الرئيسية » مقالات » جذور الاستبداد وبذور الديمقراطية وآفاقها في العراق

جذور الاستبداد وبذور الديمقراطية وآفاقها في العراق

شهد القرن الحالي أهم موجتين من تطلع البشرية نحو الديمقراطية. الموجة الأولى ترافقت مع نتائج الحرب العالمية الثانية وانهيار أعتى الأنظمة الاستبدادية في العالم آنذاك؛ أي الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية والعسكرية اليابانية. وإثر هذا الانهيار انتقلت القيم الديمقراطية إلى مرحلة جديدة من تغلغلها في وعي وممارسات البشر، وتأثيرها على أنظمة الحكم القائمة في العالم آنذاك. أما الموجة الثانية فقد اقترنت بانهيار نظام الحزب الواحد في أوربا الشرقية وما رافق ذلك من نزوع نحو الديمقراطية عمت أرجاء المعمورة. وتأثرت بهذه الموجة حتى الدول التي قطعت شوطاً في إقامة المؤسسات المنتخبة وفي استتباب نظام الحكم الديمقراطي الليبرالي، ونقصد هنا الأنظمة الديمقراطية في الدول الغربية. لقد شكل إنهيار أنظمة الحزب الواحد مؤشراً على أن الديمقراطية كحاجة وكقيمة في حياة البشر وفي شكل المؤسسات السياسية الحديثة من أنظمة وأحزاب قد أحرزت إنتصاراً تاريخياً على الأشكال الأخرى من أنظمة الحكم. وكسبت الديمقراطية مشروعية الحياة السياسية الحديثة، فالقوانين والقواعد والسياسات أصبحت مبررة حيثما إستندت على الديمقراطية رغم الصعوبات والإشكالات أو الثغرات والمثالب فيها او تلك التي ارتبطت بتطبيقاتها.
اليوم تعلن غالبية الحركات السياسية أنها ديمقراطية، وبما فيها قسم من التيارات الدينية التي كانت ترفض إلى وقت قريب مفهوم الديمقراطية باعتباره “بضاعة مستوردة” من الخارج لا تتناسب مع القيم الدينية، تبنيها للديمقراطية أو تسعى إلى الديمقراطية بغض النظر عن التفسيرات المتباينة بل وحتى المتناقضة لها. إن عدداً لا يستهان به من الدول قد تخلت عن النظم الاستبدادية وانتقلت فعلياً إلى أنماط من الديمقراطية أو تتخذ خطوات تدريجية في هذا الإتجاه. كما أن الكثير من الأحزاب والحركات السياسية أخذت تدقق في برامجها بما يتفق مع القيم الديمقراطية في حياتها الداخلية أو في برامجها. ودفعت هذه الموجة بعض الأنظمة أو الحركات السياسية إلى خداع الرأي العام بتبني الديمقراطية. فالنظام العراقي البائد، على سبيل المثال، سارع في ظل ضغط هذه الموجة إلى الإعلان عن نيته بإصدار قانون تشكيل الأحزاب، رغم عدم الشروع به والتلاعب به لأن كل دعواته تخدم أغراضاً لا علاقة لها بتغيير البناء الاستبدادي الفريد الذي كان قائماً في العراق.

نبذة تاريخية

قبل الدخول في صلب موضوعنا، من المناسب إلقاء نظرة على مسار تطور القيم الديمقراطية، أو بعبارة أخرى مسار تطور مشاركة المواطن في الحكم وإدارة شؤونه. فقد شهد المجتمع الإنساني منذ بداية تبلور المجتمعات نماذج متنوعة من هذه القيم، وربما ستخلق تجربة الإنسان وحاجاته وقريحته نماذج أخرى في المستقبل.
النموذج الأول: الديمقراطية المباشرة التي شارك فيها المواطنون بشكل مباشر في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشؤون العامة. إنه نموذج أولي للديمقراطية وجد في بلاد الرافدين القديمة وبلاد الأغريق ،أثينا القديمة، والذي عرف بمجتمع المدينة أو دولة المدينة. وكان المجتمع البابلي المبكر يتألف من مواطنين كاملي الحقوق وأناس أحرار متساوين من الناحية القانونية. وتشير النصوص التاريخية إلى أن المؤشر الرئيسي لوضع المواطن قانونياً تمثل في حقه في الاشتراك في المجلس الشعبي الذي كان يتولى البت في مختلف القضايا الإدارية المحلية وفي دعاوي المِلكية. ولم يكن للسلطة الملكية طابعاً إستبدادياً صرفاً، إذ كان المجلس الشعبي يحد من هذه النزعة. وبالطبع لا بد من التذكير بأن من يمارس هذا الحق “الديمقراطي” هو من يعتبر مواطناً فقط، ويستثنى منه العبيد والنساء.
النموذج الثاني : نظام الشورى الذي يسترشد بمبدأ “وأمركم شورى بينكم”، والقائم على اختيار النخبة العارفة والملتزمة بالمعايير الأخلاقية والدينية التي تعترف بها الغالبية في المجتمع. ولم يتسنى تطبيق هذا النمط الا في فترات محدودة. ويضاف إلى ذلك فإن تعريف وتحديد هذا الشكل وآلية تنفيذه خضع خلال فترات زمنية إلى اجتهادات وتطبيقات متناقضة. فتطبيقه الآن في بعض دول الخليج، حيث يتم تعيين مجلس شورى استشاري من قبل المسؤول الأول، يتفاوت عن ما يطبق في الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث تجري أنتخابات لمجلس الشورى، ولكن بعد الموافقة على المرشحين وغربلتهم من قبل هيئة الخبراء، علماً ان مفتاح الحل والفصل يبقى بيد المرشد الاعلى الديني وليس بيد الهيئات المنتخبة من قبل الشعب كما هو الحال في ايران. ولكن يبقى التطبيق لهذا النموذج في الظرف الراهن خاضعاً للتقييد إلى درجة إهمال قطاع واسع من المواطنين والأحزاب السياسية في المشاركة في إدارة شؤونهم. ولابد أن يؤدي هذا النموذج إلى فرض الاستبداد الديني الذي يعد أفضع أشكال الاستبداد.
النموذج الثالث: الديمقراطية التمثيلية. فقد اقترح كارل ماركس الدولة المشاعية “الكومون” بدلاً عن الديمقراطية الليبرالية. وهذه الصيغة للديمقراطية لا تنفصل عن مفهوم الدولة لدى ماركس والتي إعتبرها جهاز تطبيق العنف من قبل الطبقة المهيمنة وحسب، دون فرزها عن مفهوم السلطة. وعلى اساس هذا النموذج تقوم أصغر خلية اجتماعية بإدارة شؤونها، وتنتخب ممثليها إلى الوحدات الإدارية الأكبر وهذه بدورها إلى الإدارة الشاملة. وهو ما يطلق عليه اسم “التركيب الهرمي للديمقراطية التمثيلية”، الذي يستكمل بحلقة أخرى هي الحزب الذي يعتبر الأداة لخلق الإطار والوسيلة لبناء المجتمع الأرقى. لقد أستندت هذه الفكرة عند ماركس إلى مركزية الطبقة والموقع المهيمن للبروليتاريا ومفهوم السياسة التي تتبلور في الإنتاج مع التقليل من أشكال البنى الاجتماعية الأخرى.
و ينطوي هذا البناء على عدم وجود ترتيب مؤسساتي يلعب دور الوسيط والمحاوِر مع المجاميع والحركات المعارضة؛ أي إنعدام نظام المنافسة الحزبية وعدم وجود هيكيلية تسمح بتشكيل مجموعات الضغط والأحزاب السياسية المستقلة وبقاء المجتمع المدني مقيداً بهيمنة الدولة كما حصل بالتطبيق لاحقاً. وعلى الرغم من أن ماركس إعتبر الديمقراطية الليبرالية خطوة إلى الأمام في التحرر الإنساني، ومقدمة لبناء مجتمع العدالة وقيّم عالياً نموذجها في الولايات المتحدة باعتباره أرقى أشكال الديمقراطية في ذلك الوقت، إلاَ إنه اعتقد أن المُثل العليا للحرية والمساواة والعدالة لا يمكن أن تتحقق ببساطة عبر التصويت الحر في نظام سياسي يعمل في ظل حرية الربح في السوق. ويدخل في إطار هذا النموذج الأشكال التي طبقت لاحقاً مثل الديمقراطية الشعبية أو الديمقراطية الجديدة أو الديمقراطية الموجهة أو الديمقراطية القومية.
النموذج الرابع : الديمقراطية الليبرالية. وتم التوصل إلى هذا النموذج عبر مرحلة طويلة نسبياً بدأت من القرن الثامن عشر إلى القرن العشرين وما تزال تسير في عملية تكاملها. وتنطوي الديمقراطية الليبرالية على حماية المواطن من الاستخدام الاستبدادي للسلطة، والحفاظ على المجتمع المدني المستند إلى مبدأ الحكومة المنتخبة من قبل أفراد المجتمع بغض النظر عن الجنس والعرق والدين والطبقة. وتؤمن الديمقراطية الليبرالية حرية المعتقد وحق معارضة الحكومة القائمة وحماية المعارضة وحق تشكيل الحركات والاتحادات المستقلة والأحزاب السياسية وبالطبع حرية الملكية الخاصة التي لها تأثير هام في تطبيق هذا النموذج. لقد إنتشرت الديمقراطية الليبرالية في الولايات المتحدة وأوربا الغربية، وفي اليابان وايطاليا بعد انهيار الفاشية الايطالية والعسكرية اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. وتنتشر الآن في بقاع أخرى من عالمنا. ومن البديهي أن نشير هنا إلى أن الديمقراطية الليبرالية هي ليست نهاية المطاف في التجربة الإنسانية، فحاجة الإنسان والتغيرات في آلية المجتمع ستبتدع بالتأكيد أشكالاً أخرى.
النموذج الخامس: الديمقراطية التوافقية، وهي احد النماذج المقترحة لمعالجة مسألة المشاركة في المجتمعات التعددية او المتعددة ، فهي خلافاً للديمقراطية التمثيلية، لاتستند الى عناصر التنافس في البرامج والاستراتيجيات، والاحتكام الى منطق الاغلبية الحاكمة والاقلية المعارضة والاعتماد المتواتر على اسلوب الاقتراع او الانتخاب كما هو الحال في الديمقراطيات القائمة والمستقرة في العالم، بل تعتمد أساساً على اقامة تحالفات من لمكونات سياسية منتخبة التي في الغالب تكون ممثلة لمجاميع طائفية وعرقية ولا تمثل برامج اجتماعية واقتصادية.إن مثل هذا الائتلاف يقوم حتى ولو كانت لأطرافها برامج متعارضة، كي يتوفر لها فرص التمثيل والمشاركة في صنع القرار من أعلى هرمه إلى أسفله من دون الخضوع لسلطة الأغلبية. فمن حق الأقلية أن تحتفظ بحق النقض أو الاعتراض كي تحد من هيمنة الأغلبية المنتخبة على صنع القرار، وهو ما لا تتيحه الديمقراطية التمثيلية على الرغم من اعترافها بشرعية المعارضة وضمان حقوقها الدستورية في النشاط والعمل من أجل التحول الى أغلبية بدورها .ويجري ممارسة هذا النمط في الغالب في الدول التي تعاني من الاحتقان العرقي والطائفي. وهي ممارسة يمكنها أن تتفادى مؤقتاً حالة المواجهة بين التكوينات السياسية والاجتماعية وفي الغالب عرقية وطائفية، ولكنها لا يمكن أن تكون مستقرة ولا تحل القضية الأساسية التي تقر بشكل كامل بدور الشعب وصندوق الانتخابات في أية عملية ناجحة ومستقرة في ممارسة الديمقراطية وإرسائها. ولعل ما عانته التجربة اللبنانية وتجربة السنوات الخمس العراقية القائمة على المحاصصات الطائفية هي خير دليل على ذلك.

