الرئيسية » اللغة » غرب كوردستان – مصطلحاً وقضية –

غرب كوردستان – مصطلحاً وقضية –

يعتبر اكتشاف اللغة إحدى أهم الاكتشافات التي تسجل في تاريخ البشرية، بل هي ثورة حقيقية – والثورة نأخذها هنا بمفهوم القفزة والتغيير الجذري والقطيعة مع الأسبق وليس بمدلول العنف والانفجار والتشظي – في التاريخ الإنساني؛ فليس مصادفةً أن يقسم تاريخ البشرية إلى (ما قبل التاريخ وما بعده) وذلك من خلال الربط بعملية اكتشاف الأبجدية؛ حيث بها ومنها بدأ التاريخ وبفضل اكتشاف (الأجداد) هذا انتقل إلينا مكنوناتهم ومدوناتهم الأولية بصدد كل ما كان يجول في الحياة وفي العقل الأولي (البدائي) لأولئك الأسلاف. وهكذا فإننا مدينون لأولئك البدائيون بهذا المخزون الفكري البشري بما تتضمنها من مفاهيم ومصطلحات وقيم أخلاقية ونظريات معرفية رياضية وفلسفية وغيرها مما يشكل الوعي الإنساني الإجمالي ومن دون أن ننسى التراكم الثقافي المعرفي وأدوار الأجيال والأحقاب التاريخية التي ساهمت في هذا التراكم الكمي والنوعي في الفكر الإنساني. وبالتالي فإن اللغة ككائن حي – أي لغة – وبما تملكها من قدرةٍ على التوليد والاشتقاق وما تضمنها من صيغٍ وتعابير ومدلولات ليس حالة طارئة شاذة، بل هي أصيلة ومتجذرة في ثقافة تلك الأمة ومنها اللغة الكوردية.

كانت هذه المقدمة ضرورية لندخل منها إلى قضيتنا؛ (غرب كوردستان) كمصطلح وقضية جيوسياسية والتي عليها الكثير من الإشكال والغبن ليس بين الحركة الوطنية الكوردية والسلطات السورية المتعاقبة على سدة الحكم في “البلد” وكذلك ليس فقط ضمن ميكانيزمية العقلية العنصرية أو الشوفينية العربية والتي ترفض الآخر بكل تجلياتها، فكيف بها الحال وأنت تطلب منها الاعتراف على مبدأ المساواة والتكافئ. نعم.. لو كان الإشكال ضمن هذه الدوائر العقلية المغلقة والجداريات الصلدة لهان الأمر على المرء من باب (العداء) والصراع على الوجود، أما أن تتعدى الحالة لتصل بها إلى المعارضة السورية – مع الأخذ بعين الاعتبار تلك المواقف النبيلة لبعض الأخوة من الكتاب والمثقفين العرب – وبأطيافها المتعددة؛ الدينية والقومية والأيديولوجية بأن تنكر أو تتنكر لكوردستان كمفهوم وقضية فإنها تعتبر كارثة وطنية على مستوى الفكر والوعي السياسي، فكيف بالحال أن تتهرب بعض الأطراف والكتل والأحزاب الكوردية في الإقليم الغربي من كوردستان نفسها من تسمية المسمى بالاسم وتتنكر لمصطلح (غرب كوردستان)، عندها يمكن القول: إنها جريمة قومية بحق شعبنا الكوردي وفي عموم أجزاء الوطن.

وحتى لا نتهم بالمغالاة سوف نقوم بتوضيح وجهة نظرنا للحلفاء قبل الخصوم وسنقوم بدايةً من حيث اللغة كونها التي بدأت بها التاريخ البشري؛ إن اللغة الكوردية واحدةً من اللغات الهندوأوروبية وهكذا فمن حيث الاصطلاح والاشتقاق تخضع لقواعد وقوانين متقاربة ولن نقول واحدة وبالتالي فيمكن أن نخضع مصطلح كوردستان لتلك القواعد حيث تتألف من التركيب بين اصطلاحين: (كورد – شعب) أي الشعب الكوردي الذي يتمايز عن شعوب المنطقة من الترك والعرب والفرس والأرمن والجركس والأمازيغ وغيرها من الشعوب والأمم المجاورة لها في الجغرافية وذلك من حيث اللغة والعادات والتقاليد والأعراف والثقافة والتكوين النفسي والروحي وكذلك في بعض القيم الأخلاقية والسلوكية وحتى البيئة والمناخ وما يمتاز الجبل به من صفات لا تتقاطع مع البيئة الصحراوية في البادية، وهذه من باب الاختلاف وليس التفضيل. أما الاصطلاح الآخر فهو من الجذر (ستان – الأرض) أي تلك الجغرافية وما تتميز بها من مناخ وتضاريس والتي يعيش عليها الشعب الكوردي، وهكذا ومن تزاوج المصطلحين تتركب كلمة (كوردستان) والتي تعني الأرض التي تحتضن الشعب الكوردي كأي أمٍ رءوف – ولكن للأسف لها بعض الأبناء العاقين الذين لا يعترفون بها، على الرغم من احتضانها لهم – وهكذا فإن تسمية بلاد الكورد بـ(كوردستان) لا تختلف بشيء عن تلك البلدان التي لها أعلامها وأناشيدها وسفاراتها و.. وتسمى بأسماء من قبيل أفغانستان (أرض وبلاد الأفغان) وطاجيكستان (بلاد الطاجيك) وباكستان (بلاد الباك) وكذلك هندستان (بلاد الشعب الهندي) وغيرها الكثير، وبالتالي فإما أن نقبل هذا الكائن الجديد – القديم؛ كوردستان بين إخوتها أو نرفض الجميع.

