الرئيسية » مقالات » حق الدفاع المشروع عن النفس في مواجهة سياسة الإنكار من وجهة نظر القانون الدولي

حق الدفاع المشروع عن النفس في مواجهة سياسة الإنكار من وجهة نظر القانون الدولي

كشف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ضمن سياق مادته الأولى عن الحرية التي يجب أن يتمتع بها الإنسان ، باعتبارها المحور الأساس لهذا الحق ، وانصبت جميع الوثائق الإقليمية والعالمية على ما يتعلق بحرية وكرامة وحق الإنسان في تقرير المصير . وتحدث الإعلان العالمي عن المساواة في الكرامة والحقوق ، وهذا الكشف يمثل تأكيدا دوليا على الأفكار والقيم التي ثبتتها البشرية وتعاملت بها الأديان والمجتمعات ، وأجمعت عليها مما يجعلها من الحقوق التي يقرها القانون الأنساني والدولي .

وحين يؤكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على مسألة حق تقرير المصير ، فأنه يؤكد على الحرية التي يضمنها للأنسان باعتبار أن حق تقرير المصير لصيق بحرية الإنسان ، كما أن تلك الحرية تتيح له أن يختار ويقرر ويتمتع بالمركز القانوني وفقا للقانون الإنساني الدولي .

ومن خلال تلك الحرية يحق للشعوب أن تقرر مصيرها بنفسها ، وهذا الحق مطلق لايقتصر على مجموعة بشرية دون أخرى ، وحيث إن المطلق يجري على أطلاقه باعتبار أن الإنسان بشكل عام ولدا حرا لايمكن استعباده أو استعماره ، ولايمكن الغاء تلك الحرية بشكل قانوني أو شرعي الا بموافقته ورضاه وتنازله عنها ، ولايمكن بأي حال من الأحوال أن يتم تنصيب قيم أو وكيل أو راعي دون معرفته وموافقته ، وإذا كان لهذه المجموعة البشرية حق تقرير المصير فأنها بمقتضى هذا الحق تتمتع بحق تقرير مركزها القانوني والسياسي ، باعتبار أن لها كامل الحرية في السعي لبناء نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ، وهذا الحق طبيعي لايتم منحه من قبل جهة ما ,إنما هو لصيق بالحياة الإنسانية .

هذا السعي يشكل حقا يؤكد مركزها القانوني ، ويكشف عن الأبعاد الإنسانية في احترام تلك الخصوصية في الثقافة العامة والعمل السياسي والعلاقات الاجتماعية ونمط الحياة الاقتصادية

وإذا كنا لانريد الحديث عن حق شعب كوردستان في تقرير مصيره أو التمتع بالحياة وفق الأسس الإنسانية ، وإذا كنا لانريد سبر أغوار التاريخ لاستعراض ما جرى لهذا الشعب من ويلات ومؤامرات مزقته بين دول عدة ، حيث جثمت فوق صدور أبناءه سلطات غاشمة وظالمة ، لم تفكر في أن توفر له ابسط وأدنى درجات الحقوق الإنسانية ، ومنعت عنه بناء مستقبله والتمتع بالحياة الحرة والكريمة بما يكفل له الخيار في شكل السلطة أو نوع الحكم الذي يريد أو حتى بالحلم الذي يراوده .

وتلجأ الشعوب الى كل الطرق لاستعادة حريتها وكرامتها ، وتستطيع أن تناضل بالطرق المتاحة في سبيل استرداد حقوقها الإنسانية التي تقرها الشرائع ويعترف بها القانون الدولي ، وإذا كانت السلطات التي تتحكم في مصير الأجزاء المتشظية من مناطق كوردستان صماء أو عمياء تعشش في عقول حكامها الشوفينية والتطرف القومي أو المغالاة والتعصب الأعمى ، وإزاء انغلاق المنافذ واللجوء الى القوة والعنف وأساليب القمع المؤدي الى الموت أو الخطورة على حياة الجماعة ، غالبا ما تلجا تلك المجموعات مضطرة إلى اختيار النضال والكفاح المسلح لأجبار تلك العقليات على الرضوخ للأقرار بتلك الحقوق .

وحيث أن وسيلة الكفاح المسلح التي تعتمدها قوى التحرر ، دفاعا عن الاستلاب اللاقانوني في قضية الحريات وحق تقرير المصير ، هي الوسيلة التي ترسم الطريق المشروع بديلا عن طريق الحوار والتفاوض الذي ترفضه تلك السلطات وتصم آذانها عنه ، وبديلا عن الجنوح نحو الإقرار بتلك الحقوق واعتماد لغة الحوار والخروج بصيغ إنسانية مشتركة ، تلجأ تلك السلطات الى توظيف ترسانتها العسكرية بكل ثقلها لقمع تلك الأصوات والأحزاب ، فتواجه بتلك المظاهر المسلحة المتواضعة المعبرة عن رفضها لأساليب الشوفينية وإلغاء حق الأخر في الحياة ، لايتبقى أمام تلك المجموعة البشرية غير دفاعها عن نفسها وحقوقها معا ، وهو حق مشروع ومحمي قانونا .

