الرئيسية » التاريخ » وجهة نظر بريطانيا تجاه القضية الكوردية في الربع الاول من القرن العشرين القسم الثالث

وجهة نظر بريطانيا تجاه القضية الكوردية في الربع الاول من القرن العشرين القسم الثالث

اما جمعية(فيداكاراني كورد ـ فيدائيو الكورد) طالبت هي الاخرى بعودة الشيخ محمود من منفاه واطلاق سراح الاسرى الكورد الذين تم اسرهم في معركة دربندي بازيان وجاء في نشرتها التي اصدرها((يجب على الفور اعادة اسرى دربندي بازيان من سجن القلعة الثلاثية(ايج قلا)).
اما جمعية (كزنك ـ الشفق) حثت هي الاخرى في احدى نشراتها الصادرة في 21/ اذار/1920 اهالي السليمانية ورؤساء العشائر على النهوض بوجه المستعمر البريطاني، مذكرة اياهم بالشعوب الاخرى التي تطالب بالاستقلال في الوقت الذي لا يزال فيه الكورد نائمون وحكمدارهم اسير العدو لانه ينادي بالحرية)).
واما حول اسباب انتشار افكار القومية في الوسط الكوردي في السليمانية فان اسماعيل حقي شاويس يرجعها الى عدّة عوامل ومن اهمها:
1ـ عودة بعض الشباب المثقف من الكورد الى السليمانية الذين كانوا يعيشون في الدولة العثمانية ونقلوا تفاصيل الحديث الثوري من روسيا الى كوردستان اثناء دراستهم في اسطنبول وبعض المدن الاوربية.
2ـ اخذت الحركة الكمالية(6) ، تنشط في المنطقة خاصة في راوندوز والسليمانية وعقرة بعبارة اخرى المناطق الحدودية مع تركيا. وبدأت الحركة الكمالية تؤثر في الاوساط السياسية والثقافية الكوردية بشكل ملموس وفاعل وكان السبب قي ذلك القرب الجغرافي واهتمام الكماليين بولاية الموصل .. وكانت نشراتهم تصل الى المنطقة الكوردية مدبجة خصيصاَ لمخاطبة المشاعر الكوردية ولحمل الناس على اعلان(الجهاد المقدس) ضد البريطانيين.
3ـ وان افكار الاستقلال كانت تتسرب الى كوردستان من تخوم تركيا.
4ـ اعلان الرئيس الامريكي (ودور ولسون) بنوده الاربعة عشر، كان لها اثر على الصعيد السياسي في كوردستان وخاصة لدى طبقة المتنورين والمثقفين ، وكانت لها اصداء واسعة في المنطقة الكوردية(7).
وفي منطقة كفري قاد ابراهيم خان دلو(8)احد رؤساء عشيرة ده لو حركة في كفري عام 1920ضد الوجود البريطاني واعوانه المحتلين ومؤيداَ لحركة الشيخ محمود الحفيد.
وحين حاول(سالموند) انقاذ الموقف واحتواء الحركة فسعى لمواجهة ابراهيم خان شخصياَ الا ان الاخير قام باعتقاله وتوجه الثوار الى المدينة وسيطروا عليها بشكل تام في يوم 24 آب 1920. حاول الانكليز اغرار ابراهيم خان ده لو باعطائه منصب القائممقام و(50) الف روبية ولكنه رفض ذلك وطلب هو بالمقابل يجب ان يتم الافراج عن الاسرى الكورد الموجودين لدى القوات البريطانية وعودة الشيخ محمود الحفيد من منفاه في الهند. ولكن كل المساعي ذهبت ادراج الرياح . وعندها قامت بريطانيا بمهاجمتهم في جبل باوه شاسوار(9).
وقتل احد القادة الثوار( حميد كهريزي) فقام رشيد محمد المكلف بحراسة(سالموند) باغتياله يوم 28/آب/1920 انتقاماَ لمقتل حميد كهريزي.
