الرئيسية » مقالات » قراءة تحليلة لمفاوضات المالكي _ الهاشمي !!!

قراءة تحليلة لمفاوضات المالكي _ الهاشمي !!!

راقبت الأوساط العراقية المختلفة باهتمام شديد المفاوضات التي جرت بين الحكومة العراقية وجبهة التوافق من أجل عودة الأخيرة لحقائبها الوزارية التي أنسحبت منها قبل عدة أشهر تاركة حكومة السيد نوري المالكي خالية من مكون أساسي من مكونات الشعب العراقي نازعة عنها وصف حكومة الوحدة الوطنية التي أطلقت عليها في بداية تشكيلها خصوصاً أن الأنسحاب من حكومة المالكي لم يكن منحصراً على جبهة التوافق بل أمتد ذلك ليشمل التيار الصدري الذي فشل فشلاً ذريعاً في أدارة وزاراته والقائمة العراقية التي تخضع لمزاجات الدكتور اياد علاوي , بحيث بقت هذه الحكومة ومازالت بلا وزراء هذه الكتل منذ عدة أشهر في مؤشر يبدو غريباً في عالم السياسة العراقية التي ما ­­­­أنفكت تختلط باللامعقول وتمتزج بالعنف وتتنفس دماً عبيطاً في كل يوم .
وقد حصلت مفاجأة غريبة وغير متوقعة _ وهي جزء من غرائب الزمن الديمقراطي الحالي _ حيث أعلنت جبهة التوفق فجأة مساء الأربعاء الماضي أنها علقت مفاوضاتها مع الحكومة العراقية بشأن عودة وزراء الجبهة , بعد أن صرح الأستاذ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية في ظهيرة نفس اليوم وهو في الاردن أن عودة وزراء الجبهة أمر استراتيجي لا تكتيكي تقتضيه المرحلة الحالية وهو قد جاء نتيجة لروية وطنية للتوافق وجدت ان عليها ان تشترك الأن في الحكومة العراقية من اجل الوصول بسفينة العراق الى بر الأمان .
وفي رأيي أنه بدلأ من توجيه الشتائم والأتهمات والتخوين الى هذا الطرف او ذاك في هذا الفشل الوقتي _ وهو فشل وقتي لا أظن أنه سيستمر _ الذي تعرضت له المفاوضات ، علينا أن نقوم بتسليط الضوء على علم أو فن التفاوض الذي ينبغي ان يجري على أساسه حوار الحكومة والتوافق والياته الاستراتيجية وأنواعه التي ينقسم اليها ومستوياته المتنوعة فضلاً عن السمات الاساسية التي يجب أن تتمتع بها الاطراف المفاوضة لاقوم بعد ذلك بقراءة مفاوضات الحكومة والتوافق وفقاً للمعطيات النظرية والواقعية التي حصلنا عليها .
وقد بين بصورة مستفيضة الدكتور حسن محمد وجيه في كتابه ” مقدمة في علم التفاوض الاجتماعي والسياسي ” الشرح التفصيلي للمفاوضات وابعادها ومستوياتها مع ذكر امثلة تاريخية لها وأشار الى أنه على الرغم من عد البعض للمفاوضات بأنها علم الا انها تقترب احياناً من اعتبارها فناً من الفنون التي تقتضي مهارات معينة وذكاء وفطنة وشخصيات حوارية ودبلومايسية لبعض المتفاوضين القادرين على تجاوز الاخطاء وأستشراف المستقبل والتسامي على الخلافات والنظر الى المصالح المشتركة وتصور الهدف النهائي التي تعقد عليه الأمال والانتقال إليه عبر مراحل متعددة بعيداً عن التخبط والارتجال والعشوائية والخلافات والمصالح الضيقة معتمدين في كل ذلك على الفهم الوطني الواقعي للقضية التي يدور حولها التفاوض.
في البدء علينا أن نحدد سمات الشخصية التي تدخل معترك التفاوض من أجل تحقيق غاية معينة , حيث يجب على الطرفين اللذين يدخلان عملية التفاوض ان يكون كل منهما متسم بشخصية متوازنة تتمتع بمهارات الأداء الصحيحة واساليب التفاوض الناجعة وانماط الحوار الهادئة والنوايا السليمة للأطراف المتفاوضة والفضاء النفسي الأيجابي والأهداف والمصالح المشتركة بين الطرفين .
واما في أثناء المفاوضات فيجب على الطرفين ان يأخذا بنظر الأعتبار النقاط المهمة
التالية :
1_التركيز على حل المشاكل بينهما بدلاً من المماحكات والمناكفات التي لاطائل تحتها ولانفع فيها .
2_الأبتعاد عن شخصنة الأمور وربطها بذوات معينة والتوجه مباشرة نحو الموضوع التي يتفاوضون حوله.
3_ أبتغاء الموضوعية في الطرح وتشخيص الحقائق وتحديد المسلمات.
4_التسامي فوق الميول الشخصية والنزعات القومية والتوجهات الطائفية والمكاسب الذاتية.
5_البحث عن المشتركات الجامعة بين كلا طرفي التفاوض من اجل تسليط الضوء عليها .
6_ التركيز على أولويات التفاوض وترتيب سلم هذه الأولويات من اجل عدم اضاعة الوقت في امور تافهة لاقيمة لها.
7_ تجنب الكلام الغير المباشر والغير صريح في المفاوضات وكشف جميع الاوراق من اجل ان يعرف كل طرف مايريده الطرف الاخر.
8_ اتباع المصالح العامة في اهداف المفاوضات والتي لايمكن لكلا الطرفين ان يشككا فيها .