تجربة العراق الحديث

العهد الملكي

تأثر المجتمع و الدولة العراقية الحديثة بطبيعة العملية الإنتاجية القائمة على الدور المهيمن للدولة فيها، إضافة إلى الإرث الثقيل الذي ورثاه عن الحكم المغولي ثم الحكم العثماني, علاوة على تأثير التجارب السلبية للدول المجاورة ومنها ايران وتركيا ومصر. فالحكم المغولي الذي بدأ منذ سقوط بغداد عام 1258، وإستمر حتى القرن السادس عشر تميز بتحطيم كل البنى التحتية وأشاع الانحطاط والركود في كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وبعد زوال الحكم المغولي أصبح العراق ميداناً للحروب المدمرة بين الدولة الصفوية والعثمانية إلى أن تسلط الحكم العثماني على العراق ليستمر هو الآخر في تكريس الركود والتدهور. وبذلك مر العراق بفترة تزيد على السبعة قرون وهو في حالة من التراجع والانحطاط الشامل. وفقدت البلاد مراحل التطور الطبيعي، وجرى تدمير البنية التحتية الاجتماعية والاقتصادية و انطمرت شبكة الري الحاسمة في تطور الانتاج الزراعي. وحصلت وقفة خطيرة في التطور والنمو امتدت منذ مرحلة الإزدهار الذي شهدته البلاد في العصر العباسي وحتى بداية القرن العشرين. ولكي نوضح صورة واحدة من هذا الدمار الذي أصاب وادي الرافدين نرجع إلى المنابع التاريخية، التي تشير إلى أن نفوس القاطنين فيما يعرف اليوم بالعراق قد بلغ 50 مليون نسمة في القرن التاسع الميلادي، إلا أن هذا الرقم تراجع إلى 2,5 مليون نسمة في عام 1800. فبالإضافة إلى المجازر التي إرتكبها المحتلون الفرس والعثمانيون ضد أبناء وادي الرافدين، فقد طغت على العراق أربع موجات من الطاعون بين أعوام 1689- 1802، أزهقت أرواح 50 ألف شخص في كل شهر خلال موجة الطاعون عام 1831 فقط. وأضحى العراق في ظل الحكم العثماني من أكثر أراضي الدولة العثمانية تخلفاً والأكثر استغلالاً وذات إدارة ضعيفة وغير متطورة. فقد ركزت الدولة العثمانية جهدها على تطوير مناطق أخرى من إمبراطوريتها.
إن ما يعرف بالعراق اليوم كان منقسماً إلى ثلاث ولايات، ولاية الموصل وتتصل إدارياً بديار بكر وولاية بغداد وولاية البصرة، أي أنه لم يكن كياناً إدارياً واقتصادياً واجتماعياً واحداً خلال فترة السيطرة العثمانية. وفشلت محاولة الوالي مدحت باشا القيام بالإصلاحات الإدارية والاقتصادية، ونشر بذور التمدن ومنها ملامح للديمقراطية في العراق في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد أن قضى عليه السلطان عبد الحميد.
وإضافة إلى ذلك ورث العراق شكل البناء الاستبدادي المغلف بالغطاء الديني والمذهبي الطائفي من الدولة العثمانية، وتأثيره السلبي على وعي الناس وأفكارهم وممارساتهم. فالسيطرة العثمانية غرست تقاليد إجتماعية مستمدة من مفهوم حق الملوك الإلهي في الحكم. ولكن ينبغي الإشارة إلى أنه إلى جانب هذه التركة. فقد تأثرالعراقيون أيضاً بالأفكار التنويرية التي تسربت من أوربا والتجديد الذي طال الشعوب المجاورة؛ أي الشعب التركي وشعب بلاد فارس(جمال الدين الأفغاني ) وبالحركات الإصلاحية في مصر وبلاد الشام (عبد الرحمن الكواكبي). وقام بعض العراقيين بإقامة صلات مع هذه الحركات الإصلاحية والسياسية. فحركة “تركيا الفتاة” وثورتها على الطغيان وإعلان الدستور عام 1908، وهو ما عرف بالمشروطة التركية، نقلت إلى العراقيين مفاهيم جديدة كالانتخابات والأحزاب السياسية وحرية الصحافة. ويعتبر عام 1908 عام بداية تبلور إرهاصات الوعي الديمقراطي لدى العراقيين في العصر الحديث. ونتيجة لذلك تكونت الجمعية العربية ومقرها في بغداد عام 1912. ثم تشكلت مجموعة سياسية ملتفة حول سيد طالب النقيب ومقرها في البصرة ثم فروع جمعية الاتحاد والترقي في بغداد والبصرة والموصل والنجف والحلة وكربلاء، وكان الشاعران معروف الرصافي ومحمد صدقي الزهاوي من مؤسسي فرع بغداد. هذه الحركات رفعت في البداية شعارات ديمقراطية بسيطة مثل الاستقلال الذاتي وإستخدام اللغة العربية في المدارس والمحاكم وتوفير الوظائف للعراقيين.
وفي هذه الفترة أيضاً لوحظ الاهتمام بإصدار الصحف، حيث ازداد عدد الصحف العلنية من 6 صحف عام 1910 إلى 50 صحيفة في عام 1914. وجرت أولى إنتخابات لمجلس المبعوثين فاز فيها 16 مبعوثا ً( شيعي واحد، ويهودي واحد والبقية من أبناء الطائفة السنية، وهو ما يعكس تأثيرات التمييز الطائفي السائد في الدولة العثمانية). لقد تأثرت العناصر المتنورة “الأفندية” من الطائفة السنية بالإصلاحية التركية بالأساس، علماً أن المؤسسة الدينية السنية ظلت على علاقتها بالدولة أساساً جرياً على التقاليد الدارجة باعتبار ان الدولة كانت مصدر تأمينها إقتصادياً. ولهذا السبب شكلت النخبة الدينية السنيّة مع أنصارها جمعية “المشور” وكان هدفها الدفاع عن الشريعة المحمدية ومقاومة الأفكار اللادينية والتصدي لجمعية الاتحاد والترقي.
أما النخبة الشيعية فقد تأثرت أكثر بالحركات الإصلاحية التي عمت إيران أو بلاد فارس كما سميت آنذاك. فامتد الصراع الحاد الذي جرى في بلاد فارس بين أنصار”المشروطة” و”المشروعة” إلى أوساط الطائفة الشيعية وخاصة المؤسسة الدينية. فأنصار المشروطة اعتقدوا أن الإمام الحسين إنما قتل بسيف الإستبداد وإنه لو كان نظام المشروطة سائداً في زمانه لأختاره المسلمون خليفة عليهم بدلاً من يزيد. أما أنصار “المشروعة” فرأوا أن المشروطة تعني الشورى، وإن الشورى هي التي أدت إلى ضياع الخلافة من أهل البيت ووصولها إلى رجل مثل يزيد. وأصدر أحد رجال الدين وهو المرزا محمد حسين النائيني كتاباً جريئاً تحت عنوان “تنبيه الأمة في وجوب المشروطة”، إحتوى على أفكار مستنيرة حول تعليم المرأة وإصدار الصحف وحرية الرأي. وطبع هذا الكتاب بعدئذ في جريدة “العرفان” الصيداوية اللبنانية، ولكن منع من توزيع المجلة في العراق بتوصية من الكاتب نفسه بعد أن أصبح من المراجع الكبار للطائفة الشيعية.
وإنقسمت المؤسسة الدينية وأتباعها في النجف وكربلاء إلى فريقين، أحدهما يدعو إلى المشروطة بزعامة الملا كاظم الخراساني، وآخر يدعو إلى المشروعة بزعامة السيد كاظم اليزدي. وإعتبر دعاة “المشروعة” الملا كاظم الخراساني كافراً. ووصل الصراع إلى حد أنه عندما يسمع أنصار المشروعة عن إنحياز أحد العلماء الـى “المشروطة”، فإنهم يدعون إلى الإنفضاض عنه، ويوجهون اللعنات إليه ويرفضون الصلاة خلفه. أما “الأفندية” والمتعلمون من الطائفة الشيعية فكان موقفهم إلى جانب المشروطة، وبادروا إلى تنسيق مواقفهم مع “الأفندية” من الطوائف الأخرى في إطار التوجه لتحديث المجتمع وبملامح ديمقراطية أولية.
