الرئيسية » شخصيات كوردية » مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة السادسة والخمسون والأخيرة ) عبد الرحمن الكواكبي

مشاهير الكرد في التاريخ ( الحلقة السادسة والخمسون والأخيرة ) عبد الرحمن الكواكبي


البيئة.. والفكر


ظاهرتان اثنتان تلفتان الانتباه في سيرة معظم المفكرين والأدباء الكرد:


– الأولى نزوعهم إلى الفكر العلمي المنفتح.


– والثانية نفورهم من القهر ووقوفهم ضد الاستبداد.


والحقيقة أن هاتين الظاهرتين تستحقان دراسة تحليلية معمَّقة وشاملة، وأحسب أن (ثقافة التكوين) التي تستقر (سيكولوجيا الجبال) في صميمها، والتي تشكلت الشخصية الكردية في أحضانها، تسهم بشكل فاعل في نشأة هاتين الظاهرتين، فالبيئة الطبيعية لمَواطن الكرد تزخر بالتنوّع والانفتاح على الآخر، فصار التنوّع جزءاً من رؤيته إلى الحياة والكون، كما أن قمم الجبال وصلابتها عوّدته عشق الحرية، وربّته على النزوع إلى رفض القهر والاستبداد.


وتتجلى هاتان الظاهرتان في سيرة عدد من المفكرين والأدباء الكرد القدامى ونتاجهم، نذكر منهم على سبيل المثال الفيلسوف المتصوف شهاب الدين السَّهْرَوَرْدي (قتل سنة 587 هـ/1191 م)، والمفكر الفيلسوف السيف الآمدي (ت 632 هـ)، وقد ذكر الشهاب الآلوسي في كتابه ( نزهة الألباب ) أنه لما دخل الشيخ خالد النقشبندي (شيخ الطريقة النقشبندية، توفي سنة 1242 هـ / 1827 م) بغداد، قال له محدّث العراق النور علي السويدي البغدادي في جمهور كبير:


” بئس ما يفعله أكثر علماء الأكراد اليوم؛ لاشتغالهم بالعلوم الفلسفية، وهجرهم لعلوم الدين كالتفسير والحديث، عكس ما يفعله علماء العرب. فقال له المترجم: كِلا الفريقين طالب بعلمه الدنيا الدنية، وطلبها بقال أرسطو أو قال أفلاطون خير من طلبها بقال الله وقال رسوله، فإن الدنيّ يطلب بدنيّ مثله “. فسكت السويدي.


وقديماً كان حماة الفكر الظلامي لا يسمحون بالإفصاح عن الآراء المتحررة، وكانوا سرعان ما يطوّقونها، ويفتكون بأصحابها، ويرمون بها في ظلمات التاريخ، غير أن الصورة تغيّرت بعض الشيء مع العصر الحديث، وبعد وصول أفكار الثورة الفرنسية (1789 م) إلى الشرق مع حملة نابليون سنة (1798-1801)، ولو تتبّعنا الآراء المتحررة على الصعيد الديني، والاجتماعي، والسياسي، في غربي آسيا منذ أوائل القرن العشرين، لوجدنا أن للعلماء والأدباء الكرد بينهم حصةً متميّزة.


وحسبي أن أشير في هذا المجال إلى الآراء الجريئة لكل من الشاعرين الكرديين جميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي في العراق، وآراء قاسم أمين بشأن تحرير المرأة في مصر، وكذلك التجديد الذي أدخله كل من الأخوين محمود تيمور ومحمد تيمور في مجال القصة، والطريقة الجديدة التي أدخلها العلاّمة أحمد أمين في قراءة التاريخ، والتجديد الديني الذي قام به العلاّمة سعيد نورسي في تركيا. ونتناول في هذه الحلقة ثورة فكرية أحدثها عبد الرحمن الكواكبي، على صعيد الفكر السياسي والاجتماعي، في بلاد الشام ومصر.


لكن قبل ذلك: ماذا عن أصل هذا المفكر؟


وماذا عن سيرته؟


ما أصل الأسرة الكواكبية؟


سؤال في غاية الأهمية، ولا قيمة لإدراج اسم عبد الرحمن الكواكبي ضمن قائمة مشاهير الكرد، ما لم نُجب عن هذا السؤال، وقد اختلفت المعلومات والآراء في هذا الشأن، وإليكم بعض ما قيل في ذلك:


§ ” يبدو أن أول من اشتهر منهم بالكواكبي هو محمد أبو يحيى الكواكبي ابن صدر الدين الأردبيلي، ونَسَبه كما رأينا إلى بيت الصفوي، انتقل إلى حلب ولبث فيها، وعُرف بالكواكبي؛ لاتصال أحد أسلافه بآل الكواكبي من جهة النساء المعروفين عندنا بهذا النسب، كما يقول المؤرخ الأستاذ كامل الغَزّي في مجلة الحديث ” (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 13).


§ بشأن أبي يحيى الكواكبي: ” قال المؤرخون فيه إنه كان حنفياً، يُعرف من قبل بالبيري نسبة إلى (البِيرة) قرب حلب، ثم عُرف بالكواكبي، لأنه كان مبدأ أمره حداداً يعمل بالمسامير الكواكبية، ثم فتح الله عليه، فسلك طريق الصوفية، وحصلت له شهرة زائدة، حتى كانت الأمراء تأتي إلى بابه، … وربما كان يسير في طرقات حلب، فيهتمّ الناس بتعظيمه وتقبيل يديه ” (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 13).


§ ” يرى المؤرخون أن الكواكبي ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب، ويذكرون في شجرة النسب عَلَمين من أَرْدَبيل، هما صفي الدين الأردبيلي، وصدر الدين الأردبيلي، ويقولون: إن من أحفاد الشيخ صفي الدين الأردبيلي رجل يسمى (علي سياه بوش) خرج إلى بلاد الروم، ولما وصل إلى حلب بقي فيها، وتزوّج من حلبية، ثم رجع إلى بلاده، ومن ذريته كان الكواكبي ” (محمد عبد الرحمن برج: عبد الرحمن الكواكبي، ص 46).


§ قال عباس محمود العقاد: ” ينتسب الكواكبي من أبويه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه”، وأورد العقاد نسباً طويلاً للأسرة الكواكبية، نجد في سلسلته صدر الدين موسى الأردبيلي، وصفي الدين إسحاق الأردبيلي، وفيروز شاه البخاري، واعتمد العقاد في ذلك على ما نقله الشيخ راغب الطباخ في كتابه (أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء)، ونقله الطباخ بدوره من كتاب (النفائح واللوائح من غرر المحاسن والمدائح) لمؤلفه حسن بن أحمد بن أبي السعود الكواكبي (العقاد: عبد الرحمن الكواكبي، ص 40 -41).


§ ذكر المؤرخون من آل الكواكبي ” أن نسبهم من جهة الأم يتصل بمحمد الباقر بن علي زين العابدين بن الإمام السبط الشهيد الحسين، وأن في هذا النسب بني الزهراء ” (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 12).


§ ” آل الكواكبي أسرة قديمة في حلب، هاجر إليها أجدادهم منذ أربعة قرون، ولهم شهرة واسعة ومقام رفيع في حلب والأستانة، ويرجعون بأنسابهم إلى السيد إبراهيم الصفوي أحد أمراء أردبيل العظام، ولهم آثار مشهورة منها المدرسة الكواكبية في حلب، ونبغ منهم جماعة كبيرة من العلماء ورجال الإدارة ” (جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق، 2/439).