ففي مؤتمر القاهرة المنعقد في12/اذار/ عام1921طرحت القضية الكوردية بشكل لافت للنظر وبرز في اوساط السياسيين البريطانيين في العراق اتجاهان: الاتجاه الاول كان ينظر ضم كوردستان الجنوبية الى دولة العراق المشكلة من ولايتي بغداد والبصرة . وكان يؤيد هذا الرأي كل من برسي كوكس وغرتردو بيل والميجور سون الذي كان عدواً للشيخ محمود والذي كان يحاول انهاء دوره السياسي في الاوساط الكوردية وخلق له منافسين وكان هؤلاء يدعون بان سكان كوردستان الجنوبية لن يعارضوا هذا الالحاق لاعتقادهم بان اقتصاد كوردستان مرتبط ببغداد. اما رأي الفريق الثاني المؤلف من السياسيين البريطانيين بقيادة هيوبرت يونغ(مساعد سكرتير شعبة الشرق الاوسط في وزارة المستعمرات) وادوارد نويل الخبير في الشؤون الكوردية ولورنس العرب، ونستون تشرشل(وزير المستعمرات). طالبوا بتشكيل دولة منفصلة في كوردستان الجنوبية لكي تصبح هذه الدولة حزاماً استراتيجياً لحماية الدولة العربية التي كانت في دور تشكيلها والمؤلفة من ولايتي بغداد والبصرة ويكون العراق العربي سوقاَ والمنفذ البحري اقتصادياَ لكوردستان الجنوبية. هذا وكانت الحكومة العراقية الاولى برئاسة عبدالرحمن النقيب قد اتخذت قرار مشروع الحاق كوردستان الجنوبية بالعراق من دون الرجوع الى الحكومة البريطانية واخذ رأي الكورد(10). ومراعاة بنود اتفاقية سيفر.
ولكن نستون تشرشل كان متردداَ لتجاهل رأي سكان المنطقة كوردستان الجنوبية وخوفاَ ان يقوم كمال اتاتورك الطامع باستعادة ولاية الموصل وبضمها الى الدولة العثمانية باعتبارها انتزعت من الدولة العثمانية بدون حرب واخذت تبث دعاية معادية لبريطانيا بين صفوف الكورد ويشجعهم على التمرد والقيام باعمال الشغب وخلق الفوضى والوقوف ضد السياسة البريطانية في المنطقة. وكان الكماليون يضربون على الوتر الديني الحساس ويطلب منهم بالمقاومة والجهاد ضد المتليين وان المقاومة واجب على كل مسلم قادر على حمل السلاح والجهاد في سبيل الله ضد الكفار(اي بريطانيا حسب تعبير الترك) بهذه الدعاية الكاذبة اراد كسب ود الكورد للوقوف الى جانبهم في حالة قيامهم بالهجوم المفاجئ على ولاية الموصل وان هذه المخاوف البريطانية دونت في وثائق رسمية كما جاء في رسالة رئيس الوزراء المرسلة الى نستون تشرشل وزير المستعمرات في 22/اذار/1921جاء فيها:
((اغواء كورد الجنوب واجتذابهم الى التعاون مع اشقائهم الشماليين مع نوع من التطلع الى الاندماج بدولة الاناضول)) وتضيف قائلاَ((ولاشيء يمنع في هذا الانتداب صاحبة الانتداب(اي بريطانيا) من اقامة ادارة للحكم الذاتي في المناطق الكوردية في القسم الشمالي في ما بين النهرين كما تراه مناسباَ))(11) .