الرئيسية » مقالات » حكومة المالكي و (ربَّ ضارة نافعة) !!

حكومة المالكي و (ربَّ ضارة نافعة) !!

“ربَّ ضارة نافعة” مثل عربي يعبر عن وقوع شيء يبدو مضراً، ولكن في التحصيل النهائي تكون النتيجة نافعة. ولا أفشي سراً إذا قلت أني من المؤمنين بهذه الحكمة، وهي مصدر عزائي عندما يحصل لي أمر مزعج، فأمنِّي النفس بالخير فيما حصل!! وحياتي مليئة بمثل هذه الأحداث التي بدت ضارة ساعة وقوعها، ولكن في نهاية المطاف أثبتت أنها كانت في صالحي. كما ونقرأ في القرآن الكريم: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم…).

“الضارة النافعة” في هذه المناسبة تنطبق بكل وضوح على ما حصل لحكومة السيد نوري المالكي عندما انسحب من حكومة المالي قبل عام، ما يقارب نصف عدد الوزراء، يمثلون عدداً من التيارات والقوائم والقوى السياسية العراقية وتحت مختلف الذرائع، ولكن في التحصيل النهائي وجدنا أن هذا الانسحاب كان في صالح السيد المالكي وحكومته والشعب العراقي. فلولا هذا الانسحاب لما تمكنت الحكومة من إنجاز ما أنجزته من مكتسبات للشعب العراقي خلال هذه الفترة.

أعتقد أن السيد نوري المالكي ومن تبقى معه في الحكومة قد استفادوا كثيراً من انسحاب ممثلي جبهة التوافق، والتيار الصدري وحزب الفضيلة، وقائمة العراقية. وقد تمرد ثلاثة وزراء من قائمة (العراقية) على قرار زعيمهم، كما تمرد وزير آخر وهو السيد علي بابان من الحزب الإسلامي على قرار حزبه، وفضل هؤلاء “المتمردون” البقاء في الحكومة حرصاً على المصلحة الوطنية، ونبذاً منهم للقرارات المرتجلة التي اتخذتها قيادات تنظيماتهم لمصالح حزبية ضيقة.

وفي وقتها، توقع المتشائمون بانهيار الحكومة، كما ولم يألو الدكتور أياد علاوي جهداً في تأجير شركات الترويج الأمريكية من أجل تسويق نفسه كمرشح أفضل لرئاسة الحكومة، وأنه الرجل المناسب في الوقت المناسب لإخراج العراق من أزمته تلك، ومحاولة تسقيط المالكي والتقليل من إمكانياته، وتوجيه شتى الاتهامات له كالطائفية والعمالة لإيران…. الخ، ولكن كل هذه المحاولات وغيرها باءت بالفشل الذريع وكان مردودها معكوساً على خصوم المالكي.

فرغم الظروف الصعبة التي عاشها العراق، والانسحابات التي شملت نصف الحكومة تقريباً لإرباكها وعرقلة أعمالها، جاءت النتائج في صالح العراق ولصالح المالكي ومن تبقى معه في الحكومة من ممثلي القوى السياسية الأكثر انسجاماً، حيث خرج المالكي من تلك الأزمة منتصراً، وأثبت أنه تعلم كثيراً من تجاربه الماضية، واستفاد من فشل الآخرين، فقد أنضجته الأزمات وساعدته على إتقان اللعبة السياسية و “فن الممكن” بسرعة، والصمود بصبر أيوب أمام العواصف والصعاب، فحقق مكتسبات لا يستهان بها للشعب، وخاصة في مجال مقارعة الإرهاب والمليشيات، مما رفع من مكانته بين الجماهير وأكسبه احترام الشعب العراقي والعالم، وبرز كأفضل رجل مناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. أما المنسحبون فباتوا يشعرون الآن أن هذه المكتسبات قد تحققت بدونهم ولا دور لهم فيها، وهم الآن في حيص بيص كما يقولون، وفي حالة يرثى لهم، حيث فقدوا جماههيريتهم، كما وكثرت في صفوفهم الانشقاقات والاستقالات.