وفي الحقيقة أنه في الفترة التي سبقت إندلاع الحرب العالمية الأولى، شهدت مدن العراق الرئيسية نقاشات واسعة حول مسائل سياسية وإجتماعية وفكرية واسعة مما تستحق دراسة خاصة بها. فعلى سبيل المثال، كتب الشاعر العراقي الكبير محمد صدقي الزهاوي مقالة نشرتها جريدة المؤيد في السابع من آب عام 1910 وتنطوي على أفكار ربما يصعب الآن طرحها حيث قال:”أجاز المسلمون أن يقسي الرجل فيطلق المرأة ويستبدلها بغيرها كسقط المتاع راداً إلى حضنها أطفالها الذين هم نتائج شهوته غير راحم لدموعها ولا مصغ لنشيجها… لماذا لم يجز المسلمون أن تطلقه لتنجو من شراسته، وقد قال تعالى في كتابه المبين بعد آية الطلاق (ولهن مثل الذي عليهن)، لماذا لا يكون لها هذا الطلاق مثل ما هو عليها لتعم المساواة وتسود العدالة كما هو مدلول الآية. إني وحقك لأحب الشيعة لأنهم لا يقولون بالطلاق إلاّ إذا وقع أمام مجتهدهم، وأحب الوهابية لأنها لا تقول بوقوعه ثلاثاً في قول واحد إلاّ إذا كان القول متعدداً والأزمنة مختلفة، ولا يخفي ما في ذلك من التؤدة وإعطاء المهلة ليجد فيها الزوج الطائش زماناً للندم عن ذنب جناه على أولاده الصبية وعلى رفيقة حياته، وإن كان المذهبان جائرين لأنهما لا يخولانها هذا الحق الذي شرعه العقل…”.
إلاّ إن إندلاع الحرب العالمية الأولى سرعان ما كبح هذه النقاشات، وكبتت حرية الفكر وقمع هذا التيار الديمقراطي الوليد. وزاد من ذلك تنامي النزعات الطورانية للقيادة التركية الجديدة وتنكرها للدعوات التحررية وبالتالي توجهها لقمع أية تطلعات ديمقراطية للشعوب الخاضعة للأمبراطورية العثمانية.
لقد انقسم الشارع العراقي، شأنه شأن الشعوب العربية الأخرى، حول الموقف من الحرب. ففريق ظل مشدوداً لمقولة الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية ووقف إلى جانب العثمانيين، إلا أنه سرعان ما تقلص نفوذه مع اولى بوادر هزيمة العثمانيين في الحرب. أما الفريق الآخر الذي سئم الاستبداد العثماني وتخلفه، والذي كان يتطلع إلى بناء الدولة الوطنية، أو من تكونت له مصالح مع الدول الأوربية، فقد اتخذ موقف الخصومة إزاء الدولة العثمانية. وتجمع هذا الفريق تدريجياً، بمن فيهم عدد غير قليل من الضباط العرب العاملين في صفوف القوات العثمانية، حول الشريف حسين الذي أعلن الثورة على العثمانيين وبتشجيع بريطاني وذلك في أواخر فترة الحرب.
احتلت بريطانيا العراق بعد هزيمة الدولة العثمانية. وانتظر العراقيون تنفيذ مطالبهم، وعادت نقاشاتهم حول مستقبل دولتهم الموعودة وطبيعة البناء السياسي فيها وحول مستقبل العلاقة بين الشعوب العربية؛ أي هل تؤسس دولة عربية موحدة أم لا؟. إلاّ أن العامل الدولي حسم الأمر عندما بادر إلى تنفيذ خطة تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية بين فرنسا وبريطانيا تطبيقاً لاتفاقية سايكس-بيكو. وكان العراق من نصيب بريطانيا لاعتبارات لا مجال هنا للخوض فيها. ثم ما لبث أن أصبح واضحاً لجميع العراقيين تلكؤ الحكومة البريطانية في الاعتراف باستقلال العراق خلافاً لوعودها. هذا الموقف البريطاني كان أحد العوامل في اندلاع ثورة العشرين الوطنية ضد المحتلين البريطانيين، هذه الثورة التي شملت جميع مناطق العراق، مما كلفت بريطانيا خسائر مادية وبشرية دفعتها إلى الاعتراف باستقلال العراق ضمن الحماية البريطانية؛ أي الاستقلال الشكلي.
و جرى تنصيب الملك فيصل الأول ملكاً على العراق بعد أن أبعدته السلطات الفرنسية من سورية إثر تتويجه ملكاً على بلاد الشام. ومهما قيل عن بيعة العراقيين للملك فيصل الأول، إلاّ أن الواقع الفعلي يدل على أن قرار بريطانيا بتنصيب الملك فيصل على عرش العراق كان هو الحاسم. أما استفتاء الشعب حول هذا العرش، والذي أعلن نتائجه السير برسي كوكس مشيراً إلى أن 96% من العراقيين صوتوا إلى جانبه، فكان عملية شكلية وأول تزييف لإرادة الشعب العراقي في ظل دولته الجديدة. إذ كان “شعار العراق للعراقيين” الذي رفعه السيد طالب النقيب يجتذب وسطاً واسعاً من العراقيين بحيث أن بريطانيا اضطرت إلى إبعاده إلى سيلان للحد من تأثير دعوته لهذا المطلب .
وإضافة إلى ذلك فإن المصادرالتاريخية المتوفرة تشير إلى وجود نزعة قوية في تلك الفترة، وإمتدت حتى بعد تولي الملك فيصل الأول عرش العراق تطالب بإعلان الجمهورية في العراق. ويؤكد هذه الحقيقة الكاتب البريطاني جون فيلبي في كتابه “أيام عربية ” حيث يورد العبارة التالية:”الشعور العام في العراق كان يومذاك ميالاً بصورة جازمة إلى الجمهورية وضد الملكية”. وكتبت جريدة الاستقلال، المعبرة آنذاك عن أوساط واسعة في الحركة الوطنية العراقية، إفتتاحية بتاريخ 17/10/1920 قالت فيها “الجمهورية أحسن بكثير من الملوكية الوراثية لأن الأمة لا تنتخب إلاّ الذين تعتقد فيهم الآهلية، والطراز الآخر تابع لما تلده البطون”. هذا الشعور تأتى من الطموح نحو ممارسة الانتخاب بإعتباره أحد القيم الديمقراطية؛ أي مشاركة المواطن في إدارة شؤونه. وبُعيد إعتلاء الملك فيصل عرش العراق في 18 آب/أغسطس عام 1921 خفت المطالبة بالنظام الجمهوري، ولكن مع استمرار المماطلة في إقامة المؤسسات المنتخبة واستمرارالهيمنة البريطانية على شؤون الدولة وتردي الأوضاع عادت نزعة المطالبة بالجمهورية تنتعش من جديد. وكتبت صحيفة الأهرام القاهرية في عددها الصادر بتاريخ 12 تشرين الأول / إكتوبر عام 1922 الخبر التالي من بغداد: “جماعة من العلماء تفتي بخلع الملك”. إن علماء الدين في النجف وكربلاء والكاظمية فكروا بنقض البيعة والتخلي عن الملك إلى حد أن الشيخ مهدي الخالصي صرح لجمع من المعارضين في 26 حزيران عام 1922:”إنه لما كان الملك لم ينفذ شروط انتخابه للعرش في أن يحافظ على استقلال العراق فإن بيعتهم له بطلت وأصبحت لاغية”. ولكن فكرة الجمهورية خبت باغتيال توفيق الخالدي، وزير الداخلية في وزارة عبد الرحمن النقيب الثانية ووزير العدلية في وزارة النقيب الثالثة الذي كان من المناصرين للنظام الجمهوري.
إن مبايعة الملك فيصل الأول ارتبطت بشرط إقامة نظام المشروطة الديمقراطي وإنتخاب المؤتمر التأسيسي الذي يسن القوانين والدستور في مدة ثلاثة أشهر من استلام الملك لزمام الأمور. هذا إضافة إلى أن العاملين في الحركة الوطنية في الموصل أضافوا شرطاً آخراً هو ضرورة انعقاد المؤتمر الوطني خلال ثلاثة أشهر. أما في منطقة كردستان فقد “صوّت الكثيرون لفيصل بشرط المحافظة على حقوق الأكراد والأقليات”. إلاّ أن هذه المطالب المشروعة اصطدمت بمصالح سلطات الانتداب البريطانية والنهج الذي اعتمده الملك فيصل وحاشيته من العراقيين والعرب في إدارة البلاد.

