الرئيسية » مقالات » مثقفو براغ ينتفضون ضد الابتذال

مثقفو براغ ينتفضون ضد الابتذال

مثقفو براغ غاضبون. وقرروا تنظيم سخطهم في حملة رأس حربتها موجه ضد بلدية المدينة… أما الفتيل الذين فجَّر المثقفين في العاصمة التشيكية، فهو قرار اداري كان القشة التي قصمت ظهر البعير بعد انتشار الخمارات ومحلات مكاندونالد والمجمعات التجارية بواجهات مخازنها البراقة. وتبدى هذا الغضب مؤخرا بتظاهر نحو 500 مخرج مسرحي وفنان وأديب ضد قرار البلدية بخفض الدعم الذي تقدمه حكومة المدينة للنشاطات الثقافية. ومن المتوقع ان تشهد الفترات المقبلة مزيدا من التظاهرات ومذكرات الاحتجاج ولقاءات المثقفين…
… وقال منظمو الحملة انها معركة من أجل روح واحدة من أجمل المدن الاوربية… فيما وصفها الصحفي مارتن بليخا بالمعركة من اجل حماية براغ ضد الابتذال الذي تبرز مظاهره في اعلان أخير بكلفة 500 ألف دولار تبثه الآن قنوات تلفزيونية عالمية وتظهر فيه عارضات أزياء تشيكيات وهن يحتسين الشمبانيا على انغام موسيقى موزارت وفي الخلفية تلوح قلعة براغ الساحرة. ويقول المثقفون ان هذا الاعلان يلخص رؤية مجلس بلدية براغ الى المدينة التي ائتمنهم الناخبون عليها. فهي “بهرجة وحسناوات وسيارات فارهة وعروض رخيصة ونجومية لكنها ليست ثقافة” بحسب تعبيرهم.
… أما جواب المسؤولين واصحاب الصالونات التي تقدم بضاعة ثقافية هابطة، فكان الزعم بأن دعم هذه النشاطات التي تدر موارد مالية مهمة، خير من دفع رواتب لممثلين يقدمون نصوصا وحركات لا يفقهها أحد باسم مسرح “اللامعقول”. وقال صاحب أحد تلك الصالونات: “نحن نستدرج السياح ونستقبل أكبر جمهور من الرواد المحليين. فلماذا يذهب كل الدعم الى اعمال فنية عصية على الفهم”؟
الشرارة التي أشعلت فتيل هذا السجال كانت قرارا اتخذه نائب رئيس بلدية براغ للشؤون الثقافية بتحديد نسبة واحدة من اموال الدعم لكل الأعمال الترفيهية، والنشاطات الثقافية. واسفر هذه القرار من الناحية العملية عن خفض الدعم للنشاط الفني غير الربحي لصالح قطاع التسلية الهابطة فنيا لكنها مربحة اقتصاديا… وفي هذا السياق قالت ايفونا كرويتسمانوفا مؤسسة مهرجان الرقص العصري المعروف عالميا “ان أموال الدعم ستكون هذا العام 18 في المئة من حجمها في العام الماضي”. واضافت ان الوضع “بالغ الخطورة” مشيرة بأسى الى الغاء فعاليتين راقصتين في براغ…
المعركة على دعم البلدية تتعدى التزاحم على مزيد من المال. فهي معركة تتعلق بمستقبل مدينة شهدت تحولات كبيرة في غضون السنوات العشر الماضية. وفي اطار هذه التحولات عاشت العاصمة والبلاد عموماً انتعاشا منقطع النظير في القطاع السياحي بنحو سبعة ملايين زائر سنويا… أما مثقفو براغ فيحتجون بأن مدينتهم باتت مرتعا لمدمني اوربا الغربية، الباحثين عن مسكرات رخيصة وأندية ليلية خليعة قبل ان تظهر مدن منافسة في دول البلطيق مثل ايستونيا ولاتفيا.
… في الآونة الأخيرة أخذت براغ تجتذب السياح من منطقة شرق آسيا ايضا. شوارعها وأزقتها التاريخية الضيقة التي تحفها متاجر الهدايا التذكارية الرخيصة تكتظ بالسياح من جنسيات مختلفة. ويلفت المثقفون الى ان قلعة براغ – التاريخية الأشهر – نفسها تضم بين مبانيها حانة ومطعما ضخمين مصممين على الطريقة الاميركية ، بما في ذلك ديكور من حياة رعاة البقر والغرب الوحشي… أما الخفض الأكبر لدعم الفنون والثقافة فقد جاء على خلفية جهود تبذلها الحكومة التشيكية المحافظة لتمرير برنامج راديكالي يتضمن تخفيضات في الضرائب والانفاق العام على الرعاية الاجتماعية. ويُرجح ان تكون من ضحايا هذا التوجه، الى جانب الفئات المستضعفة ، مكتبة جديدة كان من المقرر بناؤها لتكون مأوى مجموعة وطنية من 10 ملايين مجلد…
فرانك كوزنيك، رئيس تحرير صحيفة “براغ بوست” الاسبوعية الناطقة بالانجليزية شن حملة على “النزعة الاستهلاكية الجامحة” ، بما في ذلك فتح متجر لبيع الملابس في الطابق الأرضي لما يعتبر تحفة معمارية تكعيبية هو “بيت العذراء السوداء” ومقاهي تابعة لسلسلة “ستاربكس” من المقرر ان تنتشر على قارعة كل طريق في هذه المدينة الفاتنة… وقال كوزنيك ان من المبررات المشروعة القليلة لما تدعيه براغ من مكانة عالمية مرموقة هو مشهدها الثقافي المتميز بنوعيته ومستواه الفني الراقي ، الذي يحتذي الى المدينة دفقا من الفنانين العالميين. واضاف: “ان يكون مسؤولو المدينة مستعدين لاغتيال حياة المدينة الثقافية وفي الوقت نفسه تشجيع التطور التجاري العبثي، فان هذا يشير في أحسن الاحوال الى سلم اولويات مقلوب على رأسه”… وقد دعا هذا الاعلامي بلدية المدينة ان تعيد النظر في سياستها حفاظا على براغ الجميلة ضد تتجيير ثقافتها وتسليع فنها وتعهير شوارعها…
مع تحيات بابيــــلون للاعلام
www.babylon90.com