§ ” والأسرة التي ينتسب إليها هي أسرة عربية قديمة، عاش أجدادها في حلب، وكان قدوم أولهم إليها، وهو إبراهيم الصفوي الذي توفي فيها عام (851 هجرية = 1447 ميلادية)، وقد قَدِم من أردبيل مقرّ الأسرة الصفوية إلى الرَّحْبة أولا… على الفرات، … ثم انتقل إلى البيرة [بيره جِكْ، تابعة لولاية أورفا الكردية في جنوب غربي تركيا حالياً] وهي على الفرات أيضاً، وانتقل بعدها إلى حلب، وتزوج من أسرة (بني زهرة) نقباء أشرافها. وإبراهيم الصفوي الأردبيلي هذا من الأسرة الصفوية العربية المنتسبة إلى صفيّ الدين الأردبيلي، وقد تولى بعضهم حكم إيران، ومنهم الشاه إسماعيل الصفوي “. (الكواكبي: الأعمال الكاملة للكواكبي، المقدمة بقلم حفيده عبد الرحمن الكواكبي، ص 16).


§ ” خلّف إبراهيم الصفوي ابناً هو محمد (أبو يحيى الكواكبي)، وهو أول من لُقّب بالكواكبي، تخصص بالعلوم الدينية، واشتهر بالعلم والتقوى، وكان يلقي دروسه في مسجد ابتناه في حيّ الجَلُّوم، وهو ما زال قائماً إلى اليوم، ودفن فيه عند وفاته في عام (897 هـ = 1491 م)، وقد أمر السلطان قانصوه الغُوري كافله في حلب سيباي الجركسي بإشادة قبّة فوق ضريحه، وبجانب المسجد توجد المدرسة الكواكبية، حث تلقّى أبناء الأسرة علومهم ” (السابق، ص 17).


إن هذه المعلومات تفصح عن اتجاهين:


1 – الاتجاه الأول يرى أن أسرة الكواكبي تنتسب إلى الإمام الحسين بن علي، عبر الشيخ صفي الدين الأردبيلي جد الأسرة الصفوية، ولذلك عُدّت أسرة عربية الأصل.


2 – الاتجاه الثاني يرى أن أسرة الكواكبي تنتمي إلى آل البيت من جهة النساء فقط، باعتبار أن الجد إبراهيم الصفوي تزوّج من أسرة (بني زهرة)، وهي أسرة من الأشراف (آل البيت).


والملاحظ أن أبناء الأسرة الكواكبية هم أكثر المتحمسين لمسألة انتماء الأسرة إلى آل البيت وإلى العرب، لكن الجميع متفق على أن الأسرة ليست حلبية عريقة، وإنما قدمت من أردبيل، وأنها سليلة الأسرة الصفوية.


أما الدكتور كميل الحاج في كتابه (الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، ص 470) فذكر معلومة مختلفة، وقال في ترجمة عبد الرحمن الكواكبي ما يلي: ” مفكر إسلامي إصلاحي سوري، ولد في قرية الحديث بالقرب من حلب، من أسرة كردية غنية “، ولم يذكر الدكتور كميل المصادر التي استقى منها معلومته هذه، ومع ذلك لا نشك في أنه لم يختلقها اختلاقاً، ولا بد أنه اطّلع عليها في مصادر معيّنة، إذ لا يُعقل أن يؤلف باحث موسوعة علمية ضخمة محترمة، ويضمّنها معلومات مختلقة، يحتطبها كيفما كانت.


ومهما يكن فقد يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تناقضاً واضحاً بين ما ذهب إليه الحاج وما ذهب إليه الآخرون- ولا سيما أبناء الأسرة الكواكبية- بشأن أصل الأسرة الكواكبية، والحقيقة أنه لا تناقض، وإنما الأمر بحاجة إلى القيام بالحفر العميق في طبقات تاريخ غربي آسيا، ثم ربط المعلومات بعضها ببعض، ورفدها بمعلومات أخرى، لسدّ الثغرات وإضاءة المناطق الغامضة والمظلمة في الصورة الكلية، وأسوق في هذا المجال معلومتين:


§ المعلومة الأولى: جاء في كتاب (مذكرات مأمون بك بن بيگه بك، ص 19 – 20، هامش 9) لصاحبه (مأمون بك بن بيگه بك)، بشأن ترجمة الشاه إسماعيل الصفوي ما يلي: ” إسماعيل بن حيدر بن الشيخ جُنيد الصفوي من أحفاد الشيخ صفي الدين الأردبيلي الذي كان صوفياً ورعاً من قرية سنجان الكردية، صاهر الشيخ زاهد الگيلاني الكردي “. وهوامش الكتاب من إعداد معرّبَي الكتاب الأستاذ محمد جميل الروژبياني والأستاذ شكور مصطفى، وواضح، من خلال المعلومات التاريخية والجغرافية التي كتبها المعرّبان في الهوامش، أنهما خبيران بتاريخ العراق وكردستان وإيران.


§ المعلومة الثانية: أوردها مهرداد إيزادي Mehrdad R. Izady في كتابه (The Kurds، ص 50)، واستمدها من كتاب بالفارسية عنوانه (صفوة الصفاء)، وهو في مناقب الشيخ صفي الدين إسحق الأردبيلي (ت 1334 م)، ومن تأليف ابن البزّاز الأردبيلي، وكتب مهرداد ما يلي: ” ذكر ابن البزّاز أن بِيرُوز شاه زَرِّينْ كُولاّه Piroz Shah Zarrin Kullah، جد الشيخ صفي الدين، كردي، وقد هاجر مع عشيرة كردية كبيرة من منطقة سنجار في سوريا الحديثة خلال القرن العاشر الميلادي، وكانت العشيرة دِمِلية Dimila على الغالب، واستقرت في المنطقة الجبلية الواقعة جنوب غربي بحر قزوين، قرب أردبيل، … وعاش صفي الدين حياة تقية في أردبيل، وكان سُنّياً شافعي المذهب، مثل معظم الكرد إلى الآن، والأبيات القليلة الباقية من شعره أقرب إلى اللهجة الدملية (الدُنْبُلية) منها إلى اللهجة الكرمانجية “.


وأعتقد أن هاتين المعلومتين مهمتان جداً، وعلى ضوئهما يمكن إزالة الغموض الذي يحيط بالأسرة الصفوية، وعلى ضوئهما أيضاً، يمكن تصحيح الأخطاء المتعلقة بأصل الأسرة الكواكبية، سليلة الأسرة الصفوية، والتثبّت من أنها أسرة كردية الأصل كما ذكر الدكتور كميل الحاج في موسوعته.


ماذا تقول الجغرافيا؟


وللتوضيح أكثر دعونا نستعن بالجغرافيا، إذ لا تاريخ من غير جغرافيا:


§ ذكر حاجي خليفة اسم كتاب (صفوة الصفا) في كتابه (كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)، وقال ما يلي: ” صفوة الصفاء، فارسي، في مناقب الشيخ صفي الدين الأردبيلي وآبائه وأولاده، للمتوكل بن إسماعيل البزّاز، ذكره خواندمير في (حبيب السير) “. وقد ألف ابن البزّاز كتاب (صفوة الصفاء) سنة (1357 م)، وكان معاصراً للشيخ صفي الدين، وقام بزيارته.


§ عبارة (زَرّين كولاّه Zarrin Kullah) كردية صرف، وتعني (صاحب القَلَنْسُوة الصفراء، أو الذهبية)، وها هنا يمكننا ملاحظة العلاقة بين اللون الأصفر الذهبي ولون الشمس، وصلة ذلك بمكانة الشمس في الميثولوجيا الكردية.


§ أضاف مهرداد إيزادي في كتابه (The Kurds، ص 50) يقول: ” إن الحضور الكردي لم يغب عن منطقة أذربيجان، وعلى الرغم من سيطرة الترك على سهول أذربيجان غرباً، منذ أيام الشيخ صفي الدين، ما تزال قبيلتان كرديتان تقيمان، إلى هذا اليوم، في الجبال الواقعة جنوبي أردبيل، وهما قبيلة شاترانلو Shatranlu، وقبيلة كردبگلو Kurdbeglu “. ونضيف إلى ما قاله مهرداد أن الحضور الكردي في أذربيجان يعود إلى العهد الميدي، ولم تتغير الديموغرافيا الكردية في أذربيجان إلا بعد الغزو السلجوقي في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، وقضاء السلاجقة على الدولة الشَّدّادية الكردية التي كانت قائمة في أذربيجان، وبالذات في المنطقة التي تقع فيها أردبيل، ثم عزّز الغزو التتري بقيادة تيمورلنك خلخلة الحضور الكردي في تلك المنطقة، وجعل السيادة للتركمان وللغة التركية.