ملامح الحكم في العهد الملكي

لقد تطلب ضمان مصالح بريطانيا والعرش الهاشمي انتهاج سياسة تتنافى مع القواعد والقيم الديمقراطية في بلد، مثل العراق، له خصائصه المتميزة عن البلدان العربية الأخرى. فالتركيب الأثني ينطوي على التنوع عند تشكيل الدولة العراقية، حيث يشكل العرب قرابة 70% من السكان والكرد 17% والبقية يتوزعون على الأقليات القومية كالأتراك والتركمان والآثوريين والكلدان والفرس والأرمن واليهود. ويكفي أن نشير إلى إن عدد اليهود القاطنين في بغداد بلغ 80 ألف من أصل 202 ألف نسمة هم سكان بغداد في بداية القرن العشرين. وضمن هذه التركيبة الأثنية، هناك تنوع كبير في الولاءات الدينية. فالعرب يتوزعون على الطائفة الشيعية والسنية والصابئة وفريق من المسيحيين وهذه الطوائف أيضاً بدورها تنقسم إلى فرق مختلفة وتعدد الطرق الحنبلية والشافعية والقادرية. أما الأكراد فبينهم السوراني والبهديناني والفيلي والشبك والمسلم السني أو الشيعي أو اليزيدي. وكذا الحال عند التركمان حيث نجد الشيعي والسني على حد سواء. ولا يشذ المسيحيون عن هذه القاعدة حيث نجد بينهم من ينتسب إلى الكنيسة الجاثوليقية (النسطورية) أوالكاثوليكية أوالأرثودوكسية أو البروتستانتية. والحقيقة إن هذا التنوع الفريد هو سلاح ذي حدين، إذ يمكن أن يوفر ثراءاً روحياً وثقافياً وتسامحاً لدى سكان وادي الرافدين وقاعدة للانتقال الى الديمقراطية من ناحية، ومن ناحية أخرى وفي ظل تجاهل هذه الخصوصية أو استخدام السلطة لهذا التنوع لإثارة الخصومة بين السكان لفرض تسلطها طبقاً لمبدأ “فرق تسد”، فإنه يتحول إلى سلاح للاستبداد وللتطرف وعدم الاستقرار والمواجهات الدينية والمذهبية والعرقية، وبذلك يصبح معرقلاً لأي تطلع وتقدم نحو الديمقراطية.
ولقد انتهجت سلطة الانتداب والسلطة الملكية السبيل الثاني، حيث لجأت إلى تطبيق نمط الإدارة التركية القائم على نمط النقاء العرقي والطائفي، أي الإعتماد على النخبة من الطائفة السنية العربية التي لم تشكل في البلاد إلاّ نسبة 17% من السكان. وتبعاً لذلك أمسك نفس الطاقم العراقي والعربي الذي كان قد خدم الإدارة العثمانية بالحلقات الرئيسية لإدارة الدولة في العهد الملكي . فمنذ عام 1921 حتى عام 1958 أي عام سقوط الملكية، كانت 80% من المناصب الحكومية الحساسة (رئيس الوزراء، وزير المالية، الداخلية، الدفاع، الخارجية) بيد النخبة السنية. وخلال نفس الفترة شكلت 23 وزارة شغل أربعة فقط من الشيعة منصب رئاسة الوزراء. وفي عام 1930 فقط، على سبيل المثال، كان هناك 13 متصرفاً (محافظاً ) من أصل 14 متصرفاً و 43 مدير قضاء من أصل 47 ينحدرون من أبناء الطائفة السنية. وهيمنت نخبة هذه الطائفة على إدارة المؤسسات القمعية كالجيش والشرطة والأمن بحيث كان من النادر على أبناء الطوائف الأخرى إختراق هذه المؤسسات.
ولم يقتصر الأمر على الجانب الإداري بل تخطاه إلى الجانب الإقتصادي أيضاً. فالدولة وضعت أفضل أراضيها تحت تصرف المتنفذين من سياسيين وكبار العسكريين وملاك الأراضي من أبناء الطائفة السنَية بشكل أكثر من الطوائف الأخرى بحيث أصبح تحت حوزتهم حوالي 5,2 مليون دونم مقابل قرابة نفس المساحة للملاكين الكبار من الطائفة الشيعية. وبلغ الأمر حداً أن يعترف الملك فيصل الأول بهذا الواقع في حديث خاص له حيث قال :”إن الضرائب على الشيعي والموت على الشيعي والمناصب للسني”.
وطوى النسيان قضية حل المشاكل القومية (المشكلة الكردية والأقليات) وتنامت دعوات الانصهار الاثني مما أدى إلى لجوء الحكومة المركزية فى شن الحملات التأديبية كلما طالب هؤلاء بتحقيق مطاليبهم.
إن هذا النهج القائم على تمحور السلطة بيد الأقلية حال دون تبلور روح المواطنة لبلد متنوع وجعل اللجوء إلى الإستبداد أمراً مفروغاً منه وموضوعياً. فلا يمكن أن يؤدي هذا النمط في إدارة الدولة إلاّ إلى الاستبداد الذي يصبح حصيلة طبيعية ومنطقية للاستئثار بالحكم من جانب نخبة الأقلية.
والمشكلة الأخرى التي ورثتها الدولة العراقية عن الدولة العثمانية والتي تهدد النطلعات الديمقراطية هي العسكرتاريا. فقد إنتقلت تقاليد الجيش العثماني على يد الضباط العراقيين والعرب الذين خدموا فيه، والذين تأثروا بالضباط من أعضاء “تركيا الفتاة” المولعين بالعنف وحبك المؤامرات، إلى الجيش العراقي منذ لحظة تأسيسه في عام 1921. وفرضت التقاليد المتعالية للمؤسسة العسكرية العثمانية على المجتمع، والزجر والجلد في الجيش العراقي.
فضلاً عن ذلك فقد أقحم الجيش منذ بداية تأسيسه في حل المشاكل الداخلية السياسية التي تواجه البلاد لصالح الهيئة الحاكمة؛ أي القيام بوظيفة القمع الداخلي وليس مهمة الدفاع عن الوطن ضد أي تهديد خارجي. فمهمة مواجهة التهديد الخارجي التي لم تكن موجودة عملياً، “إحتكرتها” القوات البريطانية. ويتحدث الملك فيصل الأول بدقة عن مهمة الجيش العراقي ويقول :”إنني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن الخارجي في الوقت الحاضر الذي سوف تتطلبه منه بعد إعلان الخدمة العامة. أما ما أطلبه منه الآن هو أن يكون مستعداً لإخماد ثورتين تقعان، لا سمح الله، في آن واحد في منطقتين بعيدتين عن بعضهما”. وهكذا زج الجيش العراقي خلال العهد الملكي في حل مشاكل سياسية داخلية كقمع الأكراد والآثوريين أو إخماد إنتفاضات الفلاحين المطالبين بالحدود الدنيا من حقوقهم أو ملاحقة العمال المضربين في شركة النفط البريطانية أو ميناء البصرة إلى قمع المظاهرات التي كانت تندلع بين حين وآخر في شوارع مدن العراق وفرض الأحكام العرفية العسكرية، والتي لايمكن أن توضع ضمن إطار التهديدات الخارجية.
هذه المهمة التي أوكلتها السلطة للجيش إذ وفرت الحماية للسلطة وقتياً، إلاّ أنها أضحت العامل الهام الذي أدى إلى زج القوات المسلحة في النشاط السياسي العلني والسري وتحولها إلى حزب سياسي غير معلن، مما أثر سلباً على تطور الديمقراطية في الدولة الفتية. وتبعاً لذلك بدأت المطامح تراود الضباط حول الإمساك بزمام السلطة بأنفسهم ولصالحهم والعمل بالنيابة عن السياسيين ورجال الحكومات المتعاقبة. وهكذا كان الجيش العراقي من السبّاقين في تنظيم الانقلابات العسكرية في الأقطار العربية. ويكفي الإشارة إلى أنه منذ عام 1936 وحتى عام 1941 نظم الجيش أو كان وراء سبعة تغيرات حكومية أو انقلابات عسكرية (من انقلاب بكر صدقي حتى انقلاب العقداء الأربعة). ومن اللافت للنظر أنه قد شارك عدد من الأحزاب التي ترفع لواء الديمقراطية في هذه الإنقلابات، رغم أنها سرعان ما تخلت عن دعمها للانقلاب بعد أن أدركت عداء العسكريين لأي مظهر من مظاهر الديمقراطية. لقد استخدم العسكريون العراقيون شعار الإستقرار والتحديث ومكافحة النفوذ الأجنبي كواجهة لتصفية المؤسسات الدستورية والديمقراطية المزيفة بدلاً من العمل على إزالة هذا التزييف واعتماد حكم المؤسسات المنتخبة. فهناك غالبية من العسكريين اعتبرت الحزبية شر وتفرقة والديمقراطية أمر منكر.
وانتقلت إلى الدولة العراقية الجديدة أيضاً تقاليد الدولة العثمانية القائمة على ما يعرف بالاستبداد الشرقي؛ أي أن الدولة أقوى من المجتمع. فمن ناحية، امتلكت الدولة وسائل الإنتاج الرئيسية، وخاصة الأرض التي أصبحت ملكاً للدولة إثر إصدار قانون إصلاح الأراضي العثماني لعام 1858. وأخذت الدولة العراقية بعد تأسيسها بتقديم الأراضي الأميرية طبقاً لقانون “اللزمة والتسوية” (1920-1932) إلى من يقدمون الولاء للحكم ونهجه من شيوخ العشائر القدامى والجدد. فقد عمدت السلطة البريطانية الى تأهيل رؤساء عشائر موالين لها، وقدمت لهم السلاح والسيارات على غرار ما قام به صدام حسين في آخر أيام حكمه. ان نهج الإدارة البريطانية هذا أثار السخرية لدى المواطن العراقي، مما حدى بمدير مجلة “حبزبوز” الساخرة ان يعلق على تسمية حصول حطّاب في الكاظمية على لقب رئيس لعشيرة حيث قال البيت التالي:

گومن ياحبايب جاچن إبن سهيل من بعد المُطية راكب طُرمبيل

إن نمط الحكم الذي يعتمد على الأقلية لابد وأن يدفع الحاكم إلى التفكير وينتابه القلق من التحديات التي تهدد سلطته، ولذا يندفع إلى العمل بكل السبل للسطو على ثروات البلاد من أجل الإنفاق على الجيش والأجهزة القمعية واحتياجات الحكم نفسه بالدرجة الرئيسية. وفي هذا الإطار لا يبقى مجال للحديث عن الأجهزة التمثيلية لكي تقوم بدور المحاور بين الحاكم والمحكوم ولا عن مؤسسات الإدارة الذاتية في المدينة والريف ولا إنعاش منظمات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية. وهكذا أصبح اللجوء إلى الأحكام العرفية في العهد الملكي أمراً متعارفاً عليه سواء على نطاق البلاد كلها أو مناطقياً عند أدنى بادرة من الإحتجاج الشعبي بما فيها القيام بمظاهرة او اضراب عمالي. فمنذ صدور مرسوم الإدارة العرفية رقم 18 عام 1935، وتكاد لا تمر سنة دون العمل بهذا المرسوم من أجل قمع أي مطالبة شعبية بتطبيق الدستور والعمل ضمن مبادئ الحريات الديمقراطية التي أقرها بالرغم من محدوديتها.
ولم تقتصر الإجراءات المعادية للديمقراطية على ذلك بل جرى عملياً تجميد مواد الدستور العراقي الخاصة بالحريات العامة. فمنذ أوائل الثلاثينيات، صدر 27 مرسوماً للحد من تمتع المواطن العراقي بحرياته الديمقراطية وإشرافه على السلطة، بدءاً بالمرسوم المرقم 90 لعام 1931 والخاص بصيانة الأمن وضد الإضرابات في ظل وزارة نوري السعيد، ومروراً بمرسوم خطير رقم 62 لعام 1933 حول إسقاط الجنسية عن العراقيين في عهد وزارة رشيد عالي الكيلاني، ثم المرسوم السيئ الصيت والمرقم 16 لعام 1954 والذي أطلق عليه المواطنون العراقيون “مرسوم ما شاكل ذلك”، بسبب عدم تقيّده بأي حدود لإنزال العقوبات الصارمة بالمعارضة. وأخيراً صدر مرسوم الطوارئ رقم 10 والصادر في عام 1956 والذي أمتد العمل به حتى سقوط صدام حسين في نيسان 2003.
وإذا ما صادف أن اإضطرت السلطة في العهد الملكي إلى التراجع بفعل الضغط الشعبي للعمل ببعض مواد الدستور، إلاّ أنها سرعان ما تتنكر لقراراتها وتصفي تلك المظاهر الأولية للممارسة الديمقراطية . فعلى سبيل المثال، اضطرت السلطة عام 1945 بفعل الضغط الداخلي ونتائج الحرب العالمية الثانية إلى التخفيف من نهج معاداة الديمقراطية، وأعطت المجال لعدد من الأحزاب بالنشاط وإصدار عدد من الصحف المعارضة. كما سمحت لعدد من الاتحادات المهنية بالنشاط الى حد السماح لليهود الشيوعيين بإصدار جريدة “العصبة” الناطقة باسم عصبة مكافحة الصهيونية. ولكن ما أن شعرت الحكومة أن ذلك سيؤثر على انفرادها بالقرار واحتكارها للسلطة حتى بادرت إلى سحب رخصة عدد من الأحزاب وصحفها وغلق مراكز المنظمات المهنية. ورافقت ذلك حملة ضغوط وإعتقال المعارضين وصولاً إلى تنفيذ أحكام الإعدام بزعماء المعارضة لأول مرة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة بدون أية مبررات قانونية حيث جرى اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي وفي مقدمتهم يوسف سلمان يوسف “فهد” مؤسس الحزب بدون اي سبب واضح. ونفس الأمر حدث عام 1954 بعد إزالة الأحكام العرفية التي فُرضت إثر الاحتجاجات الشعبية عام 1952 والتي أدت إلى تغيير نظام الانتخابات إلى الانتخابات المباشرة، ثم إطلاق الوعود بإجراء انتخابات نزيهة. وتبعاً لذلك جرت الانتخابات وفاز بالتزكية أنصار النظام بالطبع في غالبية المراكز، ورغم ذلك تسنى لأحد عشر من المعارضين الفوز بمقاعد في مجلس النواب رغم التزوير المعهود. إلاّ أن الحكم وبإقتراح من نوري السعيد، رمز العداء للديمقراطية آنذاك، وبعد أيام من إعلان نتيجة الانتخابات وفي اول جلسة للمجلس الجديد بادر إلى حل المجلس و لم يتحمل وجود هذه الأقلية البسيطة المعارضة في المجلس.
يؤكد علم الإجتماع الحديث وتجربة التطور الديمقراطي في البلدان الديمقراطية على أن من الأركان الهامة في البناء السياسي الديمقراطي هو قدرة جهاز الدولة على إعمال نفوذه واحتكاره للقمع وعدم تعدد المراكز القمعية في الدولة واقتصار قرارات الدولة على جهاز تشريعي واحد. ولكن تجربة الدولة العراقية منذ تشكيلها تتعارض مع هذه القاعدة، وبالتالي عرقلت مسيرة العراقيين نحو الديمقراطية. فالإدارة البريطانية احتفظت بقواتها وأجهزتها البوليسية والأمنية لفترة متأخرة من العهد الملكي، بل واستخدمت هذه الأجهزة في أعمال قمع مباشرة ضد المواطنين العراقيين بمعزل عن دور الأجهزة المحلية، ولعل أبرز مثال على ذلك هو دورها في إزاحة سلطة إنقلاب مايس عام 1941. ولم تكتف السلطات البريطانية بهذه المؤسسات بل عمدت إلى تشكيل وحدات من العراقيين، الأثوريين والأكراد، والتي كانت تعرف بوحدات “الليفي” أثناء ثورة العشرين لمجابهة الأحداث الداخلية. وقد بلغ عددها 7500 مقاتل عام 1925. وإستمر الاحتفاظ بهذه الوحدات، رغم تكامل بناء الدولة العراقية وإعلان إستقلالها، حتى عام 1955 حيث جرى تسريحها أو إلحاق بعض أفرادها بوحدات الجيش أو الشرطة العراقية. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أن شركة النفط البريطانية أسست وحدات بوليسية وأمنية خاصة بها.
وإضافة إلى ذلك فإن السلطة الملكية، ومن أجل فرض سيطرتها على المناطق الريفية بالاستناد إلى كبار الملاكين، أصدرت قانون “دعاوي العشائر” الذي ينص على تخويل الإقطاعيين صلاحيات كاملة لفرض الأمن وحل المشاكل المتنازع عليها في الريف بما في ذلك تشكيل وحدات قمع وسجون دون الرجوع إلى التشريع المدني القائم؛ أي استبداد داخل استبداد. وازداد نفوذ كبار الملاكين بشكل كبير بعد أن تزعزعت ثقة النظام بولاء الجيش له إثر انقلاب بكر صدقي في عام 1936 وحركة العقداء الأربعة في عام 1940. ويكفي الإشارة إلى أن نسبة كبار الملاكين من الشيوخ والأغوات في مجلس النواب كانت تشكل 19,3% عام 1925، ولكنها إرتفعت إلى 35,9% في عام 1958؛ أي في الأيام الأخيرة من عمر الملكية في العراق .
هذه السياسة التي اتبعها النظام أعاقت التحام العراقيين وتعزيز روح المواطنة والهوية العراقية مما وفر تربة خصبة لانتعاش الميول الاستبدادية المعادية للديمقراطية لدى النظام.
لقد تأثر المجتمع العراقي أيضاً بالنزعات الكاريزماتية الاستبدادية وتجاربها والتي إنتشرت في البلدان المجاورة او في العالم خلال فترة العهد الملكي، بغض النظر عن الاختلاف في مضامينها، ومنها الانقلاب العسكري في تركيا بزعامة أتاتورك والانقلاب العسكري في إيران بقيادة رضا خان، إضافة إلى تصاعد النزعة الفاشية والنازية في أوربا قبل الحرب العالمية الثانية أو الستالينية خلال الحرب وما بعدها ثم ظاهرة جمال عبد الناصر في فترة الخمسينيات. ومن المعلوم أن مرافقي الملك فيصل من العرب الذين تأثروا بموجة الإعجاب بأتاتورك والفاشية الإيطالية والنازية الالمانية احتلوا مراكز حساسة في التعليم على وجه الخصوص. ولذا كرست غالبية المناهج التعليمية لتسريب أفكارهم التي هي لباس عربي لخليط من النزعة القومية التركية المتصاعدة في العشرينيات والثلاثينيات والنزعات القومية المتطرفة التي استشرت في بعض البلدان الأوربية والتي تسلم أنصارها السلطة في ألمانيا وإيطاليا. وكمثال على ذلك أطلق أنصار هذه النزعة على العراق إسم “بروسيا العرب” في تلك الفترة، بما تعني هذه التسمية من معاني العسكرة وتعاظم جبروت الدولة الاستبدادية والبيروقراطية الممركزة وسيطرة الدولة على جميع مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. ولم يقتصر تشبيه العراق بالمثل البروسي، بل تعداه إلى تحديد دور أساسي للعراق في بناء الدولة العربية الموحدة المرسومة في ذهن هؤلاء. فهم يشبهون العراق ببروسيا ودورها في توحيد ألمانيا وبقوة السلاح دون الأخذ بنظر الاعتبار الفوارق في الزمان والمكان. هذا الدور الذي لم يكن العراق مستعداً لأن يلعبه لأسباب تتعلق بتركيبة العراق وقدراته، مما زج العراق في صراعات داخلية وخارجية مازالت ذيولها تؤثر حتى الوقت الحاضر. وكمثال على ذلك فإن ذريعة غزو الكويت في عام 1990 قد تم في إطار نفس هذه العقلية التي هلل البعض لها من السياسيين العرب، والتي جلبت الكوارث للشعب العراقي.
ومن أجل ترسيخ هذه النزعة بدأت المؤسسة التعليمية في العهد الملكي، عندما كان لساطع الحصري الدور النافذ فيها، حيث بادر إلى تشكيل “كتائب الفتوة” على غرار حركات الشبيبة الفاشية في ألمانيا وإيطاليا، بحيث بلغ عدد أفرادها 12 ألف شاب في عام 1930. وقد حدد مدير إدارة هذه الكتائب مهمتها في تعليم “فن الموت” كما أشير في برنامجها. ولنا أن نقدر مدى الأضرار التربوية التي أحدثتها هذه السياسة في أذهان الشبيبة في تلك الحقبة وما تبعها.
كما تبارى بعض السياسيين العراقيين في الاقتداء بالأمثلة الاستبدادية التي كانت موجودة إقليمياً وعالمياً. فناجي شوكت، مثلاً، أراد تأسيس حزب يمثل كل الأمة ويغفل كل إشارة إلى البرلمان أو الانتخابات. ويشير المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني إلى أن “نوري السعيد كانت لديه فكرة ترمي إلى تشكيل حزب فاشي ينتهج سياسة العنف”. وكان كل من رشيد عالي الكيلاني ومزاحم الباججي وعلي جودت الأيوبي وياسين الهاشمي، رؤساء وزراء متعاقبون، من المعجبين بمصطفى كمال أتاتورك. ولعب ساطع الحصري دور المنظر، ويشير إلى ذلك ناجي شوكت في مذكراته وعلى لسان الحصري قائلاً “أن النظام الذي يجب أن تتجه نحوه آمالنا ومساعينا هو نظام فاشي لا نظام بلشفي”، وإن “الوطنية والقومية قبل وفوق كل شئ … وحتى فوق وقبل الحرية”.
ومن اللافت للنظر إن هذه الأفكار لم تقتصر على الموالين للحكم فحسب بل تبنتها أيضاً تيارات وشخصيات سياسية معارضة، خاصة في التيار القومي العربي، وشقت طريقها إلى الشارع أيضاً.

