الرئيسية » بيستون » أين الحكومة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان العراقية والعالمية من رحيل أمهات الكرد الفيليين المغيبين المأساوي

أين الحكومة العراقية ومنظمات حقوق الإنسان العراقية والعالمية من رحيل أمهات الكرد الفيليين المغيبين المأساوي

حرب الإبادة التي نفذها البعث البغيض ضد الشعب الكردي في العراق ومنها شريحة الكرد الفيلية كانت ولا تزال مردوداتها كثيرة ومآسيها قائمة . وباعتقادي كانت أكثر نتائجها قسوة هي معاناة المرأة الكردية جراء تلك المظالم والمآسي وخاصة أمهات المغيبين من شباب وشابات الكرد الفيليين، اللواتي اخذ جلاوزة البعث أولادهن رهائن في زنزاناتهم المخيفة بعد التهجير القسري لعوائلهم إلى إيران عام 1980 فما بعد . وعلى مدى هذه السنوات الطويلة الماضية لم تقر عين أي منهن برؤية أولادهن أو بناتهن المغيبات أو على أقل تقدير التعرف على رفاتهم أو أماكن دفنهم . فقد سمعنا يوم أمس خبر موجع وأليم وهي وفاة أم عباس ( المرحومة أزمت ) زوجة السيد علي اكبر ، بعد26 عاماً من الفراق القسري بينها وبين وحيدها الذي احتجزه النظام البائد بعد تهجير والديه وأخواته الثلاث إلى إيران عام 1982م. ذلك الفتى الذي كان في ريعان الشباب يدرس في ثانوية الصناعة عند احتجازه والذي يشهد الجميع ممن عاصروه بأنه كان في منتهى الأدب والخلق الرفيع ، وعلى الرغم من كونه آخر العنقود فقد كان يهتم بشؤون أهله عاطفياً وأدبياً بحيث لا ينسى أعياد ميلاد أخواته الثلاث فيأتيهن دائماً في مثل هذه المناسبات بهدية من مصروفه الخاص . أنا لم أرى عباس شخصياً على الرغم من صلة القرابة التي بيننا ولكن كلما كنت ازور منزل العائلة في إيران كانت صورته أول ما تقع عليها عيني في غرفة الجلوس ، وأشعر بالغصة والأسى لهذا الشاب الأشقر الجميل الذي اختطفه البعث من أهله وشعبه وهو لازال غضاً في عمر الزهور ودون أي ذنب . في كل الفترة التي سبقت سقوط النظام كان والده لا يفارق مذياعه ويستمع إلى إذاعة بغداد وسائر الإذاعات الأخرى لعل أحدها تشير إلى أخبار عن المحتجزين الشباب ولكن دون جدوى ، فقد كانت وسائل الإعلام آنذاك تتستر على ممارسات صدام وحزبه بحق الشعب العراقي وحتى منظمات حقوق الإنسان العربية والأجنبية لم تكن تطالب الحكومة العراقية برعاية حقوق هؤلاء الشباب وغيرهم ممن نفذ النظام البائد بحقهم اشد أنواع البطش واختراق حقوق الإنسان . وبعد السقوط لم تبلغ العائلة الوالد ، وحسب علمي حتى الآن إن أسم وحيده ورد في سجل الشهداء المغيبين للكرد الفيليين ، ولا اعتقد انه لا يدري ، ولكن لا يجرؤ على تقبل الحقيقة وقد يكون السبب إنه لا يريد أن يزيد من آلام زوجته وبناته ، ومن هنا نرى مدى صلابة وصبر وتحمل أم عباس التي لم تحضر أي فرح طوال حياتها بعد احتجاز ابنها وكأن حياتها كإنسانة انتهت بعد تغييبه عنها . كيف لا وهي كانت قد نذرت نذراً غريباً لكي يرزقها الله بولد فقد كان أولادها الذكور يموتون عند الولادة فطلبت من رب العالمين أن يرزقها صبياً وأن يأخذه منها عندما يبلغ السابعة من العمر لأنها ضاقت من كثرة تعييرها بأن لا ولد لها وعليه عندما رزقت به كانت تخاف من نذرها وحين بلوغه السابعة من العمر ذبحت القرابين على عدد الأنبياء والائمة لاطهار ولوجه الله تعالى كي يحفظ لها ولدها ويعتقها من نذرها ولم تدري بأن يد صدام حسين القذرة ستأخذ منها أبنها في عمر الثامنة عشر . كانت أم عباس لا تنفك عن ذكره وهي تطبخ وتعمل وتجالس الضيوف وحتى عندما كنا نجلس على مائدة الطعام تردد مع نفسها قائلة ( زه ق نه بوت بخوه م روله ، تو إينه جه أخويد ؟ ) في ما معناه ( هذا سم آكله ياإبني ، فما يدريني ماذا تأكل أنت الآن ؟ ) . وعندما سمعنا في إيران بقرب سقوط النظام ، غمرت هذه العائلة وكل عوائل المغيبين من الكرد الفيليين في جميع المنافي التي يتواجدون فيها فرحة كبرى بقرب الوصال وتحرير الشباب والشابات من سجن الطاغية وكانت أخته الكبرى تلك البطلة والمرأة العصامية التي عملت ودرست وجدت طوال هذه السنوات في الغربة ووصلت إلى مستوى علمي رفيع في جامعة طهران من أجل أن تحمي عائلتها هناك من العوز المادي وأن تخفف من وطأة الحياة على والديها الذي غيب صدام المقبور وحيدهما حتى لا يشعرا أن لا ولد لهما تردد فرحة مستبشرة بأنها سوف تزوجه بأجمل فتاة ، وسوف تقيم له أحلى زفاف . وأما الأم فقد كانت تذرف دموع الفرح غير مصدقة بأنها في النهاية ستلقى وحيدها عباس وتحسب لنا كم عمره الآن وهل تغير وشاب . وكانت تنتظر بلهفة موعد لقاءهما شانها شأن سائر أمهات المغيبين ، ولكن للأسف الشديد لم تدم الفرحة فبعد فترة قصيرة سمعنا خبر استشهاد خيرة شبابنا في سجون الطاغية ومن بينهم عباس .
