الرئيسية » مقالات » ينابيع الأمل

ينابيع الأمل

“مه راني” اسم واد يقع في خاصرة سلسلة جبال كارة الوعرة ، في منطقة بهدينان في كوردستان العراق ، وارتبط الوادي باسم الأنصار ـ البيشمه ركه الشيوعيين . في 2 /10/1982 اختير الوادي مقرا لمقاتلي الفوج الاول ، من قوات قاطع منطقة بهدينان لانصار الحزب الشيوعي العراقي . أخذ وادي “مه راني” أهميته كموقع للأنصار من موقعه المهم ، المتقدم نسبيا ، في عمق الوطن ، وسط مواقع قوات النظام الديكتاتوري ، حيث يتوسط المقر عدة اقضية ونواحي مهمة ، الذي اهله لان يكون ليس فقط مقرا خلفيا لقوات أنصار الحزب الشيوعي الناشطة في المنطقة ، بل وصار موقعا يثير أجهزة النظام الديكتاتوري بنشاطاته التي تجاوزت كونه موقع آمن لقيادة قوات الأنصار، اذ صار موقعا سياسيا ينبض بالحركة والعلاقة مع جماهير المنطقة ، ولذلك راح طيران النظام الديكتاتوري يكرر غاراته على المقر باستمرار . وشيد الأنصار مقرهم على أنقاض قرية تحمل اسم الوادي ، هجرت ضمن سياسة التهجير القسرية التي مارسها النظام المقبور ضد الالاف من القرى الكوردستانية . بنى الانصار غرفهم بالاستفادة من تضاريس الوادي ، وحسب خبرة المهندس الأول في المنطقة ، الا وهو الفلاح الكوردي ، الذي يفهم جيدا كيفية توظيف ثنايا الجبل وصخوره لبناء غرف للسكن تصمد أمام المطر والثلوج والبرد . تميز وادي “مه راني ” بوجود كثافة من أشجار الجوز المعمرة ، التي كانت تساعد على تمويه موقعه أمام طلعات الطيران المتواصلة ، وتصطف على جانبي مسيل ماء نبع عذب بارد طوال السنة ، اشتهر وعرف به الوادي . في تلك الايام الوعرة ، وفي يوم 31 اذار 1987، واحتفالا بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي ، نظم انصار الفوج الاول في وادي “مه راني” ، يوما احتفاليا شهد الكثير من الفعاليات الفنية والثقافية والسياسية ، معارض تشكيلية ، عروض مسرحية ، قراءات شعرية وحفل موسيقي ، وايضا تجربة الاذاعة الداخلية التي بثت برامجها ليوم واحد ، تحت اسم ” أذاعة مه راني … صوت انصار الفوج للحزب الشيوعي العراقي ” ، التي قدمت برنامجا منوعا حافلا ، وكانت تبث عبر جهاز لاسلكي ، وكان اغلب مستمعي الإذاعة بعض سكان القرى المجاورة الذين تم ابلاغهم مسبقا ، وايضا أنصار الفوج الاول الذين راحوا يستمعون الى اذاعتهم بشغف ، ويفرحون اذ تعبر اصواتهم عبر الاثير ليسمعهم من يتلقف اذاعتهم ، وفي بال كل منهم احلاما بوسع الوطن كله .
ودارت الايام ، وحين بدأ الانصار الشيوعيون باستثمار خدمات شبكة الانترنيت ، وتحديدا برنامج المحادثة الصوتية ” البالتولك ” ، وظهرت امكانية انشاء غرف المحادثة الصوتية ، بادر بعض الانصار الشيوعيين لتأسيس غرفة محادثة سميت ” مه راني ” ، تيمنا بذلك المكان الاثير لديهم ، لكن التجربة تعثرت بسرعة لاسباب لمجال لذكرها هنا . ومع تشكيل رابطة الانصار الشيوعيين ، ونهوض العمل المنظم للرابطة وتشكيل اللجان الفنية المسؤولة ، واهتمام الرابطة بالنشاط الاعلامي للتعبير عن اهداف وبرامج الرابطة ، ظهرت فكرة احياء غرفة المحادثة الصوتية الخاصة بالانصار الشيوعيين ، ليكون لهم صوتهم ـ اذاعتهم ، ومكان لقائهم وبث احلامهم وذكرياتهم ، ومتابعة شؤون الوطن ، فكانت غرفة :” ينابيع العراق ” !
وأذا كان ينبوع وادي “مه راني” سقى انصار الفوج الاول وزوارهم ، واذاعة ” مه راني ” لم تتعد مساحة القرى المحيطة بمقر الانصار، فأن ” ينابيع العراق ” صارت نهرا هادرا سقى بفكره الخصب كل زواره ، من الانصار الشيوعيين واصدقائهم وضيوفهم ، وعلى مساحات شاسعة من كل القارات !
واذا كانت اذاعة وادي “مه راني”، مجرد حلم ، وبثت لنهار واحد ، وكان مستمعيها محدودين جدا ، فأن صوت “ينابيع العراق” صار يدخل كل بيت ديمقراطي وطني، ويرغب بسماع الحقيقة والانصات الى مفاهيم الفكر العلمي التنويري. صارت ” ينابيع العراق ” صفا دراسيا يفتح ابوابه وقلوب رواده لكل ضيف يحترم حرية الفكر والرأي الاخر ويجلس بهدوء رغبة في الاستفادة والافادة . صارت “ينابيع العراق ” شلالا هادرا دفاعا عن الوحدة الوطنية وحرية الوطن . صارت “ينابيع العراق ” شعاعا يبث الامل في قلوب المخلصين التواقين لعراق ديمراطي اتحادي تعددي مستقل مسالم .
كم من نصير مر من هنا ، واخرج من عليجته اوراقه الانصارية ، واستل من خزين ذكرياته صفحات مهمة من تجربته ورواها لنا ؟ كم من محاضر ضيف قدم لنا عصارة فكره النير ؟ وكم من مستمع تمعن في مصير الوطن في زحمة الحوار الساخن او الهاديء في غرفة ” ينابيع العراق”؟
واذ تطفأ ” ينابيع العراق “، غرفة المحادثة الصوتية للانصار الشيوعيين العراقيين واصدقائهم ، على برنامج الانترنيت ” البالتولك ” ، شمعتها الثالثة ، باقات الورد لكل روادها وزوارها ، وتحية اعتزاز وتقدير للجهود الرائعة والمثابرة للمشرفين على ديمومة نشاط هذا الموقع الاعلامي الوطني .

4 حزيران 2008
سماوة القطب