§ عُرف الشيخ صفي الدين باسم صفي الدين إسحاق السنجاني الأردبيلي، وتقديم لقب (السنجاني) على لقب (الأردبيلي) دليل على أن الأسرة الصفوية تعود بجذورها إلى (سنجان)، وليس إلى (سنجار)، وأحسب أن ثمة تصحيفاً بين (سنجان و سنجار) في المرجع الذي استقى منه مهرداد المعلومة، والتصحيف في مثل هاتين الكلمتين ممكن بل كثير، كما أن القسم الأكبر من منطقة سنجار يقع حالياً في العراق وليس في سوريا.


§ بالعودة إلى كتب البلدان تبيّن أن (سَِنجان) اسم لقرى في عدة مناطق، منها قرية بباب الأبواب، حسبما ذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدان، 3/263) وباب الأبواب هذا يقع في القوقاز على التخوم الشمالية للمناطق الكردية.


§ قال المقدسي في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 374): “وأما أرمينية فإنها كورة [منطقة فيها قرى] جليلة … قصبتها دَبيل، ومن مدنها: بَدليس، خِلاط، أَرْجيش، بَركري، خُوي، سَلماس، أُرْمية، داخرقان، مَراغة، أَهْر، مَرَِنْد، سَِنْجان، قاليقلا، قندرية، قلعة يونس، نورين “.


§ لن نشغل أنفسنا الآن بالخلل في استعمال المصطلح الجغرافي عند بعض المؤرخين والجغرافيين المسلمين القدماء، فالمقدسي مثلاً جعل أرمينيا تشمل قسماً من أذربيجان ومن شمالي كردستان، وذكر مدينة (مَرَنْد) ضمن مدن أرمينية، ثم عاد فذكرها ضمن مدن أذربيجان، بلى لنرح أنفسنا الآن من هذه المعضلة، ولنقرأ ما قاله المقدسي ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 377) في وصف بعض تلك المدن، قال: ” دَبيل: بلد جليل عليه حصن منيع، والخير به كثير، اسمه كبير… يضبطه الأكراد “. وقال ( أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 377): ” سَلماس: طيبة عليها حصن من طين وحجارة، وبها نهر غزير، والجامع على طرف السوق قد أحاط بها الأكراد “. وقال (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، ص 377): ” مَرَنْد حصينة يحدق بها البساتين، لها ربض عامر والجامع …. قندرية مدينة أحدثها الأكراد “. وما لم يقله المقدسي أن (مَرَنْد) مدينة كردية، كان صاحبها في القرن الثالث الهجري عِصْمة الكردي، وهو من أشهر القادة الميدانيين في ثورة بابك الخُرَّمي ضد الدولة العباسية، وقد قُبض على عصمة غدراً، وقتل سنة (218 هـ)، وللمزيد انظر (حسين قاسم العزيز: البابكية، ص 177. وMehrdad Izady: The Kurds, p. 42. ).


إن هذه المعلومات الجغرافية لا تدع مجالاً للشك في أن (سنجان) قرية أو مدينة كردية حقاً، وأن بيروز شاه زرّين كولاّه، الجد الأكبر للأسرة الصفوية، كان كردياً، وهو نفسه فيروز شاه الذي ذكره العقاد في سلسلة نسب الأسرة الكواكبية، نقلاً عن الشيخ راغب الطباخ كما مر، وانتقل الجد الأكبر بيروز شاه من جغرافيا كردية إلى جغرافيا شبه كردية. ولنا أن نخلص من كل ما سبق إلى أن مهرداد إيزادي، وغيره من الباحثين الكرد، كانوا على صواب حينما أكدوا الأصل الكردي للأسرة الصفوية، وأن الدكتور كميل الحاج كان على صواب أيضاً حينما ذكر أن عبد الرحمن الكواكبي من أسرة كردية.


وبقي أن نقف عند أمرين:


الأمر الأول: حقيقة الأسرة الصفوية، ولنعد إلى حفريات التاريخ مرة أخرى، فقد علمنا أن الشيخ صفي الدين إسحاق كان سنّياً شافعي المذهب، وظل الأمر كذلك في عهد ابنه الشيخ صدر الدين موسى، ثم في عهد الشيخ علاء الدين (1392 – 1449 م)، وفي عهد هذا الشيخ اجتاح تيمورلنك غربي آسيا، وانتصر على السلطان العثماني بايزيد الأول، وأسر آلافاً من جنوده التركمان، وكان تيمورلنك يجلّ مشايخ الطرق الصوفية، فزار في طريق العودة إلى عاصمته طشقند مقرّ الشيخ علاء الدين علي، وإكراماً له أفرج عن ثلاثين ألفاً من الأسرى التركمان، ووهبهم له، وصار هؤلاء وأبناؤهم وأحفادهم فيما بعد من أبرز مريدي الأسرة الصفوية، وقوام جيشها، وقوتها الضاربة (عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية – الإيرانية، ص40 – 41).


وقد تحوّلت الأسرة الصفوية من المذهب السنّي إلى المذهب الشيعي الاثني عشري على يد الشيخ حيدر (1460 – 1488 م) ابن الشيخ جُنيد، ابن الشيخ إبراهيم، ابن الشيخ علاء الدين علي، وانتقلت الطريقة الصفوية من الطور الديني إلى الطور العسكري؛ إذ نظّم الشيخ حيدر مريديه تنظيماً عسكرياً جيداً، واختار لأنصاره لباساً خاصاً؛ يتميّز بقلنسوة حمراء ذات اثنتي عشرة شقّة (تيمّناً بأئمة الشيعة الاثني عشر)، لذلك عُرف الصفويون عند العثمانيين بأصحاب الرؤوس الحمر (قِزِلْ باش) (عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية – الإيرانية، ص 41).


واستثمر إسماعيل الصفوي (1501 – 1524 م) ابن الشيخ حيدر القوة القَبَلية التركمانية التابعة له من بعد أبيه، وهي قبائل روملو، وشاملو، واستاجلو، وتكه لو، وذلقادر، وقاجار، وأفشار، فوسّع نفوذه، وخاض الحروب ضد حكّام المقاطعات المجاورة لأذربيجان، وأسس الدولة الصفوية بقيادة كردية تركمانية، وبثقافة فارسية، وتوّجه أتباعه التركمان شاهاً على بلاد إيران (عبّاس إسماعيل صبّاغ: تاريخ العلاقات العثمانية – الإيرانية، ص 42- 44).


وبمقارنة بين التواريخ يتضح أن الجد الأول للأسرة الكواكبية (إبراهيم الصفوي) قدم إلى غربي كردستان (البيرة = بيره جيك) خلال الغزو التيموري لغربي سيا، وأن الأسرة الصفوية كلها كانت حينذاك سنية المذهب.


والأمر الثاني: لماذا لم يفصح أبناء الأسرة الكواكبية عن أصلهم الكردي، مع علمهم بأن جدهم الأول إبراهيم هو من الأسرة الصفوية؟ ولماذا ألحّ المتأخرون منهم على الانتساب إلى آل البيت، وألحّ الحفيد عبد الرحمن بن فاضل بن عبد الرحمن الكواكبي على عروبة الأسرة؟


الأمر مُشكل حقاً، ونرى من جانبنا ما يلي:


1 – كان سادة الطرق الصوفية- وما زالوا – حريصين على الانتساب إلى آل البيت؛ لعلمهم بأن المسلمين، ولا سيما العَوامّ- يجلّون كل من ينتسب إلى ذرية السيدة فاطمة بنت النبي محمد، ويضفون عليهم القداسة، وكانوا سادة الطرق الصوفية يعلمون أن الانتساب إلى آل البيت يجلب لهم المريدين والأموال، إضافة إلى احترام الحكام، فكيف يُفلت الشيخ الكردي صفيّ الدين أو أحد أولاده هذه الكيمياء السحرية من يده، فلا يتجرد من كرديته، ولا يدّعي النسب العربي؟! وما الذي يمنعه في ذلك الوسط البدائي من الانتساب إلى آل البيت، وهو الرجل المعروف بالزهد والتقوى والصلاح، وتلك هي الخصال المشهورة عن آل البيت؟!