وفيما يخص جبهة التوافق المنسحبة، فقد طلع لهم منافس قوي متمثل في جماعة الصحوة التي تعاونت مع الحكومة وقوات التحالف، وساهمت بفعالية في ملاحقة وضرب وطرد فلول القاعدة، وتحقيق الأمن في مناطقها. فجماعة الصحوة هم الذين يرجع لهم الفضل في تحقيق الأمن ودحر القاعدة من مناطقهم وليس لجبهة التوافق، لذا صار ممثلو الصحوة في موقف تنافس قوي ضد ممثلي الجبهة في الانتخابات القادمة.

وفيما يتعلق بنجاح المالكي، فكما أثبت في كلمته أمام المؤتمر الثاني للعهد الدولي في ستوكهولم، حيث قدم جرداً شاملاً لما قامت به حكومته من إنجازات، وخاصة في مجال محاربة الإرهاب ومكافحة الجريمة المنظمة، مما كسب احترام واعتراف المجتمع الدولي، كما جاء في مقالنا السابق عن ذلك المؤتمر.

ومن كل ما تقدم، نستنتج أن السبب الرئيسي لنجاح حكومة المالكي في تحقيق ما تحقق من انجازات ومكاسب يعود إلى انسحاب الوزراء المعارضين للحكومة. فوجود هؤلاء في الحكومة كان بمثابة العلة والعقبة الكأداء التي عرقلت عمل الحكومة وخاصة في مجال محاربة الإرهاب. وهذا دليل آخر على فشل سياسة إرضاء الجميع، فرضاء جميع الناس غاية لا تكسب، فرغم كون الحكومة الإئتلافية قبل الانسحاب كانت تمثل جميع التيارات والقوى السياسية، ولكن كان ذلك على حساب فعالية الحكومة، فما فائدة ذلك التحالف الواسع في السلطة إذا كان نصف المشاركين فيها يعرقل نشاطات النصف الآخر؟ وبعبارة أخرى، حكومة جميع التيارات تكون حكومة غير منسجمة، ومتصارعة فيما بينها، وبالتالي حكومة مشلولة. والجدير بالذكر أنه كان من بين الوزراء الذين انسحبوا، وزير الثقافة، الهارب والمطلوب الآن للعدالة بتهمة الإرهاب وجرائم القتل. وهذا يعني أن الحكومة كانت مخترقة من قبل البعض من له ضلع بالإرهاب؟ وهكذا نستنتج أن الوزراء الذين انسحبوا كانوا عبئاً ثقيلاً على الحكومة وعلى كاهل رئيس الوزراء حيث كبلوا يديه وشلوه من أي نشاط مثمر، ولم تستطع تلك الحكومة العمل إلا بعد أن خرج هؤلاء منها.

لقد طالبنا مع غيرنا مراراً وتكراراً منذ أكثر من عام، بحكومة رشيقة منسجمة، قابلة على التحرك السريع وأخذ القرارات البناءة، أفضل بكثير من حكومة واسعة مترهلة متصارعة فيما بينها، مشلولة عن القيام بأي نشاط مفيد. وانسحاب الذين انسحبوا أثبت صحة ما طالبنا به.

كذلك دعونا قادة التيارات المعارضة، وندعوهم الآن أيضاً، إلى تشكيل حكومة الظل لمراقبة نشاطات الحكومة ومحاسبتها على أعمالها بشكل بناء، بدلاً من انضمامها إلى الحكومة وتكون عامل معرقل لها. ففي الدول الديمقراطية الناضجة هناك حكومة الأكثرية تحكم، أما الأقلية فيشكلون حكومة الظل تراقب وتحاسب نشاط الحكومة. فالديمقراطية العراقية هي ديمقراطية ناشئة مازالت في مراحلها الأولية، ومن المفيد التعلم والاستفادة من تجارب وخبرات الدول التي سبقتنا في هذا المضمار.

خلاصة القول، إن حكومة المالكي نجحت في تحقيق الكثير من المكاسب وخاصة في مجال الأمن ودحر الإرهاب والجريمة المنظمة، بسبب انسحاب الوزراء الذين ما كان لهم عمل سوى عرقلة أعمال الحكومة بحجة الوطنية ومقاومة الاحتلال. لذا فالمطلوب الآن من السيد المالكي وأعضاء حكومته، الاستفادة من الظروف المستجدة، وخاصة التحسن الأمني، بمواصلة العمل في تحقيق المزيد مما تحقق في مجال الأمن ودحر الإرهاب، والشروع الآن بمكافحة البطالة والبدء بتنفيذ مشاريع إعمار العراق لتحسين الوضع الاقتصادي.