الرئيسية » مقالات » ( وديعة رابين ) ووداعة الأسد !

( وديعة رابين ) ووداعة الأسد !

خلافا لكل الشعارات والمزايدات الاعلامية وضروب ” الممانعة ” الكلامية التي تعود على سماعها السورييون من دون الأخذ بها بأي شكل من الجدية تبدأ وداعة الأسد الابن تجاه اسرائيل منذ ما قبل الرضاعة ولا نقول منذ هزيمة حزيران عندما كان الفريق – الرئيس الأب وزيرا للدفاع وبعد ذلك في مرحلة تميزت بتاريخ سوريا بحالة اللاسلم واللاحرب والهدوء الكامل على جبهة الجولان المحتل خلال اكثر من ثلاثين عاما منذ أن قامت ” الحركة التصحيحية ” في لبوس الواقعية والاعتدال على أنقاض الجناح اليساري الراديكالي في حزب البعث الحاكم الذي كان أكثر قربا حينذاك من القضية الفلسطينية وحياة قادته اللذين اما قضوا اغتيالا أو في المعتقلات وبلغت ذروتها عندما التقى الأسد الأب في جنيف بالرئيس الأمريكي كلينتون وتم التفاهم على العرض الاسرائيلي من خلال ادارته الذي تجسد في ما عرف ” بوديعة رابين ” القاضية بالانسحاب من الجولان أي من خط الاحتلال العسكري في حرب حزيران عام 1967 مقابل السلام الشامل وانهاء حالة الحرب والعداء وهو في التعريف الاسرائيلي الراهن بعد انتقال الوديعة الى – أولمرت توسع في ظل التطورات المحلية والاقليمية ليحتوي شروطا أخرى – : فك ارتباط النظام السوري عن ايران وقطع العلاقة مع حزب الله اللبناني واخراج ممثلي وقيادات حركتي حماس والجهاد والجبهة الشعبية – القيادة العامة وكل الجماعات الأخرى المتهمة بالارهاب من سوريا ( ونظام الأسد له سوابق في مجال بيع توابعه بأبخس الأثمان اذا تطلبت دواعي أمن النظام وذلك كما حصل مثلا في طرد أو تسليم رجله السابق السيد عبد الله أوجلان ) وتبادل التمثيل الدبلوماسي عبر سفارتي اسرائيل وسوريا في كل من دمشق وتل أبيب وبناء العلاقات الاقتصادية وتنشيط التجارة والسياحة بين البلدين , ولم يخل مسلسل هذه اللعبة – التفاوضية – الطويلة من تجاذبات وانتكاسات ومد وجزر وأفعال ظرفية لدي طرفي المعادلة ظهرت ملامحها بصورة أوضح في التقديمات السورية السخية بين الحين والآخر كمستحقات التفاوض وكبوادر حسن نية تجاه – العدو – بدء بخنق الارادة الشعبية في الداخل وانتهاك الحريات ووأد الديموقراطية بغية تغييب مشاركة الشعب السوري في اقرار الحرب الدفاعية اذا تطلبت أو السلام العادل المنشود ومرورا وانتهاء باالانقلاب على الحركة الوطنية اللبنانية في أواسط سبعينات القرن المنصرم الحليف المؤتمن لمنظمة التحرير الفلسطينية واقتراف جريمة اغتيال الشهيد كمال جنبلاط واعلان الحرب على المقاومة الفلسطينية مباشرة او عبر ادواته كحركة – أمل – وطرد الزعيم ياسر عرفات وقيادة المنظمة من لبنان وسوريا وشق وتصفية حركة فتح والمضي في ملاحقة الفلسطينيين حتى في مناطق السلطة الوطنية عبر دفع حركة حماس الى الانقلاب على الشرعية وزرع الألغام مدعما بالمال الايراني أمام تحقيق الوحدة الوطنية ومسيرة السلام والاستقرار والاجهاز على التجربة اللبنانية الديموقراطية التعددية التوافقية الفريدة في العالمين العربي والاسلامي كنموذج منافس ومناقض تماما لتجربة قيام اسرائيل على مفاهيم العنصرية والتمييز وعلى حساب اقتلاع شعب من أرضه التاريخية وعلى المنوال ذاته مواجهة عملية التغيير الديموقراطي الجارية في العراق بعد اسقاط أعتى دكتاتوريات الشرق الأوسط المعاصر مع النزوع الى اثارة النعرات المذهبية والطوائفية واشعال الفتن الجانبية على حساب القضايا الوطنية والديموقراطية والتنموية والقومية المصيرية وهذا ما تريده الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة التي لم تحسم أمرها بعد تجاه الحقوق الفلسطينية والتعايش والسلام وهذا ما تستند عليه الحركة الصهيونية في أجندتها وخططها تجاه الجوار ومنطقة الشرق الأوسط برمتها .