ويمكن أن تكون تجربة الأكراد في العراق أنموذجا واضحا لتلك الحقبة التاريخية المليئة بالمرارة ، التي أكلت من تأريخ العراق زمنا مرا ليس بالقصير ، خسر فيها العراق وسلطاته العربية التي تعاقبت على الحكم كما كبيرا وطاقات وكفاءات لاتعوض من أبناء العراق ، وخسر البلد ثروات كبيرة تم توظيفها في قتال الشعب الكوردي منعا لنيل حقوقه ومطالبه العادلة ، ذهبت هدرا وهباء منثور ، وخسر شعب كوردستان أيضا عددا كبيرا من الشهداء وقدم التضحيات الجسام والدماء الغزيرة ، دون أن تتوقف المطالبة بتلك الحقوق تحت كل الظروف ، وبالرغم من الالتفاف والدوران حول تلك الحقوق ، وبعد زمن طويل توصل العراق الى أن منح جزء من تلك الحقوق هو الفيصل الذي يوصل الجميع إلى بر الأمان ويعزز من الشراكة الحقيقية في الحياة ، ويساهم في تمتين الأطر والجسور بين تلك الشعوب ضمن سلطة أتحادية مع وجود نظام فيدرالي يحقق بعض الحقوق التي ناضل الكرد في سبيلها ، وبعد كل تلك المعارك والحروب وجد العراق أن لغة الحوار والشراكة الحقيقية هي البديل المنطقي والواقعي ليقر بحق الشعب الكوردي في خياره الإنساني ، وتطوي صفحة المرارة المليئة بالفواجع ، وتبقى نابتة في الذاكرة العراقية كجزء مستقطع من الزمن العراقي .

أن سعي السلطات والحكام في تركيا الى منع شعب كردستان من استعمال حقوقه والتمتع بالحياة التي منحها له الله ، أو في توفير فرصة الاختيار وصياغة المستقبل ، يجعل من تلك الإجراءات والتصرفات والوسائل السياسية التي تسلكها السلطة عدوانا صارخا يستوجب صدها والدفاع عن تلك الحقوق وعن الوجود الأنساني مايجعله دفاعا مشروعا ، حيث يتعرض الأفراد ضمن تلك المناطق الى الانتهاك الصارخ والملاحقة والقتل والقمع والأستلاب ، مثلما تتعرض الأموال والأعراض والحريات للانتهاك ، بالإضافة الى الغاء الحقوق كليا وشطب الأخر وعدم الأقرار بالمساواة الإنسانية التي يتبجح الدستور بها وبالتالي لايكون أمام الإنسان إلا استغلال حقه المشروع في الدفاع الشرعي .

إن مفهوم حق الدفاع عن النفس يفترض وجود خصم مدجَّج بالسلاح على أهبة الانقضاض على عدوّه ، هذا الخصم يعني تلك السلطات التي تتنكر لحقوق الشعوب ، وترفض الإقرار بحقهم الإنساني والقوات المسلحة وأدواتها المستخدمة في الحرب والقتال هي الوسيلة التي تهدد الحياة لقمع الصوت المطالب بحقه الإنساني ، والتي تستغلها وتستعملها السلطات القمعية ، ووفقا لهذا فأن تلك الترسانة العسكرية متأهبة للأنقضاض على الجسد الكردستاني لشله عن الحركة أو تقييدة أو منعه كليا ، وبالتالي يكون وفقا لهذا كل الحرية والحق في سلوك الطرق والوسائل التي تصد حركة الخصم ، ويصبح قتالها دفاعا عن النفس ، ويصبح قتالها مشروعا وفقا للمعايير الدولية ، لأنها لاتصد تلك الوسائل القاتلة فحسب بل تعبر عن رفضها واستنكارها لمنطق الغاء الحقوق الذي يصاحب الوسائل القاتلة المستخدمة من قبل السلطات الشوفينية .

