الرئيسية » مقالات » المعاهدة.. وجهان لمواقف دول الجوار

المعاهدة.. وجهان لمواقف دول الجوار

لا يصح ان لا يأخذ العراق مخاوف وقلق جيرانه وشركائه في هذا القوس الاقليمي بعين الاعتبار حين يتجه الى عقد معاهدة عسكرية وامنية استراتيجية مع دولة مثل الولايات المتحدة لها مصالح وخصومات ومشاكل في المنطقة، ولا يصح-بعد ذلك-تجاهل قدرة هؤلاء الجيران على التشويش على المعاهدة والتأليب ضدها وارباك الاصطفاف الوطني وتشجيع اعمال التجييش والانشقاق والتبعثر في معسكر العملية السياسية.

اقول، لا غبار على حق الجيران ودول المنطقة(وحتى دول اخرى لها مصالح في الاقليم) في التعبير عن الخشية من المعاهدة قيد البحث والنظر اليها بعين الريبة، وهو حق مكفول بحقائق المصالح المشتركة الاقتصادية والتجارية والاستراتيجية المشتركة بين العراق وهذه الدول وترابط وتشابك الامن الاقليمي بينها، وتمثلا لطبيعة العلاقات والمصالح الدولية في مرحلة تاريخية تشهد استقطابات متسارعة وخطيرة.

وبعيدا عن الانفعال والتطيّر فان على العراق ان يقدم الى جيرانه وشركائه في الامن الاقليمي، وبمثابرة وجدية، تطمينات كافية عن سلامة نياته، والتزامه قواعد الجيرة والشراكة، وحرصه على تنمية العلاقات البناءة معهم، والحفاظ على مصالحهم وعزمه على تطوير اجواء الامن والاستقرار في المنطقة ، وعليه-قبل كل شئ- ان يقدم لهم تفسيرات مقنعة لدواعي التوقيع على مثل هذه المعاهدة وعلى انها غير موجهة ضد امنهم ومصالحهم، وسيكون ذلك في صالح العراق واستقراره وامنه، ويدخل، ايضا، في عداد عناصر القوة العراقية على طاولة المفاوضات مع الجانب الامريكي .

وإذ تاخرت الحكومة العراقية في التحرك البرنامجي الجاد، والاستباقي، لجهة الاستماع الى مخاوف دول المنطقة، وغابت عن توضيح تصوراتها للمعاهدة وبنودها وظروفها وخلفياتها، وعن إظهار حسن النية والبصيرة وبعد النظر، من موقع الاستقلال، ومن زاوية الحقوق الامنية المتساوية، فان هذا خلق ردود افعال اقليمية ضارة بمكانة العراق وسمعة الحكومة و-اهم من ذلك- ضارة باجواء الاستقرار والعلاقات الودية مع هذه الدول وبمستقبل هذه العلاقات ، بل وادى هذا التأخر (والتهرب من مناقشة الملف) الى تداعيات وتوترات وريبة اقليمية، انتهت الى مواقف استفزازية وغير مقبولة من دول مجاورة بلغت حد التهديد والوعيد والتدخل السافر في الشأن العراقي.

في قواعد العلاقات الدولية وميثاق الامم المتحدة ثمة، باختصار، حقان متشابكان، الاول، حق الدول المستقلة بعقد معاهدات مع اية دولة اخرى في اطار القانون الدولي، مقابل حق الدول الاخرى بالتعبير عن مخاوف من هذه المعاهدات ما اذا كانت تعتقد انها تشكل تهديدا لها، وحقها المشروع باتخاذ اجراءات وقائية سلمية لاحتواء خطر التهديد، ومن هذا الباب يمكن ان نطل على الوجه الثاني من مواقف دول الجوار من المعاهدة قيد الجدل.

ومن وجهة النظر الدبلوماسية، كان الجانب العراقي سيكسب كثيرا لو انه عمل على احاطة الدول المجاورة باتجاهات التفاوض مع الولايات المتحدة لتوقيع معاهدة ثنائية بينهما، وكان سيعطي مثلا في حسن النية وتأكيد مبادئ الشراكة الامنية الاقليمية مع اولئك الجيران، على الرغم من انهم جميعا، ومن دون استثناء، يرتبطون بمعاهدات واتفاقات امنية وعسكرية مع دول اخرى، وان الكثير منها يهم العراق ويمس مصالحه وامنه، وآخر تلك المعاهدات هي المعاهدة العسكرية التي اعلن عنها بين ايران وسوريا، فيما العراق يقع بين الدولتين، وفي مرمى بنود هذه المعاهدة.

على ان هذا التأخر لم يكن مبررا للحملة الاستفزازية المنظمة لبعض دول الجوار ضد العراق، وبخاصة ايران، ومحاولاتها التدخل السافر في الشأن الداخلي العراقي حتى خارج موضوع المعاهدة، وبدت تلك المواقف كما لو ان اصحابها اوصياء على الدولة العراقية، او كأن العراق من توابع تلك الدول، وان شعبه قاصر عن التصرف وادارة شؤونه.

ولعل اخطر ما في هذا المشهد، ما يتسرب من معلومات تكاد تكون مؤكدة، عن قيام اكثر من دولة مجاورة بدعم(اكرر: دعم) جماعات محلية منفلتة لخلق استقطابات في الخارطة السياسية، المضطربة اصلا، ولتجهيز ارضية جديدة لتصفيات حساب نائمة مع الاخرين على الارض العراقية، وقد تجسدت معالم هذا التدخل في انشطة وتحركات كيدية، مسجلة في مسؤولية دول الجوار واتباعها، تجاوزت انتقاد المعاهدة الى الامعان في تخريب النجاحات الامنية التي تحققت عن طريق زيادة تدفق الاسلحة والمعدات والاموال الى الجماعات المسلحة الخارجة على القانون، والمهزومة، بل ان ايران اوقفت التزاماتها بتقديم مساعدات الى العراق في مجال الطاقة الكهربائية والغذاء والدواء.

وفي هذا الوجه من الملف تكمن، ايضا، واحدة من فضائح السياسة، ومفارقات المواقف، وازدواجية المعايير(التي شكوا منها يوما) إذ تنخرط دول خليجية، مثل قطر، في الحملة الاعلامية والدبلوماسية ضد العراق في وقت تستقبل على اراضيها اكبر ترسانة لاسلحة الولايات المتحدة الضاربة واكثر قواعدها نشاطا عسكريا في المنطقة، والاكثر غرابة، هنا، ان دولا اقليمية تتخاشن مع جيرانها، وترتاب ازاء بعضها، وتتبادل الاتهامات، على مدار الساعة، بالتآمر والتدخل والتجييش، لكنها اتحدت ضد العراق وصارت تلقي عليه معايب وظنون تمارسها هي باكثر الاساليب انتهازية.

نعم، ثمة تقصير من الجانب العراقي في التحرك لتبادل الرأي مع الدول المجاورة حول بنود المعاهدة العراقية الامريكية، وثمة حق لهذه الدول ان تعبر عن ارتيابها وخشيتها من ان تكون عرضة للتعدي، لكن على هذه الدول، المعنية بكرامتها، ان لا تدوس، الى هذا الحد، على كرامة العراقيين، بالتصرف كوصية عليهم.