الديمقراطية والمعارضة

إنتهجت السلطة في العهد الملكي، كما أشرنا آنفاً، سياسة الحد من الحريات الديمقراطية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لم يكتف المسؤولون عن شؤون الحكم آنذاك بالإجراءات القسرية، بل تجاوزوا ذلك إلى الإجراءات الاحتماعية والاقتصادية. فالسلطة هيمنت على مفاصل العملية الاقتصادية في البلاد ولم تطورها خشية من نمو الفئات الاجتماعية الحديثة التي لها مصلحة في إرساء قواعد الديمقراطية. وعرقلت الحكومة التطور اللازم للقطاع الصناعي الخاص بإعتبار أن مثل هذه السياسة الاقتصادية تؤدي إلى تنامي دور الفئات المتوسطة في المجتمع والتي ستطالب بدورها بتغيرات في البناء السياسي بإتجاه الديمقراطية. لقد خطى الحكم خطوات بسيطة في مجال التنمية الصناعية ولأسباب سياسية، منها إن الذين تولوا المناصب الهامة في الحكم لفترة طويلة ومنهم نوري السعيد كان يرد دائماً على المطالبين بأهمية التنمية محذراً من مخاطر تعاظم وزن الفئات الإجتماعية الجديدة كالعمال والمثقفين والتكنوقراط والفئات الوسطى على البناء السياسي القائم.
إلاّ أن منطق حركة أي مجتمع كان يفرض إرادته بالرغم من نهج السلطة. إذ أن حاجة قوات الاحتلال البريطاني في بداية الإحتلال بُعيد الحرب العالمية الأولى وأثناء الحرب العالمية الثانية إضافة إلى الحاجات المادية للمجتمع تطلبت، رغم عرقلة السلطة في قيام قدر من المؤسسات الاقتصادية الحديثة كصناعة إستخراج النفط والسكك الحديدية والميناء والنسيج والتبوغ وغيرها. وفرض هذا التطور المحدود على الدولة قدراً من توسيع التعليم وإرسال الطلبة إلى الدراسة في الخارج، علماً أن الأمية بقيت حتى أواخر العهد الملكي تشكل نسبة مرتفعة تصل إلى حوالي 70%. وأدى كل ذلك إلى نمو الفئات الإجتماعية الجديدة التي بدأت بدورها تبدي ضغوطها من أجل الإصلاحات السياسية بإتجاه الديمقراطية.
وبرزت شخصيات سياسية منذ العشرينيات وخلال مختلف مراحل العهد الملكي وحتى عام 1958 كانت تتبنى الديمقراطية كمنهج في إدارة الدولة مثل الشخصيات البارزة الحاج جعفر أبو التمن ويوسف سلمان يوسف (فهد) وكامل الجادرجي والشعراء محمد صدقي الزهاوي والرصافي ومحمد مهدي الجواهري وحسين الرحال وعبد الفتاح إبراهيم ومحمد حديد والعلامة والشاعر محمد رضا الشبيبي وعبد القادر إسماعيل وعزيز شريف وعبد الرحيم شريف وتوفيق منير وحسين جميل وسعد صالح جريو ومسعود محمد وعبدالله مسعود القريني وذو النون ايوب وكامل قزانجي والعالم عبد الجبارعبدالله وخدوري خدوري وطلعت الشيباني والضابط الطيار جلال الأوقاتي وتوفيق منير وناجي يوسف وفيصل السامر ونائل سمحيري وإبراهيم كبة وعبد اللطيف الشواف …الخ. وساهم هؤلاء وفي سنوات مختلفة في تشكيل أحزاب سياسية عراقية الهوية وذات برامج ديمقراطية مما عرضهم أما للسجن والتشريد وإسقاط الجنسية العراقية أو الإعدام والموت تحت التعذيب والإغتيال.
إن الشئ المتميز لجميع هؤلاء هو طموحهم لتشكيل احزاب تحتضن كل العراقيين ومعارضتهم لتشكيل أحزاب سياسية على أساس طائفي معتبرين أن بناء الدولة والحركات السياسية على أساس طائفي يغذي نزعة الاستبداد، وإن المهمة الأساسية للمعارضة تكمن في تعزيز روح المواطنة العراقية والهوية العراقية والامة العراقية بغض النظر عن الطائفة أو الدين او العرق. ومن هنا فإن الحاج جعفر أبو التمن، الشيعي المتدين، كان يعارض البناء الطائفي للحركات السياسية التي شكلها أو شارك في تشكيلها، وتعرض جراء ذلك للضغط سواء من السلطة الحاكمة اوالنقد من بعض رجال الدين الشيعة على حد سواء. وإتجهت جهود أبو التمن لتوحيد جهود العراقيين على إختلاف منحدراتهم الطائفية والدينية والقومية في الحزب الوطني العراقي الذي شكله في مطلع العشرينيات والذي تعرض للحظر ثم نفي أبو التمن إلى جزيرة هنكام في الخليج. ولعب موقف أبو التمن دوراً هاماً في تطويق محاولات تشكيل أحزاب طائفية شيعية صرفة بالرغم من سياسة التمييز الطائفي للسلطة. وهكذا لم يستطع حزب النهضة الشيعي الذي تأسس في أواخر العشرينيات من أن يستمر في نشاطه السياسي. إن ظاهرة البناء الطائفي للحركات السياسة لم تنتعش الا في بداية العقد السادس من القرن العشرين عندما أمعن الحكام في سياسة تمييز طائفية مكشوفة. واستمر ألمرحوم أبو التمن، هذا الرجل العراقي الاصيل، بنهجه حتى وافته المنية بعد الحرب العالمية الثانية دون ان تتحقق احلامه في ان تورق شجرة الديمقراطية في وادي الرافدين.
كانت الابواب موصدة امام الحركة المطالبة بالديمقراطية في العراق بسبب تعنت الحكم الملكي بعدم تطبيق بنود الدستور العراقي الخاصة بتوفير الحريات الديمقراطية. لقد كانت النخبة الحاكمة تخشى من ان اشاعة الديمقراطية ستفضي الى ازالة احتكارها للسلطة علاوة على تقليص وازالة التدخل البريطاني في الشؤون الداخلية، بما يضمن احترام سيادة الشعب العراقي على اراضيه والتمتع بثرواته الطبيعية. مع العلم ان العراقيين لجأوا الى اسلوب النضال السلمي لتحقيق مطلبهم في الحريات الديمقراطية مع استثناء مواجهات عنفية في بعض الفترات سواء في كردستان العراق او في الريف العراقي الذي كان يأن من وطأة النير الاقطاعي. الا ان انعدام اي بصيص امل في النضال السلمي دفع غالبية الاحزاب والشخصيات السياسية الى التوجه الى الجيش لتحويله الى اداة للتغيير. ان التوجه الى الجيش والعسكريين انطوى على آثار سلبية تمثلت في تصفية اي مظهر من مظاهر الديمقراطية في حالة نجاح العسكريين في استلام السلطة. وهذا ما حدث في انقلاب بكر صدقي عام 1936 ثم حركة العقداء الاربعة ورشيد عالي الكيلاني عام 1941 على سبيل المثال، والتي لم تضع في جدول عملها مهمة إقامة نظام ديمقراطي في العراق وتأمين الحريات الديمقراطية بل بالعكس.