وعن تحركات الكماليين في المنطقة الكوردية وخوفهم من هجوم مرتقب جاءت هذه المخاوف في وثيقة تقول((ان الوضع الكوردي استثنائي الحساسية ممكن أقله، ان لم يكن محتملاَ ان يكون الاتراك، وهم مازالوا عازمين على مهاجمة العراق في الربيع دائبين عن التصميم على السعي لدق الاسفين بين الكورد وبيننا. ونحن نعلم ان تركيا مستعدة لمنح قدر ذي شأن من الحكم الذاتي لكوردستان(الشمالية). ونعلم ايضاَ ان الكورد انفسهم يسعون الى تحقيق نوع من الاستقلال تحت حماية قوة ما))(12) . اما بخصوص رأي الاكراد هل يرغبون بالانضمام الى دولة العراق العربي برئاسة ملك فيصل ام لا حيث كان ملك فيصل ومن معه من الضباط الشريفيين يبثون دعايات مفترية فيها الكثير من الاكاذيب لدى السلطات البريطانية يدعون بان اغلب الكورد يؤيدون انضمامهم الى الدولة العربية المرتقب انشاؤها في العراق ولكن استفتاء صيف عام1921الذي اجري لمبايعة ملك فيصل على العراق جاء مخيبا لامال الملك فيصل ومتناقضة ورافضة لحكمه وكانت ضربة قوية للملك فيصل واظهره على حقيقته حيث ان اغلبية سكان كوردستان الجنوبية رفضت مبايعة الملك فيصل وحتى اولئك الذين صوتوا لصالحه من أهالي اربيل ودهوك، كانت مشروطة باعطاء الكورد الحكم الذاتي(13) .وفي حالة عدم تنفيذ وعودهم سوف يسحبون الثقة عنه.
وكان الكورد يشعرون بان البريطانيين غير جادين بتنفيذ وعودهم وان السياسة البريطانية في العراق كانت تكال بمكيالين بين العرب والكورد كما جاءت في عرائض رفعها وجهاء الكورد وسلموها الى المسؤول السياسي البريطاني في جمجمال مطالبين باعادة الشيخ محمود من منفاه.كما جاء في العرائض قائلاَ:((سياسة الحكومة البريطانية كانت غير مطردة على نحو خطر فالبريطانيون كانوا قد انكروا على الكورد طموحاتهم القومية؛ ومع انهم حملوا فيصل والحكومة العراقية على اكتافهم، فإنهم لم يظهروا أي نزوع لفعل الشيء نفسه من اجل الشيخ محمود وكوردستان. واذا لم تكن إدارة الاتش .بي . ام ز جي (HBMG) مستعدة للاطلاع بالدور المطلوب منها، فان على الكورد ان يمارسوا الضغوط السلمية؛ وألا فليس ثمة أي بديل غير الفوضى التي تصب الدعاية التركية الزيت على نارها))(14) .
وتصف احدى الوثائق البريطانية سياسة الشيخ محمود في السليمانية سياسة ازدواجية نابع من تفكير اقطاعي لكونه الشيخ محمود ملاكاً واقطاعياً ولا يهمه الشعب فقط مصالحه الشخصية كما جاء في الوثيقة قائلاَ:((كان الشيخ محمود يتحرك من منطلقات شخصية وسلالية في المقام الاول. وعن ذلك، ثمة ما يكفي من الاثبات في واقع ان أنصاره لم يكونوا، رغم مواعظه الجهادية الداعية الى الوحدة الاسلامية، سوى حفنة من المأجورين الذين اجتذبهم بالرشوة… من شأن منح الشيخ محمود حريته قبل توفر قدر أكبر من اليقين بشأن المستقبل السياسي ان يكون، حسب اعتقادي، تصرفاَ غير حكيم.. قد لا يكون مفهوماَ تماماَ ان سياستنا هي في مصلحة القومية الكوردية، في الحقيقة، اكثر من سياسة الشيخ محمود، لان سياستنا، رغم طغمويتها(اوليغاركيتها)، تتطور نحو الديمقراطية، فيها نحن عاكفون على العمل ببعض النجاح من اجل اقرار دستور محدد.
اما الشيخ محمود فيتماهى مع سياسة قائمة على الاستبداد وهو نفسه يثير الخوف بوصفه(باروناَ) إقطاعياَ من أسوا الانماط. ان من شأن حتى مجرد اطلاق سراحه في الهند ان ينطوي كما أرى، على تأثير ناسف للاستقرار من اللحظة))(15).