كانت تلك من حيث الاشتقاق اللغوي، أما إذا أخذنا القضية من حيث التاريخ فلن ندعي كما يدعيه بعض الأخوة العرب وغيرهم من كتاب ومثقفين وسياسيين؛ بأن جذورهم وتاريخهم وأسمائهم، بل عقلهم وحضارتهم تمتد بهم إلى عمق التاريخ وحتى ما قبل التاريخ ليصل الأمر بهم إلى بدايات الوعي الأسطوري من “إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، عليهم السلام” وبأن البشرية بدأت منهم وبهم. وهكذا يضعونك أمام الحائط المسدود ولن نقول (المبكى) لكي لا يزعل الأخوة اليهود، ولكن على الأقل نستطيع أن ندعي بأن مصطلح كوردستان يسبق تاريخياً الكثير من البلدان العربية ومنها (المملكة الهاشمية) مثلاً والتي ترتبط بتاريخ الأسرة الحاكمة، مع كل التقدير والاحترام لتاريخ تلك الأسرة، وهكذا فإن تاريخ كوردستان لا تقل – ولن نقول تزيد – عن تاريخ معظم بلدان المنطقة وحتى العالم وبالتالي فمن حقها – تاريخياً أيضاً – أن تمنح حق الحياة أسوةً بغيرها.

والتاريخ يأخذ بيدنا لندخل الزمن الأغبر (الحديث) حيث الاتفاقيات الاستعمارية، وبالتالي تقسيم المنطقة وخارطتها وفق مصالح الدول التي خرجت منتصرةً من الحربين العالميتين الأولى والثانية. فكل تلك العهود والاتفاقيات والمواثيق تؤكد على أن كوردستان هي الأخرى خضعت لتلك الاتفاقيات الدولية، مثلها مثل كل جغرافية المنطقة، وبالتالي تم تقسيمها بين دولٍ أربعة هي: سوريا، إيران، العراق وأخيراً أو أولاً تركيا وذلك بعد أن كانت مقسمة بين الإمبراطوريتين العثمانية التركية والصفوية الإيرانية. وهكذا فيمكن لأي باحث يود الخوض في حيثيات القضية أن يعود إلى كلٍ من معاهدات (زهاب أو قصر شيرين- 1639)، (سايكس-بيكو 1916)، (سيفر – 1920) وكذلك (لوزان – 1923) وغيرها الكثير – الكثير من المواثيق والمعاهدات والتي تؤكد على حقيقة تقسيم بلاد الكورد والتي تعرف بـ(كوردستان) و.. هكذا فيتم إلحاق الجزء الغربي من كوردستان بالدولة السورية الحديثة التشكيل.

أما اليوم، ولنترك التاريخ خلفنا قليلاً، وندخل الحاضر بكل همومه وشجونه، بكل أحزانه وأتراحه، بكل مآسيه والجرائم التي ترتكب بحق القضية والشعب الكوردي في (غرب كوردستان) إن كان من الداخل أو الخارج، من الحلفاء أو الخصوم، من المعارضة أم السلطة السورية الحالية – بالتأكيد ليس بالدرجة نفسها والمقارنة غير صحيحة، ولكن الكل يشترك في الإجهاز على القضية الكوردية؛ كقضية أرض وشعب وإن بدرجات متفاوتة – وهكذا فإن بعض الأطراف الكوردية، إن لم نقل أكثرها وجميعها تشترك – مع الخصوم و(الأعداء) – في هذه الجريمة بحق اللغة والتاريخ؛ بشقيه القديم والحديث، وكذلك بحق المعاهدات والمواثيق الدولية. ولكن وقبل هذا وذاك فإنها ترتكب جريمة (تاريخية) بحق الشعب الكوردي وقضيته العادلة وبالتالي فإنها أولاً وأخيراً جريمة بحق (غرب كوردستان) مصطلحاً وقضية وذلك عندما نتنكر لوجودها في خطابنا السياسي الكوردي.

المهجر – 2008