ماذا عن موازين القوى ؟
بهدف التخفيف من ردود الفعل على هذا الانتقال السريع وبين عشية وضحاها أقله في العلن من ” الممانعة ” والمغالاة نحو التفاوض والجلوس على طاولة الحوار مع عدو الأمس يسوق اعلام النظام عبر اعلامه وتنظيرات مثقفيه انطباعا مضللا عن أن الوقت مناسب للتفاوض أكثر من أي وقت مضى بسبب التغيير الحاصل في موازين القوى لمصلحة الجانب السوري ومن جملته تفكك المجتمع الاسرائيلي وتفاقم الصراعات السياسية داخل الدولة العبرية وضعف الحكومة الراهنة الى درجة الانهيار وهزيمة الآلة العسكرية الاسرائيلية في حرب تموز أمام حزب الله وبالتالي انهيار معنويات ذلك الجيش من أفراد وضباط وقادة الذي لم يقهر أمام حفنة من المقاومين اضافة الى فشل المشروع الأمريكي في العراق وكل الشرق الأوسط ونهوض الجمهورية الاسلامية الايرانية كقوة عظمى صديقة في المنطقة والأهم من كل هذا وذاك الوساطة التركية المحايدة بدلا من من وساطة العدو الأمريكي , ولدى التمعن بروية في تلك المزاعم يمكن التوصل سريعا الى نتائج عكسية تماما فبخصوص التفكك المجتمعي يعترف المثقفون العرب في فلسطين من خلال كتاباتهم وهم أدرى بشعاب بلدهم بدنو اكتمال شروط نشوء القومية اليهودية وهو ما دفع باتجاه بروز خطاب جديد يتردد الآن بشكل ملحوظ حول يهودية الدولة بعد ستين عاما من توفر عوامل نشوء الدولة الواحدة والاقتصاد الموحد واللغة الواحدة والجغرافيا الجامعة رغم حدودها غير المثبتة والارادة المشتركة حتى التمايز القديم بين الأشكيناز والسفرديم ( اليهود الغربيين والشرقيين ) الذي كان قائما بحدة قبل عقود لم يعد من أولويات الصراع الاجتماعي الراهن , أما بشأن الضعف الحكومي والصراع على السلطة هناك فبكل أسف نقول أن تقديم رئيس الحكومة الى التحقيق والمساألة بتهمة تلقي الرشوة وهدر المال العام يرمز الى آلية قانونية قد تفتخر بها دولة اسرائيل أمام العالم وتستخدمها سلاحا في صراعها الاستراتيجي حول وجودها واستمراريتها وحتى في المفاوضات وهي احدى تجليات ديموقراطيتها التي أتفق مع المفكر اللبناني الصديق – كريم مروة – بأنها ديموقراطية في خدمة العسكر وبرنامجه العنصري المعادي للفلسطينيين , وبخصوص هزيمة اسرائيل والنصر الالهي فالوقائع والأرقام تدحض ذلك جملة وتفصيلا : أكثر من ألف ضحية لبنانية وآلاف الجرحى والمشوهين والمعاقين ومئات آلاف المهاجرين وخسائر مادية بمليارات الدولارات أما في الجانب الاسرائيلي وبرغم الخسائر البشرية المحدودة فقد جلبت لها تلك الحرب فوائد جمة من تماسك الجبهة الداخلية أمام الأخطار والظهور بمظهر مواجهة الارهاب الأصولي المحلي والايراني أمام العالم واكتساب الخبرة العملية خاصة في مجال حرب الأنصار مع الحصول على أسلحة متطورة واستصدار قرارات من مجلس الأمن تمنع أي تواجد لقوات حزب الله جنوب نهر الليطاني وبالتالي تصدير ذلك الشر الى جبهة الداخل اللبناني الذي تابعنا فصوله من خلال التسعير المذهبي واستخدام سلاح حزب الله ضد الخصوم السياسيين مما ينذر بوقوع الحرب الأهلية عاجلا أم آجلا وكانت مقدماتها تجلت في أحداث أيار المنصرم في بيروت وجبل لبنان والشمال رغم نتائج مؤتمر الدوحة التصالحي الذي نتمنى له النجاح , وفي ما يتعلق بالصديق الايراني ! المزعوم لاحاجة الى الاطالة لأنه يحمل مشروعا خاصا بمصالحه ونفوذه في المنطقة ويستثمر الآخرين بواسطة أموال النفط تارة والعصبية المذهبية تارة أخرى من أجل بسط سيطرته على الخليج العربي والعراق وصولا الى شواطىء المتوسط في لبنان وغزة , أما حكاية الفشل الأمريكي في المنطقة ففيها وجهات نظر وكما أعتقد مع آخرين أن الانتصار الاستراتيجي الأهم للغرب عموما والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص بعد النجاح في تقريب وتفعيل عملية انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي سابقا ومن ثم الاجهاز عليه هو اسقاط نظام طالبان في افغانستان ونظام صدام حسين في العراق والاحتفاظ بجميع القواعد العسكرية في المنطقة وامتيازاتها النفطية وبصداقاتها مع معظم حكوماتها وابرام اتفاقيات متعددة الوجوه مع حكومة العهد الجديد في افغانستان والشروع الآن بابرام مثلها أو أكثر منها أهمية استراتيجية في العراق بعد تفكيك البنية التحتية للارهاب الأصولي بوجهيه الاسلامي السياسي والقوموي العنصري أما وأن التوهم بالوساطة التركية بدلا من الأمريكية فما هو الا استهانة بعقول الآخرين لأن تركيا عضو في الناتو بامرة أمريكية بل وتعمل لصالح تحقيق المشروع الأمريكي في المنطقة بما في ذلك أمن اسرائيل وكان الأجدى لأوساط النظام السوري الاعتراف بامتناع الطرف الأمريكي التوسط لأسبابه الخاصة ومنها سلة من الشروط من جانب الادارة الراهنة تتعلق بلبنان وفلسطين والعراق والوضع الداخلي وبمصداقية نظام الاستبداد أيضا أخيرا وبمقارنة سريعة بين شروط ومتطلبات السلام الاسرائيلي بين كل من ” وديعة رابين ” وطبعتها الجديدة ” وديعة أولمرت ” نتوصل الى مدى ودرجة التنازلات المطلوبة من النظام السوري الضعيف والمعزول داخليا وعربيا ودوليا لتقديمها ثمنا لبقائه ليس الا .
