الرئيسية » مقالات » آخر تصريحات الكيّا

آخر تصريحات الكيّا

بعد عناءٍ طويل، استطعنا عبور الالغام البشرية من الشرطة والجيش، واجتزنا كل الحواجز الكونكريتية الموضوعة لفصل منطقة عن شقيقاتها الاخريات، وساد الهدوء لبرهة في الكيّا التي استقلتها لأمضي الى مكان عملي .. حتى قطع السكينة والهدوء شيخ كبير معلّقاً على (الطسّة) التي (طسّت) ظهورنا جميعا اثناء مرورنا عليها، وينها الحكومة متجي تشوف الشوارع.

ردّ الرجل الذي كان يجلس بجانبه، ياحجي الحكومة شتصير، اشو دا تحارب الارهاب منا، وتناضل بالعملية السياسية منا، يا يابة … وبعدين احنا منطيها مجال تشتغل!! اشو يومية شايلين السلاح عليها.

دخل على الخط شاب وسيم يبدو عليه مظهر الموظفين وقد اثرت فيه تصريحات المسؤولين حول الاعمار، يابة ترة الحكومة خصّصت 70 مليون دولار لمشاريع مهمّة للمنطقة هالايام، هسّة راح اتشوفون الاعمار اشلونه.

حينها فقط اثار هذا الكلام رجلا ً ميليشياوي الوجه ليرد بكل عصبية، عمي يا سبعين مليون الله يخليك، الحكومة مجموعة من الحرامية والسلابة وقطاع طرق .. جايين وية المحتل بس علمود البوك والنهب، ميفكرون بهذا الشعب المسكين.

ردّ الركاب باجمعهم وبصوت واحد، اي والله، حجايتك صحيحة ابو …… اعتقد كان بعضهم (يجّفى) شر الرجل ونظراته الحادة.
كل هذا الصراخ والنقاش لم يثر جميلتين اثنتين صعدتا الكيّا من آخر صبّة كونكريتية، وجلستا قرب بابها .. من السهل معرفة انهما طالبتان جامعيتان، من اناقتهما ومحاضراتهما التي اثارت فيّ الحنين الى مقاعد الدراسة مجدّداً .. كانت نظراتهما تتوزّع يميناً وشمالاً تهرّباً من نظرات (الفحلّة) في الكيّا.

ها قد احتدم النقاش من جديد،
ودخل فيه عنصر المحتل الامريكي بكل قوة، فقد هبّ رجل يحاول ان يهدّئ الاجواء ويبرّئ كل الاطراف العراقية من هذه الفوضى، ليظهر بمظهر المُحايد الذي لا يميل، لا الى الموالاة ولا الى المعارضة، من خلال اتهامه القوات الامريكية المحتلة بكل هذه المآسي والمصائب، واللطيف انه استخدم مصطلحات (ثخينة) دون ان يراعي موقعها الاعرابي او حتى معناها الدقيق مثل العلمانية والفيدرالية والليبرالية والتكنوقراط (وخبطهن بطشت واحد على كل العبرية بالكيا) حتى انتهى بعبارة، يابة خصم الحجي، هذولة الامريكان ناس علمانيين ويريدون يدمرون التكنوقراط مال الاسلام، فيطلعون علينا الفيدرالية والليبرالية وما اعرف شنو بعد .. وابوكم الله يرحمه.

استمر هذا الصراخ ليتدخل السائق وبصوت مرتفع، اخوان منو ما دافع كروة لحد هسة يامعودين. لا هم لسائقنا هذا سوى (كروته) التي كان الحديث عنها نشازاً وغير منسجماً مع السياق العام للنقاش .. الى هنا صاحت احدى الجميلتين، نازل عيني نازل، لتقطع على الكل صراخهم، وتنزل مع زميلتها الى حيث وجهتها، وسط هدوء جميل خيّم على رؤوس الركّاب كلهم، وهم يشاهدون عملية النزول بحسرة وأسف، فانقطع بعد ذلك كل الحديث والنقاش، وتبيّن ان الفتاتين كانتا الباعث القوي والمحرّك الاساس لهذه الحوارات الساخنة، فالكل كان مستعداً ليُظهر ثقافته امامهما، علّه يفوز بنظرة (صفح) من احديهما تُعينه على مشقة الطريق وعنفوان الازدحامات والطسّات.

دائماً يلومني الاصدقاء، لماذا لا تحب ركوب الكيّات وتتسارع لتأخذ اول (تاكسي) الى عملك، في محاولة منهم لمساعدتي على التوفير؟!
اتمنّى ان يقرأوا مقالي هذا، كي يعرفوا السبب ويبطل عندها العجب.