2 – بعد أن اصطنع الجد تلك الكيمياء السحرية (الانتساب إلى آل البيت)، وبنى بها مجداً رفيعاً، حتى عند الغزاة العتاة من أمثال تيمورلنك، كان من الغباء أن يتخلّى أبناؤه وحفدته عن المكاسب الثمينة، ويخسروا المزايا التي تجرّها عليهم تلك الكيمياء، ومعلوم أن معظم أصحاب الطرق الصوفية يخفون تحت عباءة التقوى فلسفة براغماتية انتهازية في الغاية من الذكاء، وخير دليل على ذلك أنهم كانوا على وئام مع الحكّام المستبدين طوال تاريخهم، وكان هؤلاء يفخّمون شأنهم بين العامة، ويبنون لهم الخانكاهات، وحبّذا العودة إلى رواية (الطريق الوحيدة) للكاتب التركي الجنسية عزيز نيسين، لنجد كيف تعاونت السلطة مع الآغا، وصنعت من شخص محتال وسكّير ونزيل دائم للسجون اسمه (باشا زاده) شيخاً جليلاً تتبرّك به العامة اسمه (الشيخ العرُياني).


3 – ما الذي يشجّع الأسرة الكواكبية،أو غيرها من الأسر الكردية المستعربة والمستتركة والمستفرسة، على الانتساب إلى الأصل الكردي؟ فقد أشيع في بعض كتب التاريخ الإسلامي (السنّية والشيعية) أن الكرد ليسوا من أبناء آدم الأسوياء، وإنما هم نتاج علاقة الزنا بين الإماء الأوربيات والجن العفاريت الكفار طبعاً، في غفلة من النبي سليمان، وجاء في كثير من تلك المصادر، وفي كتب تفسير القرآن، أن الشخص الذي أشار على نمرود بإحراق النبي إبراهيم كان كردياً، فالكرد إذاً ليسوا أبناء الجن الكفار فقط، بل هم حَرَقة أنبياء الله أيضاً، وجاء في تلك المصادر أيضاَ أن الكرد (أعراب فارس)، وهم المقصودون بعبارة (قوم أُولي بأس شديد) في الآية [ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ] (سورة الفتح/الآية 16)، وأشيع في كتب التاريخ والبلدان والأدب أيضاً أن الكرد قوم همج، وقطّاع طرق، لا يعرفون غير السلب والنهب، فهل في هذا ما يشجّع مشايخ الطرق الصوفية الأتقياء، وعلماء الدين المحترمين، على الانتساب إلى الكرد؟


4 – ليست الأسرة الصفوية وسليلتها الأسرة الكواكبية وحيدة في إخفاء نسبها الكردي والهرب منه، ألم تفعل الأسرة البَرْمَكية ذلك في العهد العباسي؟ ألم يفعل ذلك في العصر الحديث رجالات الأسرة التيمورية، والمفكر قاسم أمين، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والشاعر معروف الرصافي، والعلاّمة محمد كرد علي، وخير الدين الزركلي، وغيرهم كثيرون؟ ومنذ بضع سنوات فَقَد عالم ديني كبير وعريق في كرديته صوابَه، وتناسى الآية القرآنية [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى] (سورة الأنعام/ الآية 164)، وامتطى صهوة أحد المنابر، وأعلن للملأ بملء فيه أنه يضع نسبه الكردي تحت قدمه، غضباً من مواقف اتخذها بعض الكرد، وعدّها هو من الآثام؟ فهل قرأتم أو سمعتم أن ثمة مفكراً أوعالم دين تبرّأ من نسبه بسبب مواقف معيّنة لبعض أبناء قومه غير علماء الكرد؟ حسناً، إذا كان في التاريخ قديمه وحديثه طوابير من الأسر الكردية التي فرّت من نسبها الكردي، وطوته عن الأعين، فأين هو العجب من أن يفعل جدود الأسرة الكواكبية ذلك أيضاً؟


سيرة الكواكبي


بعد هذه الرحلة الطويلة – ولا أشك في أنها كانت متعبة- مع التاريخ والجغرافيا، بحثاً عن الأصل الكردي للأسرة الكواكبية، لنعد إلى سيرة عبد الرحمن الكواكبي، فثمة اتفاق على أن اسمه هو عبد الرحمن بن أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي، وأنه ولد بحلب في 23 شوال سنة (1271 هـ = 1855م)، مع اختلاف طفيف في سنة الميلاد، وتوفيت والدته سنة (1276 هـ = 1859 م) وهو في الخامسة من عمره، فكفلته خالته صفيّة النقيب، وكانت متعلمة مثقفة، اصطحبته معها إلى أنطاكية، وهناك تعلم القراءة والكتابة والتركية، وحفظ شيئاً من القرآن الكريم، ثم عاد إلى حلب، وأكمل تعليمه مع شيء من الفارسية، ودرس العلوم الشرعية في المدرسة الكواكبية، ووقف على العلوم الرياضية والطبيعية وغيرها من العلوم الحديثة (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص145- 17. الأعمال الكاملة، ص 18).


ووصف ابنه أسعد أباه عبد الرحمن في مجلة الحديث قائلاً: ” كان رَبْعة [متوسط القامة] إلى الطول أقرب، قوي البنية، صحيح الجسم، عصبي المزاج بتأنّ، أشهل العينين، أزجّ الحواجب، أبيض اللون، واسع الفم، عريض الصدر، أسود شعر الرأس والذقن، متأنّق في لباسه، جسوراً غير هيّاب فيما يعزم عليه، يتكلم بجهر هادئ وسلاسة وابتسام، يُحسن السباحة والصيد والفروسية ” (الأعمال الكاملة، ص 22).


وتزوّج الكواكبي فاطمة بنت الشيخ محمد علي الكحيل أحد أساتذته، وأنجب منها تسعة أولاد، منهم خمسة ذكور أكبرهم كاظم، وأصغرهم فاضل والد الحفيد عبد الرحمن، ويقول الحفيد عن جده ” كان ملتزماً أن يكون نهضوياً في بيته، فكان حريصاً على تربية أولاده ذكوراً وإناثاً أحسن تربية، وعلى تنشئتهم أخلاقياً وثقافياً تنشئة ممتازة، فلقد وجّه أولاده لدراسة العلوم الحديثة، فمنهم طبيبان وصيدلي ومهندس زراعي”، وكان أباً طيّباً رحيماً، شديد العطف على أسرته، كثير المزاح، دَمْث الأخلاق، حلو الحديث، شديد اللطافة، كثير الاهتمام بتفاصيل حياة أسرته (الأعمال الكاملة، ص 18، 21).


ويُفهم مما رواه الحفيد أن أسرة عبد الرحمن الكواكبي كانت غنية، لكنها صارت متوسطة الحال بعدئذ، والسبب أن الجد أضاع الكثير من ماله خلال حياته الحافلة بالنفقات والزوّار والضيوف، ومساعدة الفقراء، ودفع الغرامات التي كانت الدولة تفرضها عليه؛ مما اضطره إلى بيع الأراضي التي كان يملكها، وكان للأسرة أراض خصبة في الريحانية ( في لواء الإسكندرون، تقع جنوبي منطقة عفرين)، وكان في تلك الأراضي مياه وبساتين، وقد صادرتها الإدارة العثمانية، وأسكنت فيها جماعة من التركمان (الأعمال الكاملة، ص 20 – 21).


ويبدو أن الأسرة الكواكبية كانت في خصومة مع أسرة شيخ الإسلام أبي الهدى الصيادي الحلبي، شيخ الطريقة الرفاعية، وشيخ مشايخ الطرق في الدولة العثمانية، بشأن نقابة الأشراف، وقد ظفر أبناء أسرة الصيادي بها، نتيجة رضا الحكّام عنهم، ونفورهم من الأسرة الكواكبية (العقاد: عبد الرحمن الكواكبي، ص 48).


