الرئيسية » شخصيات كوردية » في الذكرى الثانية لرحيل النحات الكوردي فريد حسين برواري

في الذكرى الثانية لرحيل النحات الكوردي فريد حسين برواري

الاكاديمية الحرفية والقصدية الرمزية في اعمال الحاضر الغائب لذلك الفنان المبدع والمؤشر في ضمائر المتذوقين لذلك الفن الرصين وشواخصه المعبرة التي تنطق باسمه على مر السنين.
مرة اخرى نعود الى الماضي الجميل الممتد من الجبال القصية الى السهول المترامية لنحلق عاليا في عنان السماء والابداع وما خزنته الذاكرة الحية لمآثر الواقعية التلقائية وتطبيقاتها في العمل الابداعي لذلك الكائن المتفرد في خلجاته الفنية وارهاصاته التعبيرية والاصيل في انتماءاته الوطنية التي نراها شاخصة دائما في معظم اعماله ومعارضه الشخصية في الداخل والخارج، العراق بالنسبة له رمز الجمال وملهم الحياة ونبع لا ينضب من وحي الخيال، بالرغم من انه قادم من حاضرة الخيال والجمال لمدينة الاجداد والتراث العراقي الكوردي الاصيل (دهوك) التي عرفها التاريخ الانساني بسحرها الخلاب وعذوبة اواصرها الاجتماعية المرهفة وترابطها الجدلي الحي بموسيقى الحياة العصرية.
تتلمذ الفنان فريد حسين برواري على يد اشهر النحاتين العراقيين الاستاذ خالد الرحال وهنا وضع اول لبنة فنية جادة على طريق النحت العراقي الجاد اذ دخل (مدرسة خالد الرحال) من اوسع ابوابها وفجر من خلالها عيون الالهام لطاقاته الكوردية الكامنة في مكنوناته التعبيرية الصادقة التي توارثها من الاسلاف ليسقي من رونقها الاصول الابجدية للفن السومري العريق، فدرس منها التقنية والتكنيك العالي لمضوعاته اذ اجتمعت فيه خصال كثيرة ومثيرة للدهشة (الخيال الخصب) (الافق البعيد) (الرمزية الدالة) جميع تلك الصفات جعلته نحاتا بالامتداد. حيث استرسل النحات فريد برواري بدعابته المعهودة والظريفة عن تجربته العميقة المكللة بالمعاني التي لم تفسد خيالاته الخصبة بالاستفسارات والتصادمات المضادة.
لقد نهج خطا يرى فيه الاشكال فراغات وانعطافات رسم من خلالها حدودا عاطفية ممزوجة بالتروي الفكري المفعم بالمشاهد الصاخبة لمحيطه المؤلم، وامتلك (القدرة على كسر الطوق اللامرئي) وعبر لنا عن ما يجول في خاطره الفني المتداعي على ضربات اسطورة وعيه في ادراك المحسوس (المرئي) وانتج لنا (لوحات طينية) تصرخ بما فيها من مدلولات قصدية تفضح عن نفسها عناوين كثيرة لمآسي ابناء جلدته وقوميته وشعبه.
وكذلك (اشكاله البرونزية) التي تنشد قصائد مرثية لقضايا انسانية وكائنات خارجه من المجهول لتحاورنا وتجلس معنا بصمت الانكماش والتخفي وكان يروي لنا (رحمه الله) وهو ينفث اهة مستديمة في صدره قد حشرت بين اضلاعه منذ عقود خلت، ثم يرسل لنا ابتسامة خفيفة تنم عن ارتياح لما هو ات، ويقول: حينما كنت اعمل اشعر بحرية تامة وانطلق نحو الفضاء الرحب وانسى كل هم في حياتي وفي النحت افرغ كل ذلك لتنعكس اعمالا مختلفة من المصغرات الشمعية التي تتحول الى ثوابت برونزية وحينما لا اعمل ينتابني اليأس والشعور بالقلق وخيبة الامل وسألته مرة عن المواد التي يجب التعامل معها في النحت فأجاب: الطين له لغة سرية خاصة وملمس طيع يمكن للنحات ان ينشأ منه اشكالا مختلفة ورائعة وكذلك البرونز والشمع فهي مواد طبيعية وسريعة التنفيذ احب التعامل معها في اغلب الاحيان.
ونستطيع القول بان (الرؤية الفكرية الفنية) (لفريد حسين برواري) نراها واضحة المعالم متجلية بسيطة الديمومة تمنح المتلقي ابعادا مرئية احيانا واخرى خفية مبهمة تغلفها مكونات التواصل والامتداد والدهشة التي تغازل المتلقي بأطاراتها الشائقة. وفضاءاتها المعبرة.
ان (فريد برواري) يعد مرحلة تاريخية معاصرة في تاريخ الحركة النحتية الحرفية في عراق المجد.. ينتابها الارهاق وروعة الاتقان وانتقالية في المعالجات التقليدية الى جوهرية القالب السحري المتقن الحدود والابعاد.
فالفنان (فريد) كان يتأرجح ويتمايل منتشيا كالفراشة التي تمتص رحيقها من الازهار ما بين الواقعية الجديدة وبين النماذج البابلية المخضبة بالهياكل والتكوينات الشخصية المأثورة، كما في تمثال (قائد ثورة مايس 1941) رشيد عالي الكيلاني الذي بانت عليه غرائبية الفن الملتزم وقانون النحت ممزوجا بجدلية الحياة السياسية داخل سياقات الضرورة وهو كذلك يصنع ويشكل مخلوقات شاردة تبحث عن موطن كما في (نساء عاريات) صممت واقتعطت من الجبال الشاهقة او ككرات طينية اخذت من السهل الرسوبي العراقي الخصب.
فضلا عن الهياكل التاريخية التي تنحتنا على هيئتها وتأذن لنا بالدخول الى اجسادنا واعماقها بحثا عن ادلة لا تنتظر التأويل او الثبات، فبان في تماثيله العديدة التي عبرت عن عراقيته وانتمائه لم ينس (النحات برواري) العلماء والمشاهير حيث نرى عند مدخل كلية الطب تمثالين شاهقين (للرازي وابن سينا) فهما يجسدان عمق الرؤية ودقة التنفيذ وكذلك في فضاء باحة كلية التمريض ترى نصبا تذكاريا للعلامة الكبيرة (الكندي) فالخامات تصنع منها معجزات كثيرة (بسمفونية النحت الفريدية) وهي تعلن الحانها المهاجرة مع اسراب النوارس الرمادية من على ضفاف شط العرب والى اقاصي مرتفعات زاخو الحبيبة.. فتلك المنحوتات لا تبغي التأويل والتفسير بل تسحبنا الى الابحار في خلجان عسيرة وتصحبنا معها في مغامرات مثيرة او في العثور على مرافئ مستحيلة واخيرا فان هذا (الفريد) يخلق الموازنة ما بين الحداثة المنزلقة الى المجهول وواقعية حرفيات الفن النحتي..
فلم يمت هذا الفنان فريدا ولم يعد وحيدا.. حيث انجب ثلاث جواهر ربانية برونزية مرصعات باللؤلؤ عصارة احلامه وحيف زمانه وبنات افكاره.. تركهن خلفه مع ارثه السامي… بناته.. هبة الخالق وهمسة الصباح الدافئ.. وفاطمة السحر النبوي الشريف..

التآخي