الرئيسية » مقالات » من سقوط المراهنة على الخارج إلى المراهنة على الشعب كقوة وحيدة للتغيير…

من سقوط المراهنة على الخارج إلى المراهنة على الشعب كقوة وحيدة للتغيير…

قد يكون ما يجري اليوم ضروريا , إنه يعيد التوازن إلى ما يسمى بالمعارضة السورية بعد أن أصبحنا على عتبة سقوط أوهام “التغيير” بيد الخارج , إننا في ذات الوقت نرى هذا التراجع أو الانحطاط السريع في حياة الجماهير نتيجة سياسات نظام بشار الأسد , الأمر الذي قد يحاول النظام أن يستثمره لصالح إضعاف روح المقاومة لدى الجماهير و خلق انطباع بأن التغيير مستحيل و ربما أن يعيد إحياء أوهام التغيير من داخل النظام التي يبدو أن تصريحات بشار الأسد الأخيرة تحاول التأسيس لها..إن نتائج الاتفاقات الإقليمية الأخيرة فتحت نافذة في حصار النظام من قبل معسكر الاعتدال و من قبل إدارة بوش و حلفائها الأوروبيين , بل إن الأيام الأخيرة شهدت بوادر تغيير جدي داخل النظام و في علاقاته الإقليمية و العالمية باتجاه ضمان مكان ما له داخل منظومة الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية على التوازي مع التغيير المتوقع في البيت الأبيض في مطلع السنة القادمة..لكن هذا لا يعني نهاية أزمة النظام بل قد يسجل دخولها مرحلة جديدة تدمج بين أزمته الخاصة الداخلية هذه المرة مع أزمة مجمل المشروع الأمريكي و النظام العربي الرسمي في المنطقة و ربما في العالم..على الرغم من الإحباط الذي تشعر به بعض أوساط المعارضة فإن هذا يعيد القضية كلها إلى المربع واحد , إلى أصل المسألة الأول : الشعب في مواجهة النظام , الضحية في مواجهة الجلاد..إن خطر و أهمية الشعب السوري نفسه في عملية فرض هذا التغيير ما تزال بعيدة عن أن تقدر أو حتى أن تصبح أساس عملية التغيير المنتظرة , لكنها في الحقيقة تصبح البديل الوحيد لسقوط أوهام سقوط النظام تحت ضربات ضغوط الخارج , بل و يعيد هذا التأكيد على المضمون الوحيد الديمقراطي لشعار التغيير الذي يربطه بالجماهير بعد أن يجري إعادة التوازن بين خطاب النخب التي ظنت أنها ستكون البديل المنطقي المدعوم خارجيا للنظام “لتبقى الأمور ممسوكة” أي لتبقى الجماهير ممسوكة بعد “التغيير” و بين خطاب جماهيري أكثر شعبية يصدر أساسا عن مصلحة الجماهير في تغيير نظام كهذا و مواجهة سياساته…إن النظام ليس قادرا على مواجهة حراك جماهيري جدي , و لأنه يعرف هذا جيدا فإنه لذلك يلجأ إلى إجراءات وقائية ضد تطور أي حراك كهذا , إن النظام يشدد قبضته على كل شيء , على أية حالات جنينية منظمة للمقاومة سواء للتيارات الإسلامية أو للنخبة أو للعمال أو الطلاب أو الأقليات القومية , و أيضا على كل وسيلة لوصول أي صوت نقدي أو معارض إلى الشارع..هذا ناجح إلى حد كبير حتى الآن لكن لا ضمانة أن هذا النجاح قد يستمر , القضية الأساسية هنا تنتقل من الحديث عن مشروع خارجي إقليمي كوني يتناقض مع النظام إلى مشروع جماهيري يجب صياغته و الذي يجب أن يجد امتداده الحقيقي و المنطقي و حليفه الأساسي في مشاريع مماثلة لشعوب المنطقة ضد كل قوى الاضطهاد و الاستلاب الداخلية و الإقليمية و العالمية , هذا يصح أيضا على مصر مثلا و لبنان و العراق و فلسطين و غيرها , أي باختصار على كل مكان يجري فيه إعادة صياغة الصراعات بين النخب الحاكمة و المسيطرة المحلية و الإقليمية و العالمية باتجاه تأسيس توافقات أو محاصصات تبدو ضرورية لتأكيد سيطرتها و إعادة تقسيم السلطة و الثروة بينها , إن هذا يعيد صياغة الصراعات بشكل مختلف تماما تحت مسميات متهافتة “وطنية” أو “مشتركة” أو حتى ربما “ديمقراطية” و سيساعد هذا على عكس الشائع داخل النخب المعارضة أو المثقفة على تعزيز حراك الجماهير في مواجهة كل هذه القوى..إن هزيمة الشعوب و القضاء على مقاومتها مهمة مشتركة لكل قوى الاضطهاد و الاستلاب مهما كانت تناقضاتها , و بالتالي فإن هزيمة هذه القوى يجب أن تكون مهمة مشتركة لشعوبنا و المهمشين في كل مجتمعاتنا , و في حقيقة الأمر فإن إمكانيات الجماهير قد تبدو بالفعل محدودة اليوم , لكن إمكانياتها الكامنة غير محدودة و قابلة للانفجار و للتحول من السلبية إلى الإيجابية في أي وقت , إن هذه الحركة المستقلة المتحررة من القمع و الاضطهاد تستطيع أن تعد و أن تحقق الكثير في مواجهة القوى التي تقمعها و تستبيح حياتها اليوم , هنا بالذات تكمن المهمة الحقيقية لتحقيق التغيير , بعيدا عن التنظير لمشاريع بعض هذه القوى في مواجهة بعضها الآخر..ليست قوة التغيير هي إرادة بشار الأسد أو أي رجل آخر داخل أو خارج السلطة , أو ربما في المعارضة , أو في واشنطن , أو في باريس , أو في أي من قصور العواصم العربية أو غير العربية , إنها في إرادة الشعب السوري , خاصة فقرائه ضحايا الوضع القائم و نضالهم من أجل تغيير حقيقي نحو مشاركتهم مشاركة فعلية في “تقرير مصيرهم”….