ومن الامور التي لم تساهم في تنمية الوعي الديمقراطي في البلاد هو ان المعارضة التي كانت تطالب بحرية العمال لنشاطها السياسي هي الاخرى لم يكن لديها وضوح ورؤية متكاملة عن العملية الديمقراطية. فالحركات القومية العربية في عقد الثلاثينيات والاربعينيات بالرغم من دعوتها الخجولة للديمقراطية الا ان مثلها في الحكم كانت انظمة استبدادية كالنظام النازي والفاشي في اوربا. وينطبق نفس الامر حتى على الحزب الشيوعي العراقي واليسار ورموزه عموماً الذي كان الاكثر مطالبة بالحريات الديمقراطية، ويكاد لا يخلو اي بيان او صفحة من صفحات الجريدة السرية للحزب الشيوعي او التيار اليساري عموماً عن معالجة الحريات الديمقراطية ومطالباً بتطبيقها. غير ان هذه المطالبة تصطدم بقضية فكرية تتعلق بالمثل الذي يحتذيه الحزب وهو نظام الحزب الواحد في الاتحاد السوفييتي آنذاك. وهنا تقع هذه الاحزاب اليسارية والقومية في تناقض، فمن جهة انها تطالب بالحريات الديمقراطية، إلا انها كانت تلتزم الصمت بل وتهلل لانظمة في غاية الاستبداد ومنهمكة في قمع الحريات الديمقراطية بالرغم من ان هذه الاحزاب هي نفسها ضحية للاستبداد ولمطالبتها بالحريات الديمقراطية في بلادها. اما على نطاق كردستان فان الطابع المميز لبرامج الاحزاب الكوردية هو تأكيدها على القضية القومية دون ان تربط هذه القضية بشكل وثيق بقضية تحقيق الديمقراطية في عموم العراق، مع استثناء الحزب الشيوعي العراقي وفرعه الكوردي الذي كان يعتبر القضية الكوردية قضية ديمقراطية لا يمكن حلها بدون حل المسألة الديمقراطية في العراق، مطالباً بشكل عام بحق تقرير المصير للكورد وهو ما انفرد به الحزب عن سائر الاحزاب العراقية.

ثورة تموز

إن المأزق الذي واجه الحكم في العهد الملكي، إضافة إلى تنامي بوادر الوعي الديمقراطي بشكل محسوس في الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية، هو الذي كان وراء الحاجة الملحة للتغيير وبأي شكل من أجل دخول العراق إلى مرحلة الحداثة والعصرنة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وفكرياً. وهكذا تفجرت ثورة 14 تموز عام 1958 كتعبير عن إرادة شعبية عارمة في التغيير الشامل، وعن إرادة جميع الأحزاب السياسية في العراق وبما فيها تلك الأحزاب التي كانت تتعامل مع الحكم الملكي، وعن إرادة قوية لدى جمهرة واسعة من العسكريين العراقيين بدوافع وطنية وقومية.
وبغض النظر عن شكل تفجر هذه الثورة عن طريق الجيش، إلاّ أنها استقبلت بقبول شعبي كاسح لم تشهده أي من حركات التغيير التي شهدها العراق الحديث. وكان لهذا التحول أن يدشن أولى الخطوات نحو الشروع لإقامة نظام ديمقراطي في العراق، إلاّ أن الثورة فشلت في تحقيق ذلك مما قاد البلاد إلى كارثة 8 شباط عام 1963 التي أرست تقاليد من العداء للديمقراطية والاستبداد والعنف العرقي والطائفي لم يشهده العراق، ومازال تأثير هذا الحدث قائماً حتى بعد سقوط الاستبداد في نيسان عام 2003. ويعود سبب هذا الفشل بالدرجة الرئيسية إلى عدم قدرة ونضج الحركات السياسية التي تعاونت على إنضاج الحدث الكبير في تحديد معالم البناء السياسي الجديد، والموقف من الديمقراطية تحديداً، وعدم قدرتها على استيعاب مبدأ الرجوع إلى رأي الشعب في تحديد مستقبل هذا البناء. وانعكس هذا الوضع على المؤسسة العسكرية التي كانت الأداة في نجاح ثورة تموز، حيث لعب الخلاف بين الحركات السياسية دوراً في تأجيج النزعات الفردية والمعادية للديمقراطية في هذه المؤسسة العسكرية وانفرادها بمسار ثورة تموز ودفعها بطريق منافي للديمقراطية . وفي إطار هذا الصراع السياسي الداخلي، كان لابد أن يلعب العامل الإقليمي والخارجي الذي تضرر أو فزع من مسار الثورة، وفرض دوره السلبي الذي ترك آثاره المدمرة وصولاً إلى فاجعة 8 شباط عام 1963 المعادية للديمقراطية والحداثة. وفي الحقيقة إن الصراع الداخلي وذيوله الخارجية بعد ثورة تموز لم يكن حول الوحدة العربية ولا حول ادعاءات زائفة حول الاساءة إلى الدين ولا على الخوف من وقوع العراق في أحضان الكتلة السوفييتية، بقدر ما هو صراع حول شكل الدولة الجديدة وموقع الديمقراطية فيها، تماماً كما يحدث الآن حيث أن الصراع بقي هو نفسه حول مضمون الدولة الجديدة التي يُراد بناؤها، دولة حديثة ديمقراطية أم دولة استبدادية قمعية سواء بلافتات قومية أو دينية لايتمتع فيها العراقيون بحقوق متساوية ولا يركن فيها إلى إرادة الشعب في إدارتها، بل إلى المستبدين والجبابرة وأمراء الحرب والجيوش الزائفة والميليشيات .