الهوامش:ـ
1ـ د. كمال مظهر احمد، كوردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى ، ترجمة محمد الملا عبدالكريم ، بغداد، مطبعة المجمع العلمي الكوردي، 1977،ص99ـ100ـ101ـ102ـ103
2 ـ مجلة بانك كورد البغدادية، العدد(3) سنة 1332،بغداد ، ص68. 3ـ بانك كورد البغدادية، العدد الثالث ، بغداد ، سنة 1332 ، ص68ـ69.
4 ـ د. كمال مظهر احمد، كوردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى ، ترجمة محمد الملا عبدالكريم ، بغداد، مطبعة المجمع العلمي الكوردي، 1977،ص107.
5ـ عبدالرحمن ادريس صالح البياتي، الشيخ محمود الحفيد(البرزنجي) والنفوذ البريطاني في كوردستان حتى عام 1925، لندن، دار الحكمة ، 2005، ص 175 ـ 176.
6 ـ نسبة الى مصطفى كمال اتاتورك.
7ـ عبدالرحمن ادريس صالح البياتي، المصدر السابق ، ص 179ـ180.
8ـ ابراهيم خان بن صالح خان الدلوي احد رؤساء عشيرة ده لو الكوردية التي كانت على اتصال وثيق بالشيخ محمود الحفيد قاد حركة في كفري عام 1920ضد الوجود البريطاني واعوانه المحليين، تمكن البريطانيون بالتعاون مع كبار الاقطاعيين في المنطقة من ضرب الحركة وتصفيتها، ترك ابراهيم خان المنطقة واستقر في قرية(ده لو) بمنطقة البيات بين اهالي عشيرتي العزة والبيات اللتان ايدتا ثورة ابراهيم خان ده لو. ألم به مرض فأشار عليه بعضهم بتسليم نفسه للبريطانيين كي يتسنى له الحصول على العلاج ، الا انه ابى ذلك وفضل الموت وعدم حصوله على المساعدة من البريطانيين وتوفي وهو في ديوانخان رفيقه محمد حسون البياتي فشارك في تشييع جثمانه عدد من مختلف القوميات(العرب،والكورد، والتركمان )حيث دفن في مقبرة قرية(عمر مندان) بكفري(مكرم الطالباني،ابراهيم خان ثائر من كوردستان ، مطبعة اسعد ، بغداد، 1970 ، ص2ـ4.
9ـ باوه شاسوار: وتقع في الشمال الشرقي من مدينة كفري:وهناك مقبرة أثرية قديمة سميت باسمه ومن الممكن أنها لوجود قبر الكبار سادة أهل(الحق) مذهب (الحقه).
10ـ تقرير استخبارات ما بين النهرين ، رقم(4) كانون الاول ، 1920 ، وزارة الخارجية البريطانية، 371/6348؛ توقرير استخبارات ما بين النهرين رقم(9) اذار / 1921 ، وزارة الخارجية البريطانية ، 371/6348.
11 ـ رسالة من رئيس الوزراء الى السيد تشرشل رقم(193)، في 22/ 3/ 1921، وزارة الخارجية البريطانية 371:6342 ، دار الوثائق العامة. 12 ـ بغداد، أخبار موجزة عن فترة انتهت 21/12/ 1921 ، وزارة المستعمرات/ وثيقة رقم 730/8 ، دار الوثائق العامة.
13 ـ تقرير الاستخبارات العراقية ، رقم 19، في 15/ اذار/ 1921 ، وزارة الخارجية البريطانية 371/6353.
14ـ تقرير استخبارات العراق رقم (12) ، في 15/ 6/ 1922،وزارة الخارجية البريطانية 371/7771 ، دار الوثائق العامة.
15 ـ من المندوب السامي في العراق الى وزير الدولة لشؤون المستعمرات 26/8/1921 وزارة المستعمرات 730/4، دار الوثائف العامة.

التآخي