الرئيسية » مقالات » تعقيب على مقال (العقرب ) لموفق هرمز يوحنا

تعقيب على مقال (العقرب ) لموفق هرمز يوحنا

في مقال للزميل موفق هرمز يوحنا تحت عنوان ” العقرب ” يذكر الكاتب ان هنالك قصة وهي من القصص الأيمانية ، قدمها الأب الفاضل باسل يلدو من إذاعة صوت الكلدان من ديترويت ، وهي مترجمة من اللغة الأيطالية . وحوادث القصة تتلخص في قيام راهب بإنقاذ عقرب يوشك على الغرق في الماء ، ولكن العقرب يكافئ المنقذ بلدغة ، ومع ذلك يعاود الراهب ويقوم بنفس العمل الصالح فيما يكافئ بالعمل الطالح ويستخلص الكاتب الجليل من هذه القصة عبر يقول :
انها فعلا قصة رائعة تنمي فينا الروح المسيحية الحقة والتي يجب ان نكون عليها ، في تشبيه بسيط بين القصة المذكورة اعلاه وبين احداث هذه الايام وبالاخص الحدث الذي اسف عليه كل ذي شرف ودين وهو اختطاف سيادة المطران بولص فرج رحو فهو خير دليل للراهب المذكور .. الخ
أخي موفق هرمز شكراً على هذه القصة التي فيها الكثير من العبر لكن معلوماتي المتواضعة هو ان هذه القصة هي من أدب وتراث الديانة الهندوسية حيث تحدد هذه الديانة أربع طرق لتحقيق الهدف ، وتقول كلنا ساكنون على حافة المحيط اللامحدود والقوة المبدعة للحياة . كلنا نحملها في داخلنا :
قوة أعلى ، ملئ الحكمة ، سعادة غير قابلة للخمود او الأنقطاع ، لا يمكنها ان تصاب بإحباط ولا ان تحطم ، لكنها مخباة في الأعماق .. في التراث الهندوسي يكون لكل إنسان طريقه الخاص يسلكه للوصول الى الهدف .
اليوغا تشكل ركن هام من الديانة الهندوسية وفي التحليل الهندوسي يقول ان الطريق الى الله يتم عبر المعرفة . ويوغا المعرفة ( جنانا يوغا : Jnana Yoga ) المخصصة للطامحين الروحيين الذين يتمتعون باستعداد عقلي وقدرة ذهنية قوية ، هي الطريق الى الأتحاد بالألوهية عبر المعرفة ..
والطريق الآخر الى الله يكون عبر الحب : من بين العواطف والأحاسيس الكثيرة التي تملأ حياة الأنسان ، تعتبر عاطفة الحب الأكثر قوة وعمقاً ، وفي التأويل الهندوسي انه حتى عاطفة الكراهية يمكن تفسيرها بأنها رد فعل مباشر وتلقائي لاحباط او إخفاق في عاطفة الحب . إن هدف الـ (بهكتي يوغا ، Bhakti Yoga ) أي يوغا حب الله والأنقطاع اليه ، ان يوجه ذلك النبع الفوار والدافئ للحب الموجود في اعماق كل قلب انساني …
وفي التراث الهندوسي ايضاً ان الطريق الى الله يكون عبر التمارين والرياضة النفسانية ، فبسبب القمة التي تقود اليها اليوغا ، عرفت في الهند باسم ” راجا يوغا ” أي يوغا الملكية او الطريق المتكامل والأتحاد ، وهي الطريقة التي يسلكها الناس العمليون بطبيعتهم ، وهو سلوك الى الله بواسطة التدريب والرياضة الروحية ..
وبعد هذه الطرق هناك طريق آخر للوصول الى الله وهو الطريق الذي يكون عبر العمل ، وهو ما ورد في مقال الأخ موفق تحت عنوان العقرب .
وفق التقليد الهندوسي ان هذا الطريق مخصص للاشخاص ذوي الميول للنشاط والعمل للوصول الى الله ، وهو الـ ( كارما يوغا ، Karma Yoga ) أي الطريق الى الله عبر العمل .
إنها النفس المنغمسة في العمل ، والنفس السرمدية التي في منأى عنها ، فالمألوف ان اهتمام الأنسان بعمل ما ، ينبع من الفائدة المرجوة بعد إتمام العمل أي الثمرة المادية وربما المعنوية التي سيحصل عليها جراء إداء العمل هذا .
نقرأ ( للدكتور هوستن سميث وهو استاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية يقول في كتابه الموسوم ” أديان العالم ” تعريب وحواشي سعد رستم : دار الجسور الثقافية حلب 2005 ص 74 ) يقول : إن العامل هنا يشرع في عمله محدداً حقيقة ذاته بأنها الكائن الأزلي ، وإن الذي يقوم بعمله إنما هو النفس الممارسة له فحسب ، اما ذاته الحقيقية فليست مرتبطة بالعمل ولا تقوم به … عليه ان يفكر بالتالي : إنني لا أفعل شيئاً إطلاقاً ، رغم إنني أرى وأسمع وأشم وأتذوق وأمشي وأنام وأتنفس وأتكلم وأترك وأمسك وأفتح العينين وأغلقهما …
إن ممارس اليوغا يصبح غير مكترث بالنتائج التي تتدفق من عمله ويتوطد إدراكه يوماً بعد يوم لحقيقة القول المأثور لـ ( كيتا ، Gita ) ، تملك الحق بالعمل فقط ، لا الثمرات الناتجة عنه فتصبح اهمية العمل له هي الواجب من اجل الواجب .
(( الذي يؤدي وظيفته
التي يمليها عليه واجبه
غير مبال بثمرة العمل
هو اليوغي الحقيقي )) .
وفي نفس الصفحة تأتي قصة ( اليوغي ) الذي جلس يتأمل على ضفة نهر الغانج فرأى عقرباً وقعت في الماء أمامه . فمد يده وسحبها خارج الماء فلدغته . بعدها بلحظات سقطت العقرب ثانية في الماء فعاد اليوغي لانقاذها وإخراجها خارج الماء فما كان منها إلا ان لدغته للمرة الثانية ! وتكررت العملية نفسها مرتين آخريتين ، عندها تعجب شخص كان يتفرج على هذا المشهد وسأل اليوغي :
لِمَ تواصل إنقاذ العقرب مع ان عرفانها الوحيد لجميلك انها تلدغك ؟
فأجاب اليوغي : عمل العقرب اللدغ وعمل اليوغي ان ينقذ الآخرين ما دام مستطيعاً .
إن القصة من تراث الديانة الهندوسية ، ويمكن استخلاص مواقف انسانية رائعة من كل الأديان إذا ما أسس عليها روابط انسانية مبنية على الحوار والتفاهم بين مختلف الأديان تكون في منأى عن نظرية التفوق على الآخرين .
تحياتي للأخ موفق هرمز يوحنا والأب الفاضل باسل يلدو .
حبيب تومي / اوسلو