قصة الأوراق التفاوضية :
منذ انقلاب الرئيس الراحل حافظ الأسد على رفاقه باسم الحركة التصحيحية بان الوجه الحقيقي لنظام الاستبداد أكثر في مجال الصفقات والمقايضات والمفاوضات السرية على الصعيدين الاقليمي والدولي ليس من أجل تعزيز قوة سوريا الاقتصادية وتحسين الظروف المعيشية للسوريين وتحرير الأجزاء المحتلة من أرض الوطن ونصرة القضية الفلسطينية وحلها بصورة عادلة وتحقيق العمل العربي المشترك ومواجهة الأطماع الخارجية بل من أجل هدف واحد وهو الحفاظ على النظام واستمراريته ويجب الاعتراف بأن أجهزة السلطة الحاكمة نجحت في استقطاب الكثير من المنظمات والأحزاب والشخصيات العربية وغير العربية المعارضة لأنظمة بلدانها وبشكل خاص مجموعات من الفصائل الفلسطينية كما يجب الاعتراف بأن غالبيتها استخدمت كأوراق لمصلحة أجندة النظام ثم استغني عن بعضها بمقايضات مباشرة وغير مباشرة بعد تحقيق الأهداف وفي المرحلة الراهنة يتواصل النهج ذاته مع ظهور عامل جديد وهو استخدام النظام ورقة المنظمات والجماعات الارهابية الأصولية تماما كما فعل نظام صدام المقبور ذلك ويحاول النظام بكل قواه استجماع ما يمكن من الأوراق لتعظيم سطوته الاستبدادية وتعزيز قدراته التفاوضية ليس مع اسرائيل فحسب بل ضد الشعب السوري ومعارضته الوطنية ومع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ودول الاعتدال العربي والحكومة اللبنانية والسلطة الفلسطينية والعهد الجديد في العراق ودول الخليج العربي واضعا في صلب أهدافه البقاء كما هو دكتاتوريا معاديا لشعبه ومتنازلا اذا دعت الحاجة أمام الخارج ومن ثم مضحيا بكل الأدوات والتحالفات القائمة .
ان ما يلفت النظر ويحز في النفس في الوقت ذاته دعوة بعض المثقفين السوريين المحسوبين على أطراف من المعارضة وتحديدا على الجناح القريب من السلطة في – اعلان دمشق – وليست قيادته المناضلة المعتقلة الى تعزيز الأوراق التفاوضية للنظام دون أن يعلموا طبيعة المفاوضات بين النظام واسرائيل وفي اي اتجاه تسير ومن أجل أي هدف وهذه الاشكالية تعيدنا الى المربع الأول عندما نشب الخلاف في صفوف الحركة الوطنية السورية منذ ستينات القرن الماضي بشأن العلاقة من أنظمة البورجوازية الصغيرة والحزب الواحد التي استولت على الحكم عبر الانقلابات العسكرية في كثير من البلدان العربية وخاصة في العراق وسوريا ومقولات ” النظام الوطني التقدمي ” وجبهة النظام وأولويات البرامج النضالية بخصوص طبيعة السلطة والديموقراطية وحقوق الطبقة العاملة والكادحين والتقدم الاجتماعي ونظرية ” كل شيء من أجل المعركة ” ودعوات وقف العمل من أجل التغيير الديموقراطي والاصلاح ورفع حالة الطوارىء والقوانين العرفية لحين تحرير كل من الجولان والاسكندرون وبعد ذلك فلسطين واذا كان النظام السوري يواصل نهجه القديم – الجديد لمصالحه الخاصة فلماذا يتورط البعض من المثقفين عن جهل أو قصد مجددا دون الاستفادة من عبر تاريخ حركتنا الوطنية وما فعل بها نظام الاستبداد منذ عقود فهل يعتبر هؤلاء أن النظام هو مصدر الشرعية الوطنية والمؤتمن على رعاية مصالح الشعب والوطن والمؤهل على تحرير ما تسبب هو في احتلاله ؟