وكان الكواكبي يجمع بين الثقافة الواسعة والنزعة العلمية، إنه كان رجل العلم والعمل، وكان في جميع الأحوال رجل الإصلاح، وقد مال منذ حداثة سنّه إلى صناعة القلم، واشتغل في تحرير جريدة (فُرات) التي كانت تصدر بحلب باسم الحكومة، وأنشأ سنة (1878 م) جريدة (الشهباء)، بالاشتراك مع هاشم العطار، وهي أول جريدة عربية صدرت في حلب، وأغلقت الجريدة بأمر الوالي العثماني بعد صدور (15) عدداً، فأنشأ الكواكبي جريدة (الاعتدال) سنة (1789 م) بالعربية والتركية، فألغاها الوالي العثماني أيضاً، و قد عُيّن عضواً فخرياً (بغير راتب) في لجنتي المعارف والمالية، ثم عيّن عضواً فخرياً في الأشغال العامة، ثم محرراً للمقاولات، ثم عيّن عضواً فخرياً في لجنة امتحان المحامين، وكانت الحكومة جعلته مديراً فخرياً لمطبعة الولاية الرسمية سنة (1882 م)، ورئيساً فخرياً للجنة الأشغال العامة (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 21).


وكان حب الإصلاح وحرية القول باديتين في كل عمل من أعمال الكواكبي، ولما عُيّن رئيساً لبلدية حلب سنة (1892 م) قام بإصلاحات كثيرة، منها أنه جرّ خطاً حديدياً من مرفأ السويدية إلى حلب، وسعى في جرّ مياه نهر الساجور قرب مدينة عينتاب إلى حلب، وسعى لإنارة المدن بالكهرباء في حلب وفي أطرافها بِيره جِك ومرعش وأورفا، وكانت تابعة آنذاك لحلب، بوساطة شلال يحدثه من نهر العاصي قرب مدينة دَرْكُوش، وقام بتجفيف أراضي العمق، كما أنه قطع أسباب الرشوة بأن زاد في رواتب عمال البلدية وموظفيها، وعندما عزله الوالي من رئاسة البلدية أعاد رواتب العاملين في البلدية إلى ما كانت عليه، وألزم الكواكبي بدفع ما كان زاده لهم مدة رئاسته إلى صندوق البلدية (سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 24- 25. الأعمال الكاملة، ص 23).


وقد أمضى الكواكبي الشطر الأكبر من عمره في عهد السلطان العثماني عبد الحميد (1876 – 1909)، ومعروف أن عهد هذا السلطان كان عهد القهر والاستبداد، وكان من الطبيعي أن يقف الكواكبي- وهو مثقف متنوّر محب للعدالة والحرية، مدافع عن كرامة الإنسان- موقف الغاضب على الاستبداد والمستبدين، واكتشف أن الولاة ورجال الحكم لن يتركوا المجال له أو لغيره كيف يُصلحوا الأمور، وأدرك أن الإصلاح لا بد أن يكون شاملاً، ويكون على صعيدين اثنين:


§ الصعيد الأول ثقافي: ويتمثل في نشر العلوم، ليس العلوم التقليدية (الشريعة، الأدب، …) فقط، وإنما العلوم العقلية والتقنية أيضاً.


§ الصعيد الأول سياسي: ويتمثّل في تغيير الفكر السياسي الاستبدادي الذي رسّخته السلطنة العثمانية في العقول والنفوس.


وقد نذر الكواكبي نفسه لتنفيذ مشروعه الإصلاحي الشامل، فبدأ بتأليف كتابه الأول (أمّ القرى)، ونشر بعض أفكاره بين بعض المثقفين والشبيبة، لكن كيف له أن يستمر في نشاطه التنويري وجواسيس الحكومة يتابعونه، ويحصون عليه كلماته وأفعاله؟ وقرر الكواكبي السفر إلى مصر ليتمكن من نشر أفكاره، إذ كانت مساحة حرية الكلمة هناك، في ظل أسرة محمد علي باشا، متاحة إلى حد ما، وكانت مصر حينذاك ملجأ لعدد من مثقفي بلاد الشام الآخرين، ومنهم الشيخ رشيد رضا، واحتفظ الكواكبي بقرار السفر إلى مصر سراً، وأخفاه حتى عن أسرته، وأوهم الجميع أنه مسافر إلى إستانبول لأمور تتعلق بوظيفته الجديدة في راشيّا بلبنان، ووصل إلى القاهرة عبر ميناء الإسكندرون فميناء الإسكندرية سنة (1899 م)، وسكن في حي الإمام الحسين قرب جامع الأزهر.


وفي القاهرة طبع الكواكبي كتابه (أم القرى) بتوقيع مُغْفل هو (السيد الفراتي)، وكان قد أخذه معه مخطوطاً من حلب، وعندما طبعه أرسل نسختين إلى الخديوي عباس، ونسخةً إلى كل من الشيخ محمد عبده، والشيخ علي يوسف صاحب جريدة (المؤيَّد) القاهرية، وسُرّ الخديوي بالكتاب، وطلب من محمد عبده واليوسف السعي لمعرفة صاحبه، ففعلا ذلك، وكان الخديوي عبّاس يطمح إلى منصب الخلافة، وبما أن الكواكبي قد دعا في (أم القرى) إلى نزع الخلافة عن الترك، وإرجاعها إلى العرب، فقد لقيت هذه الدعوة صدًى طيباً عند الخديوي، ووجد أنها تخدم مشروعه السياسي الطموح (الأعمال الكاملة، ص 29. سامي الدهان: عبد الرحمن الكواكبي، ص 30).


وأما كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) فإن الكواكبي أخذه معه إلى مصر أوراقاً متفرقة، وبدأ ينشره على شكل مقالات في جريدة (المؤيَّد)، وجمعها بعد ذلك وأصدرها في كتاب، ثم أدخل عليه تعديلات واسعة وإضافات، وبقي محفوظاً لدى الحفيد عبد الرحمن، إلى أن قام بطباعته طبعة جديدة سنة (1973 م) (الأعمال الكاملة، ص 30).


وخلال إقامة الكواكبي في مصر قام بسياحتين كبيرتين، شملت سواحل إفريقيا الشرقية والجنوبية، والجزيرة العربية واليمن، ومما يُذكر له أنه قام رحلة لم يسبقه أحد إليها، إذ أوغل في أواسط جزيرة العرب، وأقام على متون الجمال نيفاً وثلاثين يوماً، وقطع صحراء الدَّهْناء إلى اليمن، كما أنه زار الهند، ومنها سافر إلى جاوَه وسواحل الهند الصينية والصين الجنوبية، وثمة من يرى أن تلك السياحات كانت بتشجيع من الخديوي عباس، كي يلتقي بزعماء وقادة تلك البلدان، ويمهّد الأمر لنزع الخلافة عن السلطان العثماني، وإسنادها إلى الخديوي (الأعمال الكاملة، ص 30. جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق، 2/440).


كتاب (أم القرى)


يرى أحمد أمين أن كتاب (أم القرى) أكثر دلالة على الابتكار من كتاب (طبائع الاستبداد)، وأكثر إفصاحاً عن شخصية الكواكبي، وأن هذا الكتاب ” بحثٌ مبتكر، يدل على كبر عقله، وقوة تفكيره، وسعة اطلاعه، وصدق غيرته على العالم الإسلامي” (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص 273).