وإذا كان قانون العقوبات قد أخذ بمبدأ حق الدفاع الشرعي ، حيث أعتبر حق الدفاع الشرعي استعمالا لحق بمواجهة خطر حال على النفس أو على المال ، أو اعتقد المدافع قيام هذا الخطر الحال وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة ، فأن القانون الدولي يمنح ايضا الشعوب التي تناضل من أجل حريتها وكرامتها وحقوقها حق الدفاع الشرعي عن نفسها بالقوة التي تواجه بها الخطر الحال عليها ، ولغرض دفع تلك المخاطر التي تتعرض لها الجماعة ، بالإضافة الى مواجهة الفاعل الخطير مواجهة فاعلة ،ويمكن أن تؤدي سياسة التنكر لحقوق الشعوب المضطهدة والمحكومة والمحرومة من حق تقرير مصيرها الى اضطرار تلك الشعوب التمسك بتلك الحقوق ، ومواجهة تلك السياسات العسكرية والمتطرفة بما يدفع عنها خطر الفناء والموت ، فيأتي تصرفها في مواجهة تلك القوات العسكرية بالقوة المتقابلة دفاعا ليس فقط عن الحقوق والحريات ، إنما حق الدفاع الثابت عن النفس ، والدفاع الشرعي حق طبيعي وجد مع الإنسان وليس للقوانين دور فيه سوى حماية هذا الحق ، أي إن القانون لم يكن هو الذي أكتشفه أو أوجده ، إنما قامت القوانين بتنظيمه وإضفاء الصفة الشرعية عليه .

وإذ يلمس المجتمع البشري النداءات الواضحة والصريحة من جانب حركة التحرر الكردستاني التي تطالب بالحوار بديلا عن لغة الرصاص ، واستعدادها للتفاوض وحقن الدماء ، ليس من موقف الضعف إنما من موقف الثبات على المبادئ والحقوق ، فأن الإصرار على لغة الدم التي يتمسك بها ويصر على ممارستها الحكام والعقول الشوفينية الحاكمة في تركيا ، فأن هذا الأمر لايعني سوى التمسك بالخطر الحال الذي يدفع لسلوك حق الدفاع الشرعي .

هناك مبدأ قانوني معروف، وهو أن تطبيق أي قانون، سواء كان قانونا دوليا أم داخليا، ينبغي أن يتم وفق معايير وأسس القانون نفسه وليس عن طريق الخروقات الفاضحة والانتهاكات للقانون محل التطبيق ، ومادامت نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص صراحة على حق الشعوب في تقرير مصيرها ، وحقها في اختيار شكل الحكم ، فأن عدم الاستجابة لتلك النصوص يشكل خرقا إنسانيا فاضحا لذلك الإعلان ، ويعبر عن مدى الاستهانة بتلك المواثيق والنصوص التي تمسك بها المجتمع الإنساني وأصبحت معيارا للتمدن ومقياسا لحقوق الإنسان ، فإذا كانت تلك الدول تلتزم في دساتيرها بحق الإنسان واحترام كرامته ، وتقر أيضا بحقوق الشعوب المتعددة في مناطقها الجغرافية في الحياة المشتركة ، فأنها تتمسك أيضا بالمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين في نصوص لاقيمة لها دون تطبيق ، وتصبح نصوص دعائية لغرض التسويق لاتجسد الحقيقة في التعامل الإنساني ، وهذه الخروقات ليست اعتباطية أو بالصدفة إنما هي من مرتكزات تفكير الحكام الأتراك ونظرتهم لحق شعب كردستان ضمن تلك المناطق ، حيث صار المواطن الكردي في تلك الدول مواطنا من الدرجة الثانية ، أو انه من العصاة على تلك السلطات ، بالإضافة الى التردي في الخدمات والتخلف الذي يعم مناطق كردستان تركيا ، نتيجة تلك النظرة والسلوك ، هذا التمييز المباشر أو غير المباشر يشكل تمايز عنصري وكشف فاضح لحقيقة العلاقة بين السلطة وبين الإنسان في مناطق كردستان المتشظية ، حيث لاجنس أسمى من جنس ولايمكن مقياس المواطنة بدرجات مختلفة ، وبالتالي فأن الإقرار بحق تلك المجموعة البشرية يؤدي الى عدم التفريط بالأنسان وتحويل القدرات العسكرية والمادية الى مشاريع تنمية وبناء ورؤى مستقبلية تخدم الإنسانية بشكل عام ، وتمهد الطريق لقضية الحقوق والحريات التي يسعى لها الجميع .

ولكن الا يتم الالتفات الى العقل في قضية الإقرار بحق الآخر ؟ الا يمكن أن يحل الحوار والتواصل بديلا عن لغة النفخ والقتل والحروب ؟ الا تسعى تركيا في القرن الحادي والعشرين الى ترسيخ معالم للحياة الإنسانية تتناسب مع ما صارت عليه الإنسانية اليوم ؟ ثم الا يمكن الاستفادة من التجربة العراقية بعد كل هذا ؟