الرئيسية » مقالات » المحسوسات

المحسوسات

ينظر عالمنا اليوم إلى المادة والماديات على أنها أساس حياة الإنسان ، ولا يهتم بالجوانب المعنوية ، والإنسان بدوره بات يهتم بالمحسوسات بشكل كبير بحيث باتت شعوب البلدان المتطورة تبحث عن سعادتها في الماديات ومظاهرها فقط متجاهلة المعنويات تماما ً .
لقد حقق الإنسان المعاصر نجاحات عظيمة في مجال العلم والمعرفة ، بيد أن هذه النجاحات لم تتجاوز حدود المسائل المادية والأمور المحسوسة في عالم الطبيعة ، والإنسان ليس فقط يحقق تقدما ً يذكر في المسائل المعنوية والشؤون الإنسانية ، بل أنه ألغى كل ما يمت إلى المعنويات بصلة من قاموس العلم والمعرفة .
ويعتبر عالمنا اليوم العلم عبارة عن دراسة وتحقيق حول دنيا المادة وكشف أسرارها .
والإنسان العالم هو ذاك الذي يضيء زاوية مظلمة في دنيا الحس والمادة ، ويكشف سرا ً من أسرار الطبيعة ، ويخطو نحو تحسين الحياة المادية للبشر ويزيد من لذتها . والعلم باختصار في عالمنا اليوم مجرد وسيلة في خدمة الحياة المادية وإشباع الغرائز وإرضاء الميول والرغبات النفسية للبشر ، ولا يمت بصلة لامن قريب ولامن بعيد موضع بناء الإنسان وإحياء الجوانب الروحية والمعنوية فية .
يقول الدكتور الكسيس كاريل صاحب كتاب الإنسان ذلك المجهول علينا أن نرسي قواعد علم حقيقي للإنسان ، علم يكون قادرا ً وبمساعدة كل التقنيات والأساليب المعرفية على اكتشاف المزيد من عالمنا الداخلي واعتبار كل جزء فية عاملا ً يؤدي وظيفته بين مجموعة من العوامل .
وتحقيقا ً لهذا الهدف والكلام الى الكسيس كاريل علينا أن نصرف اهتمامنا ولو لبعض الوقت عن التطور التقني وفي بعض الحالات عن الصحة والطب والعلوم الأخرى التي تبحث في الجوانب المادية لحياتنا . إن اهتمام الإنسان ينصب عادة على الإمور التي تبعث على ارتياح وتزيد من ثروته ، ولكن ما من أحد يدرك أن ضرورة تحسين الوضع الهيكلي والعملي والنفسي لوجودنا لا يمكن إنكارها ، وأن سلامة العقل والأحاسيس والنظم وبسط القوى الروحية والمعنوية .
لم يدرك الإنسان من الحقيقة إلا جانبا ً منها ولم يقطف من شجرة العلم سوى الفاكهة أو الثمرة المحرمة ، إلا أن هذه الثمرة لم تكن قد نضجت بعد وقد جعلتنا نرى كل شيء إلا أنفسنا .
لقد جلبت التكنلوجيا لنا الثروة والسلامة والاستقرار وكافة أنواع التسهيلات الحياتية ، ولكن ثمة خطأ كبير حصل في مشروعنا ، فالعلوم الحياتية تخلفت كثيرا ً عن علوم المادة غير المحسوسة ، وبتنا نسيطر على عالم المادة قبل أن ننجح في اكتشاف أسرار أجسامنا وأرواحنا .
فالإنسان الحديث جعل المادة من أولويات اهتمامه .
رغم التطور الكبير الذي أحرزه الإنسان المعاصر في معرفة العالم ونفسه ووقف إلى حد ما على آيات الآفق والنفس ، إلا أن هذا التطور لم يجري بشكل متكافىء وموزون ، بمعنى أن الحق والحقيقة لم يظهر بشكل مطلوب ولم تتمتع المجتمعات البشرية بنعمة الإيمان كما ينبغي .
فقد تقدم الإنسان اليوم خطوات ملحوظة على طريق معرفة عالم المادة واكتشف آيات الآفاق ، فمن ناحية إكتشف نواة الذرة وسخر طاقتها ، ومن ناحية أخرى فتح الفضاء ونزل على سطح القمر ، لكنه كان ثقيل الخطوات على طريق اكتشاف ذاته ومعرفه آيات نفسه ، ولم يتوصل سوى إلى حدود بعض المسائل المادية والأمور المحسوسة ، فالعلم لم يخض في الأبعاد المعنوية للإنسان ولم يكتشف أسرار روحه .

امريكا. ميشغن