وقد وقف الكواكبي في (أم القرى) من المسلمين موقف الطبيب من المريض، وتحدّث فيه عن جمعية عقدتها قيادات إسلامية في مكان خفيّ بمكة (أم القرى)، يوم الاثنين (15 ذي القِعْدة سنة 1316 هـ)، للبحث في أوضاع العالم الإسلامي، وحضر تلك الجمعية (22) عضواً، يمثلون الأقطار الإسلامية، فعضو شامي، وعضو إسكندري، ومصري، ومقدسي، ويمني، وبصري، ونجدي، ومدني، ومكي، وتونسي، وفاسي، وإنجليزي، ورومي، وكردي، وتبريزي، وتتري، وقازاني، وتركي، وأفغاني، وهندي، وسِندي، وصيني، وأُسندت رئاسة الجمعية للعضو المكي، وأُسندت السكرتارية للسيد الفراتي (الكواكبي)، ويتساءل أحمد أمين: ” فهل كانت هذه الجمعية حقيقة أو هي من نسج خياله؟ يقول هو: إن لها أصلاً من الحقيقة، وإن الخيال تمّمها، فهل هذا صحيح أو هو من قبيل تأييد الخيال كما يفعل كثير من الروائيين؟ أرجّح الرأي الثاني ” (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص 289).


وفي أول جلسة للجمعية وضع الرئيس منهج البحث، وهو الكتمان، وتناسي الاختلافات في المذاهب، ثم التحرر من اليأس في الإصلاح. وتتالت جلسات الجمعية، وفي يوم الخميس (18 ذي القعدة سنة 1316 هـ) دار النقاش حول المتعمّمين (رجال الدين) المتعاونين مع السلطات العثمانية، وأدلى الأعضاء فُرادى بآرائهم في الموضوع، وجاء في أقوال بعضهم أن المتعمّمين يقفون إلى جانب الحكام المستبدين ضد الحرية والعدالة والشورى، و” بهذه القوانين عند العثمانيين، وبأشباهها عند أكثر حكومات المسلمين، ضلّ المتعمّمون، وصاروا أضرّ على الدين من الشياطين “، وتساءل الجميع عن السبب وراء هذه الظاهرة الغريبة (الأعمال الكاملة، أم القرى، ص 300، 301).


والمثير للانتباه هو أقوال الممثل الكردي (مختص في الرياضيات) في تلك الجلسة ذاتها:


” أجاب الرياضي الكردي: إن هذا الداء خاص ببعض الأمم الإسلامية، فلا يصلح سبباً للفتور العام الذي نبحث فيه، ونتساءل عنه، وعندي أن السبب العام هو أن علماءنا كانوا اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات، وأهملوا باقي العلوم الرياضية والطبيعية، التي كانت إذ ذاك ليست بذي بال، ولا تفيد سوى الجمال والكمال، ففُقد أهلها بين المسلمين، واندرست كتبها، وانقطعت علاقاتها، فصارت منفوراً منها، على حكم (المرء عدوّ ما جهل)، بل صار المتطلّع إليها منهم يُفسَّق، ويُرمى بالزيغ والزندقة، على حين أخذت هذه العلوم تنمو في الغرب … وعندي أنه لولا هذا القصور ما وقع المسلمون في هذا الفتور… ثم إن تبعة هذا التقصير، وإن كانت تلحق علماء الأمة المتقدمين، إلا أن علماءنا المتأخرين أكثر قصوراً، لأنهم في زمان ظهرت فيه فوائد هذه العلوم، ولم يحصل فيهم مَيلٌ لاقتباسها، بل نراهم مقتصرين على تدريس اللغة والفِقه فقط، أو بعِلاوة شيءٍ من المنطق إتماماً للعقائد، وشيءٍ من الحساب إكمالاً للفرائض والمواريث قلما يفيد ” (السابق، ص 302، 303).


وأضاف الممثل الكردي يقول:


” وكذلك نرى وعّاظنا مقتصرين على البحث في النوافل والقُرُبات المزيَّدة في الدين، ورواية الحكايات الإسرائيليات، ومثلُهم المرشدون أهل الطرائق، مقتصرون على حكايات نوادر الزهّاد من صحيح وموضوع، ورواية كرامات الأنجاب والنقباء والأبدال، وعلى ضبط وزن التمايل وأصول الإنشاد، ولا ننسى خطباءنا واقتصارَهم على تَكرار عبارات النعت، والدعاء للغزاة والمجاهدين، وتَعداد فضائل العبادات ” (السابق، ص 304).


ومن الواضح أن الكواكبي جسّد في قول الممثل الكردي نزوع العلماء الكرد إلى العلوم العقلية والانفتاح الفكري كما ذكرنا في بداية الحلقة، وذلك دليل على أنه كان يعرف هذه النزعة فيهم معرفة جيدة، وكان يراها نزعة صائبة.


وخلال جلسات الجمعية شنّ السيد الفراتي (الكواكبي) حملة على الإدارة العثمانية، وعلى الترك بسبب بغضهم للعرب، واستدل على ذلك بأقوال تجري على ألسنة الترك مجرى الأمثال، منها:


” كإطلاقهم على عرب الحجاز (ديلنجي عرب) أي العرب الشحاذين. وإطلاقهم على المصريين (كور فلاح) بمعنى الفلاحين الأجلاف، و(عرب جنكنه سي) أي نَوَر العرب،… وقولهم عن عرب سوريا (نَه شامِكْ شَكِري وُ نَهْ عربك يُوزي) أي دع الشام وسكرياتها، ولا ترَ وجوه العرب… وقولهم (بِسْ عرب) أي عربي قذر… و(عرب جكه سي) أي حنك عربي، أي كثير الهذر. وقولهم (نِرْدَهْ عرب نِرْدَهْ طنبور) أي أين العرب من الطنبور؟


هذا والعرب لا يقابلونهم على كل ذلك سوى بكلمتين: الأولى هي قول العرب فيهم: ” ثلاث خلقن للفساد: القمل والترك والجراد “. والكلمة الثانية تسميتهم بالأروام، كناية عن الريبة في إسلامهم، وسبب الريبة أن الأتراك لم يخدموا الإسلامية بغير إقامة بعض جوامع لولا حظ نفوس ملوكهم بذكر أسمائهم على منابرها لم تقم ” (السابق، ص 367).


وبناء على (26) سبباً رأت الجمعية ” أن تعتبر العرب هم الوسيلة الوحيدة لجمع الكلمة الدينية بل الكلمة الشرقية ” (السابق، ص 392).


كتاب (طبائع الاستبداد)


يرى أحمد أمين أن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) ” استفاد مما نقل عن الغرب، ولم يك يعرف لغة أوربية، إنما يعرف العربية والتركية والفارسية، فاستفاد مما نُقل إليها، ومما كان يُترجم له في هذا الباب خاصة… وقد اقتبس فيه كثيراً من أقوال ألفيري، ولا أعرف كيف وصلت إليه، والفيري Aliferi Vittoria كاتب إيطالي عاش من سنة (1749 – 1803م)، من بيت نبيل، وقد ساح في أوربا نحو سبع سنوات، ودرس كتب فُولتير ورُوسّو ومُنتسكيو، وتشبّع بآرائهم الحرة، وتَعشَّق الحرية، وكرهَ الاستبداد أشد الكره، ووجّه أدبه للتغني بالحرية ومناهضة الاستبداد، ينطق بذلك أبطال رواياته، ويبثّه في كتاباته، ولكن الكواكبي هضمها، وعدّلها بما يناسب البيئة الشرقية والعقلية الإسلامية، وزاد عليها من تجاربه وآرائه ” (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص373 – 274).


وقد بدأ الكواكبي بتعريف الاستبداد فقال:


” الاستبداد في اصطلاح السياسيين هو تصرّف فرد أو جَمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تَبِعة ” (الأعمال الكاملة، طبائع الاستبداد، ص 437).


ومن آرائه الجديرة بالتأمل قوله:


ـ ” وأشد مراتب الاستبداد التي يُتعوَّذ بها من الشيطان هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية ” (السابق، ص 438).


ـ ” المستبد عدوّ الحق، عدوّ الحرية، وقاتلهما ” (السابق، ص 440).


ـ ” المستبد يودّ أن تكون رعيته كالغنم دَرّاً وطاعةً، وكالكلاب تذللاً وتملّقاً ً” (السابق، ص 448).


