ضعيفة وشعب قوي , تتمتع مكوناته بالإرادة الحرة , وأفراده بالوعي والمبادرة الذاتية الخلاقة .

– سوريا كمثال لاتزال تحركاتها ضمن نظرتها القديمة في اعتبار الجار الصغير (المنسلخ ) عن سوريا الكبرى كإقليم يتوجب إعادته إن عاجلا أو آجلا , وهذا المنطق لايدخل في باب الأماني المؤجلة بالنسبة للنظام بل هو ستراتيجية مستمرة وعمل دؤوب متواصل في السر والعلن .

– السعودية لايخرج تعاملها الحقيقي مع المسالة اللبنانية وللأسف ومهما حاولت الابتعاد عن الإطار الطائفي , رغم كل الحديث المعاد والمحاولات الجادة لإثبات العكس , ربما لان نمط تفكير ومحدودية رؤى , وبنية وتكوين النخبة الحاكمة فيها , لاتستطيع إخراجها من هذا المأزق , مهما راكمت من مستشارين (مطيعين) , لتتعامل في لبنان مع الجميع , كوطن للجميع , وكيان أساسه مدني لا طائفي .

– إيران وهنا مقتل لبنان المتعدد الأعراق المسالم بيد لبنان المقاومة المستمرة , والذي سيتحول , كما هو الوضع اليوم في أجزاء واسعة منه , إلى قاعدة قتالية متقدمة أو اسبرطة الجديدة , المحكومة والمسلحة بالحديد والنار , , أو (الثغر) الإسلامي الحديث , المدافع عن المركز الذي هو اليوم طهران المبشرة بولاية الفقيه وإيديولوجيته التي ستمحو إسرائيل عن الوجود , واذرعه الممتدة حول الدولة العبرية حزب الله في الشمال حيث لبنان وحماس في الجنوب الفلسطيني , اللذان بتوجب عليهما المطاولة والمشاغلة لحين اكتما تصنيع (القنبلة الإيرانية الذرية ) , وبعدها لكل حادث حديث , بدل الدخول في مشاريع بناء دول مسالمة متصالحة مع إسرائيل ومع شعوبها في كل من لبنان وفلسطين و فالوقت هو للثورة والصراع للقضاء على العدو الصهيوني , وليس لدعم حكومة كالتي يرأسها السنيورة , جل اهتمامها الأمن الداخلي , والنظر بعين الرجاء لإنجاح الموسم السياحي الصيفي القادم في لبنان .

– أمريكا والاتحاد الأوربي , وعدم القدرة على التدخل للحسم , أو الالتزام الكامل بدعم مشروع الدولة المسالمة المستقرة الذي تطمح أليه الأكثرية اللبنانية , فليس باليد غير تسطير القرارات , وتأييد أي اتفاق بين الفرقاء المتنازعين مادام يتحقق ضمن أطار الشرعية وسيادة القانون , والوعود بالدعم الاقتصادي الذي يمكن له أن يفيد أكثرية الشعب ويضر أقليات , تقبض ثمن إشاعة الفوضى , وزعزعة استقرار المجتمع .

– وسط كل ماسبق نرى مكونات الشعب اللبناني من أكثرية ومعارضة , قد التقت في قمة الدوحة , واتفقت على شخص متوازن , وكأنها ارتأت تأجيل أو تجميد نزاع الدولة والثورة ظاهريا على الأقل , أو تطبيقا لرغبة مشتركة في هدنة , تحاول من خلالها الأطراف دراسة المستجدات , وبناء تحالفات جديدة , تعبر بها ما أمكنها من عثرات , وأوقات ليست في صالح مشاريعها المحتاجة إلى غربلة وترتيب , بانتظار ربما الرئيس الأمريكي القادم , ووضوح برامجه الشرق أوسطية .