لا يمكن ما حييت أن أنسى تلك الفترة من حياتنا في المنفى ، وكيف مرت علينا نحن الكرد الفيليين المهجرين قسراً فلم يكن هناك بيت منا لم ينصب فيه عزاء لقد ماتت فرحتنا بسقوط النظام مع انتشار قوائم الشهداء المغيبين . أما عائلة الشهيد الخالد عباس علي أكبر التي فقدت وحيدها وقرة عينها ، وحفاظاً على صحة الأب الذي كانت حالته الصحية لا تسمح له أن يعرف باستشهاد وحيده أقامت مراسم العزاء في حسينية قريبة من منزلهم ، كيف يمكن نسيان منظر أم عباس وأخواته اللاتي كانت كل واحدة منهن تتلوى على أرضية الحسينية من شدة الألم وهول المصيبة ، ولكن عندما كن قرب الأب يتصرفن بشكل طبيعي أمامه . ويبكون في غرف البيت بصوت مخنوق وأرتدين ثياب الحزن السوداء وعندما كان الأب يتساءل عن سبب ارتدائهن لملابس سوداء يقلن إنهن حزانى على المرحومة سهام عزيز خسرو الذي وافاها الأجل في الفترة ذاتها وهي أخت الشهيد نزار الذي ورد اسمه هو الآخر في قوائم الشهداء . وأصيبت أم عباس من شدة حزنها بأمراض كثيرة فزاد ذلك من هول مصيبة هذه العائلة التي كانت بناتها يخفن على حياة وسلامة أمهن وأبيهن بشكل غير طبيعي، ولطالما استغفرت هذه الأم الثكلى وهي المؤمنة الله سبحانه وتعالى وهي تطلب منه أن يقرب لقاءها مع وحيدها . وفي النهاية ، هذه أم عباس قد رحلت هي الأخرى ، وبرحيلها انتهى مشوار حياة أم كردية فيلية ثكلى دون أن تعرف حتى مكان دفن ولدها . وهناك الكثيرات من أمثال أم عباس من أمهات الكرديات الفيلييات اللاتي رحلن عن هذه الدنيا دون أن تتكحل عيونهن برؤية اولادهن الأبرياء المغيبين . ففي السنين الماضية ماتت أم الشهيد الخالد نزار عزيز محمد خسرو وهي تردد : لا يمكن أن أنسى النظرات الحزينة الأخيرة لابني نزار وهم يقتادوه إلى السجن عندما أعطيته مبلغاً من المال وقوله ماذا أفعل أنا بالمال الآن يا أمي أبقيه لديك لعلكم تحتاجونه في إيران . وتوصي أولادها وهي على فراش الموت بان لا ينسوا نزار وأن يتفقدوا أخباره ويعلموا أين هو . كما رحلت مثلها أم الشهيدين جمال وعبد الرزاق علي حيدر وأم علاء محمد علي الحيدري وغيرهن من أمهات الشهداء اللواتي وافهن الأجل في السنوات الأولى من التهجير ولم يفرحن حتى بسقوط الطاغية كما رحلت عنا أمهات شهداء آخرين بعد سقوط النظام وهن كثيرات ايضاً وهنا أود الإشارة على سبيل المثال لا الحصر إلى أم الشهداء جواد وسلمان ورعد سيف الله كرم وأم أركان والدة الشهيدين سامان وصباح ابراهيم سهراب وأخريات وأخريات .
إن الموت حق ، لكن الذي يحز في نفوسنا نحن شريحة الكرد الفيليين هو أنه لم يتم حتى الآن وبعد مرور خمسة أعوام على سقوط نظام الطاغية العثور على هؤلاء المغيبين أو التعرف على أسباب وكيفية إعدامهم وأية معلومات تشير إلى الفترة التي استشهدوا فيها والسجون التي كانوا فيها أو الإعلان رسمياً من قبل الحكومات المتتالية على الحكم في العراق بعد السقوط بأنهم من شهداء الحركة الوطنية العراقية أو على الأقل رد الاعتبار لهم ولعوائلهم. فكل شيء يهون المنفى والمال والممتلكات المنقولة وغير المنقولة وكل المآسي التي تحملتها شريحة الكرد الفيليين إلا مصيبة هؤلاء الشباب الذين غيبهم البعث البغيض وأمحى أي أثر لهم . وإني هنا ، وفي الوقت الذي أعزي فيه عائلة المرحومة أم عباس وخاصة زوجها الفاضل وبناتها الفاضلات وأزواجهن وأتمنى لها من الله عز وجل الرحمة والجنة ولعائلتها الصبر والسلوان ، أود القول للحكومة العراقية ولكافة منظمات حقوق الإنسان في العراق والعالم وحتى لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب العراقي ، لماذا هذا الصمت حيال هؤلاء الشباب الذين مورس بحقهم أشد أنواع الخرق لحقوق الإنسان فهل الكرد الفيلي ليس بإنسان يستحق الحياة وليست له حقوق إنسانية ووطنية ولماذا ترحل أمهات المغيبين عن الدنيا دون أن يروا تكريم النظام العراقي الجديد لأولادهن حتى على الأقل يشعرن أن دماء أولادهن لم تراق سدى إنما رووا به أرض العراق حالهم حال سائر من أستشهد في العراق في عهد الطاغية .

1/6/ 2008م