وتتجلى عبقرية الكواكبي في الانتباه إلى العلاقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي، وقال في ذلك: ” تضافرت آراء أكثر العلماء الناظرين في التاريخ الطبيعي للأديان على أن الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول: إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان… بينهما رابطة الحاجة إلى التعاون لتذليل الإنسان ” (السابق، ص 443).


ويتفق الكواكبي مع الرأي القائل: ” بأن بين الاستبدادين السياسي والديني مقاربة لا تنفكّ، متى وُجد أحدهما في أمة جرّ الآخر إليه، أو متى زال زال رفيقه ” (السابق، ص 445). ورأى الكواكبي أن الإسلام في جوهره الأصيل لا ينطبق عليه هذا القول، فهو مبني على قواعد الحرية السياسية، متوسطة بين الديمقراطية والأرستقراطية (أحمد أمين: زعماء الإصلاح، ص 276).


والكواكبي مع من يرى أن حرص فلاسفة اليونان على الشِّرك في الدين إنما كان حيلة منهم للإصلاح السياسي، ” حيث تحيّلوا على ملوكهم المستبدين في حملهم على قبول الاشتراك في السياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الألوهية، … وهذه هي الوسيلة العظمى التي مكّنت اليونان أخيراً من إقامة جمهوريات أثينا وإسبارطة، وكذلك فعل الرومان ” (السابق، ص 446).


ومن آراء الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد): ” المستبد لا يخشى علوم اللغة، … وكذلك لا يخاف المستبد من العلوم الدينية المتعلقة بالمَعاد المختصة ما بين الإنسان وربه، …. ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المالية، والتاريخ المفصَّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبّر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ ” (السابق، ص 457 – 458).


وعرض الكواكبي أفكاراً عميقة في كتابه (طبائع الاستبداد)، منها أنه ” كلما زاد المستبد ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيته وحتى من حاشيته، وحتى من هواجسه وخيالاته ” (السابق، ص 459)، وحلّل دور الاستبداد في إفساد الأخلاق كما أنه أجرى مقارنة ذكية بين العقلية الشرقية والغربية في الذهنية السياسية فقال: ” وهكذا بين الشرقيين والغربيين فروق كثرة، … مثال ذلك: الغربيون يستحلفون أميرهم على الصداقة في خدمته لهم والتزام القانون، والسلطان الشرقي يستحلف الرعية على الانقياد والطاعة ” (السابق، ص 492).


وتطرق الكواكبي إلى دور الاستبداد في نمو القيم السلبية، وفي قطع الطريق على الترقي، فيقال: ” وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوّل ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفّل، بحيث لو دُفعت إلى الرفعة لأبت وتألّمت كما يتألم الأجهر من النور، وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أطلق سراحها ” (السابق، ص 506). وانتهي الكواكبي إلى أن ” الأمة التي لا يشعر كلها أو كثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية ” (السابق، ص 529).


وأقام الدكتور كميل الحاج في (الموسوعة الميسرة، ص 470) مقارنة بين فكر الكواكبي وفكر قطبين آخرين من أقطاب الإصلاح بمصر في العصر الحديث، وهما الشيخ رشيد رضا والشيخ محمد عبده، فذكر أن فكر الكواكبي بعكس فكر رشيد رضا، لا ينطلق من الأصولية الإسلامية في اتجاه الأصولية الفلسفية والنشاط السياسي، وقد أراد الكواكبي فصل السلطة الدينية عن السلطة المدنية في المجتمع الإسلامي. وبعكس سلفه وأستاذه محمد عبده الذي كان يعرّف نفسه كعربي مسلم، فإن الكواكبي اعتبر نفسه أساساً مسلماً عربياً، وذلك ليدل على الفرق الواضح الذي أقامه عبده بين المسلمين العرب والمسلمين غير العرب. وأضاف الحاج (السابق، ص 470 – 471) قائلاً:


” تكمن أهمية الكواكبي في استيعابه لمبادئ عصر التنوير، ولأفكار الثورة الفرنسية وصياغتها بما يتناسب مع الاحتياجات الملحّة للتطور السياسي والاجتماعي للعالم العربي، وتقديمه إلى العرب في إطار الليبرالية التنويرية، مما جعله واحداً من أكثر الشخصيات الفكرية العربية راديكالية في أواخر القرن التاسع عشر، لذلك اعتبره بعض الباحثين من أتباع التيار العلماني التنويري، وليس مصلحاً دينياً “.


شخصية .. وآراء


أُعجب كثيرون بفكر الكواكبي وشخصيته، وفيما يلي بعض ما كتبوه:


ـ وصفه إبراهيم سليم النجار فقال: ” كان كثير النشاط، سريع الحركة، شديد العزم، يتكلم بشيء من الشدة والحزم، ولو لم يكن شيخاً دينياً لكان قائد جيش فاتح، فقد كان في الحقيقة ثورياً بروحه وميوله ” (الأعمال الكاملة، ص 22).


ـ رثاه صديقه الشيخ رشيد رضا في مجلة (المختار) قائلاً: ” رجلٌ عظيم من رجال الإصلاح، وعَلَمٌ عاملٌ من علماء العمران، وحكيمٌ من حكماء الاجتماع البشري، … وكان صاحب عزيمة، لا يهاب حاكماً ولا يخاف ظالماً، … كان من أخلاقه الراسخة الحِلم والأناة والرِّفق، والنزاهة والعزة والشجاعة، والتواضع والشفقة وحب الضعفاء، وقد كنت معجباً بأناته، حتى كنت أقول: إنني أراه يتروّى في رد السلام، ويتمكّث في جواب ما يجيبه عدة ثوان، ولا أكاد أعرف أخلاقاً أعصى على الانتقاد من أخلاقه ” (الأعمال الكاملة، ص 22).


ـ قال فيه العلامة محمد كُرد علي في مجلة (الهلال): ” رجلٌ سيماء الفضل في وجهه، ودلائلُ سَعة العلم في حديثه، لم تُتَح لي معاشرته إلا برهة وجيزة، ولكن الفضل لا يخفى، كان كبيراً في عقله، كبيراً في همّته، كبيراً في علمه، وكان خلاّباً للألباب، … ومع تمسّكه بالإسلام لم يكن متعصباً، يأنس بمجلسه المسلم والمسيحي واليهودي على السواء، لأنه كان يرى رابطة الوطن فوق كل رابطة ” (الأعمال الكاملة، ص 22).


ـ قال يعقوب صرّوف في مجلة (المقتطَف): ” فهو سياسيٌّ محنََّك مع الساسة، وعمراني اجتماعي مع علماء العمران، وعالم ديني مع علماء الدين، وتاجر مع التجار، وزارع مع الزرّاع، وصانع مع الصنّاع، وعامل مع العمّال، وكبير مع الكُبراء، بحيث كان الناظر إليه لأول وَهْلة يقرأ في جبهته أمارات العقل والخبرة الطويلة والعلم الوافر ” (الأعمال الكاملة، ص 23).


ـ قال جرجي زيدان: ” كان الكواكبي واسع الصدر، طويل الأناة، معتدلاً في كل شيء، وكان عطوفاً على الضعفاء، حتى سماه الحلبيون (أبا الضعفاء)، وجاء في الرائد المصري [مجلة] أنه كان له في بلده مكتب للمحاماة، يصرف فيه معظم نهاره لرؤية مصالح الناس، ويبعث إلى المحاكم من يأمنهم من أصحابه، ليدافعوا عن المظلومين والمستضعفين ” (تراجم مشاهير الشرق، 2/440).


ـ وكتب عنه أحمد أمين: ” نزيه النفس، لا يخدعها مَطمع، ولا يغريها منصب، شجاعٌ فيما يقول ويفعل، مهما جرّت عليه شجاعته من سجن وضياع ومال وتشريد ” (الأعمال الكاملة، ص 23).