ردة شباط

نجحت الردة في 8 شباط في لجم بوادر إرهاصات الوعي الديمقراطي في المجتمع العراق لمدة أربعة عقود، خسر خلالها العراقيون فرص الاستقرار السياسي والاجتماعي والبناء الاقتصادي. وأوقعت هذه الردة العراق في دائرة الركود والتجاذبات العرقية والطائفية، وهيمنة الفئات الهامشية والمتخلفة على مصادر القرارات، هذه الفئات التي تحولت إلى مجموعة اجتماعية طفيلية تنهب وتبتز الدولة وتشيع الفساد المتعدد الجوانب في حياة المجتمع العراقي دون حسيب أو رقيب. وبالطبع إن تسلق مثل هذه الفئات البعيدة عن عملية الانتاج المادي لا يمكنها أن تلعب دوراً في تطوير أي شكل من أشكال الديمقراطية والرجوع في إدارة الدولة إلى رأي الشعب. وتحولت إدارة الدولة تدريجياً من يد مجموعة تدّعي أنها تمثل حزب، إلى ما يمثل الطائفة ثم العشيرة وتضيق إلى من يمثل العائلة كما حدث في أواخر حكم صدام. وهذا النمط من الحكم الغريب يثير دائماً الخوف والفزع لدى الحكام من احتمال فقدانهم زمام الأمور، ولذا لا يلجأون إلا إلى طريق وحيد وهو صرف مبالغ طائلة من خزينة الدولة على تشكيل مختلف الأجهزة القمعية والمؤسسات العسكرية التي تتحدد مهمتها لا في الدفاع عن البلاد، بل عن كرسي الحاكم دون الرجوع إلى أي قانون أو مؤسسات منتخبة. وتتصرف هذه الفئات بشكل بشع وغير معهود مع المواطن العراقي المفترض أن يكون صاحب الرأي في إدارة شؤون البلاد. وهكذا تعرض العراقيون إلى أنماط من القمع خاصة في عهد صدام حسين لم يتعرض لها أي شعب على يد حاكمه مهما كان مستبداً. فالسلاح الكيمياوي والمقابر الجماعية والتهجير والتغيير الديموغرافي القسري ونهب المال العام وقمع كل الحركات السياسية والحظر على نشاطاتها، وبضمنها تلك الفئات البعثية التي كان تشكك في صحة هذا الطريق ولو بهمس، أصبح هو النهج الثابت للحكم الذي أكد في كل إحراءاته على أنه نظام معزول عن الشعب ومصاب بحالة من الرعب من احتمال أي تغيير في الحكم.
وأدى هذا النهج في الحكم إلى إشاعة أخطر ظاهرة مازالت تلحق الخراب بالبلاد وهي ظاهرة الفساد الذي شمل كل المؤسسات وبما فيها القضائية والأمنية والعسكرية. فالرشوة أضحت ظاهرة لا يسلم منها أي مرفق من مرافق الدولة. أما النهب والرشوة فأصبحا ملازمين لكل من يعمل في أي جهاز يتعامل مع العقود والتبادل التجاري، بل وحتى القضاء. ولم يكن من السهل على أي مواطن عراقي أن يزور دائرة حكومية أو أن يحصل على عمل فيها أو يتابع ملفاً أو عريضة له أو يحصل على جواز سفر دون أن يملأ جيبه برزمات من النقود يوزعها على هذا الموظف أو ذاك كي يحصل على ضالته. ومما هو أخطر من ذلك أن يصبح الفساد وسيلة لبيع آثارنا وممتلكات الدولة بل وحتى الضمائر وبيع العضلات إلى قوى خارجية مقابل مبالغ معتبرة يحصل عليها هذا العارض لبضاعته، وهو ما لاحظه العراقيون بشكل جلي بعد انهيار النظام السابق. فهذه الظواهر وظواهر أخرى مارسها النظام لا تؤسس لنظام ديمقراطي وممارسات ديمقراطية ولا لثقافة ديمقراطية ولا لبلد موحد، بل أسست لنظام وقيم مشوهة وهشة.


خراب كشفه انهيار النظام في التاسع من نيسان

فهذه الظواهر وظواهر أخرى مارسها النظام لا تؤسس لنظام ديمقراطي وممارسات ديمقراطية ولا لثقافة ديمقراطية في بلدنا، بل بالعكس وفي ظل التشويه في كل القيم.
لقد بان للعيان ما زرعه النظام السابق من مفاسد وخراب في هذا البلد ومن على كاميرات التلفزة في الساعات الأولى لسقوط النظام في التاسع من نيسان عام 2003، بعد أن رفع الغطاء عن حجم الخراب في النفوس والعقول والقيم ناهيك عن ما لحق بمرافق الدولة من دمار وخراب. ومن هنا يكمن السبب الرئيس في ما نعانيه نحن العراقيون من سعي البعض إلى الإستمرار في السير على القيم المدمرة القديمة وبستار جديد من التطرف المذهبي والديني بعد أن تمزق الستار القومي المتطرف الذي مارسه النظام السابق. وهنا يكمن السر في التعثر في مسيرتنا نحو إرساء قيم الديمقراطية وقواعدها والوصول إلى تحقيق هدف العراقيين في قيام دولة عصرية ديمقراطية في البلاد. وهذا يتطلب إلغاء كل القوانين والتشريعات التي تكرس عدم المساواة بين العراقيين على أساس العرق والدين والمذهب والجنس، ولتدقيق في الدستور الجديد وإلغاء كل ما يصادر حق المواطن العراقي في المشاركة في تقرير مصيره أو فرض الوصاية عليه بمبررات دينية أو مذهبية. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عن طريق الشروع الجاد بتشغيل عجلة الاقتصاد بهدف تنشيط دور القوى الاجتماعية المرتبطة بالعملية الانتاجية وتطويق مواقع القوى الاجتماعية الطفيلية والهامشية المعرقلة لأي توجه نحو الديمقراطية والتي تعاظم حجمها بفعل السياسات والحروب المدمرة التي خاضها النظام السابق. ولا يمكن أن نتقدم خطوات جادة نحو ارساء الديمقراطية الا عن طريق حملة ثقافية واسعة تشمل المجتمع كله من مدارس وجامعات ودوائر حكومية ومؤسسات المجتمع المدني. ويضاف إلى ذلك إصلاح مناخ العمل والنشاط السياسي والعملية الانتخابية وتدقيق الاحزاب السياسية العراقية في نشاطها بما يعمق من الممارسات الديمقراطية في نشاطها الداخلي والوطني ويحد من ارتكازها على واجهات مثل السلاح أو الدين والمذهب ورموزه بدلاً من الالتزام بالهوية الوطنية العراقي والتنافس على خدمة العراق، أو التعكز على المؤسسات الاجتماعية غير الحديثة كمصدر في تحركها بدلاً عن تقديم الحلول السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإخراج العراق من المأزق الذي وقع فيه.
نعم هناك إمكانية وأرضية لكي يسير العراق على درب الديمقراطية مستفيداً من تجاربه السابقة بحلوها ومرها، وبالاستفادة من تجربة السنوات الخمس الأخيرة بسلبياتها وإبجابياتها ومن تجارب شعوب مرت بنفس المخاض. إن هذه المسيرة هي ضمانة لإزدهار البلاد واستقراره كي يلعب دورع الايجابي في المجتمع الانساني الاوسع.

2/6/2008