نهاية عبقري


حكم السلطان العثماني عبد الحميد بين سنتي (1876 – 1909) بالقهر والمكر والدسائس، ومن العجيب أننا نجد ثمة من يكتب الكتب ويدبّج المقالات لتبييض صفحة ذلك الحاكم الطاغية، ويريدون منا أن نذرف الدموع عليه، لأنه رفع الشعار الديماغوجي البرّاق (يا مسلمي العالم اتّحدوا)، ولأنه كان – حسب زعمهم- ضحية اليهود الدونمه، ويتناسى أشياع عبد الحميد – وأغلبهم من ذوي الفكر المتخلف، والرؤية غير المتحضرة إلى حياة الشعوب وكرامة الجماهير- أن الأمة كلها كانت ضحية الذهنية السياسية المتخلفة التي عمّمها عبد الحميد، ويتناسى أشياع عبد الحميد أنه كان يمارس تحت شعار (يا مسلمي العالم اتحدوا) أبشع أساليب القهر والعسف ضد رعيته.


ولندع هذا جانباً، فثمة إلى الآن في شرقنا هذا من لا يرتاح إلى نسائم الحرية، ولا يستطيع الحياة إلا في أجواء تخيّم عليها ثقافة الاستبداد، ثقافة الراعي والرعية، ثقافة الراعي الذي (يملك) الرعية، وليس ثقافة الراعي الذي (يخدم) الرعية، وتلك في حد ذاتها مأساة كبرى.


بلى، لنعد إلى الكواكبي، فقد مر أن الرجل هرب من بلاد الشام إلى مصر، بحثاً عن قول كلمة حق في مأمن من البطش، وتطلعاً إلى نشر أفكاره الإصلاحية، لكن هل من المعقول أن تنام عيون جواسيس السلطان عن فكر كهذا الفكر، وعن صوت كهذا الصوت؟ وكيف يسكت السلطان العثماني عن كاتب يدعو جهاراً نهاراً إلى تجريد الترك من منصب الخلافة، وإعادتها إلى العرب؟ أليس في هذه الدعوة تقويض للنفوذ التركي في العالم الإسلامي، وتدمير لما قام به السلطان سليم الأول، حينما احتل مصر سنة (1517م)، وأرغم بوسائله الخاصة آخر خليفة عربي عباسي على التنازل عن الخلافة له؟


في القاهرة كان جواسيس السلطان يتابعون أقوال الكواكبي وأفعاله، ويبدو أن اهتمام الخديوي عباس برأي الكواكبي في الخلافة، ومسألة عدم صلاحية الأتراك لها، زادت من غضب السلطان عبد الحميد، فقرر أن يضع حداً لعنفوان هذا المفكر الخطير، لكن دونما إثارة للشبهات، وعلى طريقة معاوية بن أبي سفيان، حينما أمر بدس السم لأحد خصومه من آل البيت في شراب العسل، وقال قولته الشهيرة (إن لله جنوداً منها العسل).


بلى هذا ما فعله رجال عبد الحميد أيضاً، ففي إحدى الأمسيات ارتاد الكواكبي كعادته مقهى يلدز (مقهى إستانبول)، ليرتشف مع أصدقائه فنجان قهوته المُرّة، مع عدد من أصدقائه الكتّاب والأدباء، منهم الزعيم الثعالبي، والشيخ رشيد رضا، ومحمد كرد علي، وإبراهيم سليم النجار، ومهاجر حلبي هو عبد القادر الدباغ، وحلبي آخر هو الشيخ صالح عيسى ابن خالة المؤرخ الحلبي الشيخ كامل الغَزّي، وبعد نصف ساعة من شرب القهوة شعر الكواكبي بألم شديد في معدته، فأخبر صالح عيسى بذلك، لكن الأخير هوّن الأمر عليه، وبعد أن انصرف الجميع بعد منتصف الليل إلى بيوتهم، ذهب الكواكبي مع ابنه كاظم إلى مسكنهما، وذكر عبد القادر الدباغ أنه ما كاد يصل إلى داره، ويخلع ثيابه، حتى أسرع إليه كاظم يخبره بما حصل لوالده، ووصل الدباغ إلى البيت فوجد صديقه الكواكبي يتلوّى من الألم ويقيء، وانكفأ على صدر صاحبه وهو يلفظ آخر كلماته: ” لقد سمّوني يا عبد القادر”. وانتقل الكواكبي إلى رحمته تعالى في (14 حزيران سنة 1902م).


ومما يدل على أن عبد الحميد كان على علم بما سيجري للكواكبي، أنه أصدر أمره، بعد يوم أو بعض يوم، إلى عبد القادر القبّاني صاحب جريدة (ثمرات الفنون) التي كانت تصدر في بيروت، بأن يذهب سريعاً إلى مصر، ويقصد مسكن الكواكبي في القاهرة، ويضع يده على جميع ما يجده من الأوراق، ويرسلها إلى قصر السلطان، وهذا ما فعله القبّاني بسرعة، وتم ذلك بمساعدة سرية من السلطات المحلية حينذاك، ولم يستطع كاظم منع مصادرة أوراق والده، لكنه تمكن من تهريب نسخة كتاب (طبائع الاستبداد) المعدّلة بخط والده، وهي الوثيقة الوحيدة التي سلمت من عملية المصادرة (الأعمال الكاملة، ص 31).


وشاع خبر وفاة الكواكبي في القاهرة، وصدر الأمر بدفنه على نفقة الخديوي عباس، ورثاه على القبر عدد من الأدباء منهم الشيخ رشيد رضا ومصطفى صادق الرافعي، ورثاه صديقه الشاعر المصري الكبير حافظ إبراهيم حينما دُفن قائلاً:هنا رجلُ الدنيا، هنا مَهبط التقى


هنا خيرُ مظلوم، هنا خيرُ كاتب


قفوا واقرؤوا أمّ الكتاب، وسلّموا


عليه، فهـذا القبر قبرُ الكواكبيوكُتب البيتان على قبر المفكر الراحل.


المراجع


1. أحمد أمين: زعماء الإصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة، 1979.


2. جرجي زيدان: تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1970.


3. حسين قاسم العزيز: البابكية، دار المدى، دمشق، الطبعة الأولى، 2000.


4. الدكتور سامي الدهّان: عبد الرحمن الكواكبي، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1980.


5. عباس إبراهيم صباغ: تاريخ العلاقات العثمانية- الإيرانية، دار النفائس، بيروت، 1999.


6. عبد الرحمن الكواكبي: الأعمال الكاملة، إعداد وتحقيق محمد جمال طحّان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 1995.


7. الدكتور كميل الحاج: الموسوعة الميسرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2000.


8. مأمون بك بن بيگه بك: مذكرات مأمون بك بن بيگه بك، تعريب محمد جميل روژبياني وشكور مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، 1980.


9. الدكتور محمد عبد الرحمن برج: عبد الرحمن الكواكبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1972.


10. المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة بريل، ليدن، الطبعة الثانية، 1967.


11. الدكتور نزيه كبّاره: عبد الرحمن الكواكبي حياته وعصره وآراؤه، جروس برس، طرابلس- لبنان، الطبعة الأولى، 1994.


12. ياقوت الحموي: معجم البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1990.


13. يوسف اليان سركيس: معجم المطبوعات العربية والمعرّبة، مكتبة الثقافة الدينية، ميدان العتبة، 1928.


14. Mehrdad R. Izady: The Kurds, Crane Russak, 1992



إضاءة: ( القراء الأعزّاء، أشكركم على رحلتكم الطويلة معي خلال الحلقات الست والخمسين من (مشاهير الكرد)، وكان غرضي هو إضاءة جوانب من التاريخ الكردي، وذكر الجهود الهامة التي ساهم بها الكرد داخل البيت الشرق أوسطي مع بقية إخوته من العرب والترك والفرس وغيرهم، وأوقف هذه السلسلة عند هذا الحد، لأبدأ بعد حوالي شهرين بإطلاق مشروع ثقافي أكبر بعنوان (موسوعة أعلام الكرد)، وغرضي هو رصد أكبر عدد ممكن من أعلام الكرد، وتقديمهم إلى القرّاء على نحو أسرع، وبشكل ميسّر ومفيد، وما توفيقي إلا بالله ).


د. أحمد الخليل في 5 – 6 – 2