9_الأبتعاد عن الافتراضات المسبقة وتبني مواقف تعتمد على الرؤى الايجابية المستنتجة من هذه الحوارات والمفاوضات.
10_ الاستماع الحقيقي الصادق للطرف المفاوض الأخر وفهم حججه وادراك مايبتغيه من أجل تجنب الضبابية والغموض.
هذا بالنسبة للخصائص التي يجب ان يتمتع بها الشخص المفوض , أما أنواع واشكال التفاوض فيمكن تلخيصها بما هو آتي بحسب رأي الاستاذ حسن :
اولاً: تفاوض لصالح الطرفين.
وهو التفاوض التي تكون نتائجه لصالح الطرفين ولايشعر اي منهما ان الاخر غلبه او قد حقق انجازات ونتائج تفوق ماحصل عليه.
ثانياً:تفاوض من اجل المكسب.
وهو نوع من أنواع التفاوض يكون هدف كل فريق منه تحقيق مكاسب معينة تتعلق بمصلحته الشخصة او الحزبية بغض النظر عن مصلحة الاخر او العملية التفاوضية التي تجري بينهما.
ثالثاً: التفاوض الاستكشافي
هنا يكون التفاوض وسيلة لاكتشاف نوايا الطرف الأخر المفاوض عبر معرفة مطالبه وغاياته حول الموضوع المتعلق بالتفاوض.
رابعاً: التفاوض التسكيني والاسترخائي
وهو نوع من التفاوض لايهدف الى حل المشكلة والوقوف على مقاصد كل طرف بصورة نهائية ,انما الغرض الاساسي منه هو تسكين الاجواء وتمييعها من اجل تحقيق غاية ما وكسب وقت معين .
خامساً: تفاوض للتاثير على طرف ثالث
الغرض من التفاوض اصلا ينحصر في تحقيق غاية ما يختلف عليها الطرفان المتفاوضان والذين لهما علاقة مباشرة بعملية التفاوض والهدف منها , لكن في هذا النوع من التفاوض يكون الهدف منه والغاية هي ايصال رسائل لطرف ثالث لايشارك في التفاوض من اجل التاثير عليه او أفهامه شيء ما .
ولايقتصر التفاوض على مستوى الأفراد والشخصيات فحسب بل هنالك مستويات أخرى للتفاوض هي :
1. مستوى الاحزاب.
2. مستوى المنظمات .
3. مستوى الدول .
والان لندخل في صلب الموضوع الذي يتعلق بالتفاوض الذي عُلّق مؤقتاً بين السيد نوري المالكي وبين جبهة التوافق العراقية , حيث يجب التذكير اولاً بأن هذا التفاوض قد جاء مباشرة بعد قيام الحكومة بأمرين مهمين :
1. أطلاق سراح المئات من المعتقلين والأسرى وفقاً لقانون العفو العام .
2. ضرب الخارجين عن القانون من الشيعة في البصرة بعد عملية عسكرية نزعت عن حكومة المالكي صفة الطائفية في التعامل مع المجاميع المسلحة التي كان البعض يوصمها بها , وقد وقفت جبهة التوافق مع المالكي في هذه العملية واعلنت دعمها الكامل له وتأييدها لخطواته من اجل فرض سلطة القانون في جميع محافظات ومناطق العراق .
وهكذا قررت التوافق الرجوع للحكومة بعد ان انتفت _ نوعا ما _ الأسباب الموجبة لخروجهم من الحكومة العراقية , ولكن وقبل ان تبدأ اللقاءات بين السيد المالكي وجبهة التوافق حول هذه العودة بدأت تنكشف بعض الاقنعة في جبهة التوافق , اذا خرج خلف العليان عن اجماع التوافق حينما قام بمطالبة الاخيرة ببعض المناصب الوزارية متناسياً ان منصب رئيس مجلس النواب السيادي يعود لكتلته التي يتزعمها والذي يحتم عليه ان لا يطلب وزارات اخرى الا بطريقة الاتفاق والتراضي مع جبهة التوافق العراقية , وقد حصل بسبب تصرفات العليان هذه انشقاق وبمعنى ادق انهيار كلي في كتلته حيث قام كل اعضاء كتلته التي يتزعمها بالانشقاق عنه وتشكيل كتلة مستقلة عنه وهو أمر غير مسبوق سياسياً أي ان تتخلى كتلة عن رئيسها بسبب تخبطاته وتصرفاته التي ينبغي ان تجعله يُراجع نفسه الف مرة . وبدلاً من يقوم العليان بتصحيح أخطائه مع التوافق بعد انهيار كتلته قام على عكس ذلك بزيارة فردية لرئيس الوزراء والتحدث عن حصصة في الوزارات الجديدة مما شكل نوعاً من الأرباك المؤقت في كل مفاوضات عودة التوافق للحكومة العراقية , وربما هنا أتخذت بعض الاطراف التي لاترغب بعودة التوافق من هذه الخلافات ذريعة لحث المالكي على رفض المرشحين بحجة او أخرى مع العلم بانها هذه المشكلة لم تعد مشكلة حقيقية بعدما نُشرت علناً في وسائل الاعلام وثيقة تثبت تخلي اعضاء جبهة العليان عنه وتشكيل تكتل سياسي جديد يرتبط بجبهة التوافق ويقف معهم في قرارتهم التي يقرروها .
ثم ظهرت المشكلة التي عرقلت المفاوضات واوقفتها …..أذا ان حقيبة التخطيط التي يرأسها علي بابان كانت من حصة التوافق وحينما طلبت الاخيرة من وزرائها الانسحاب من الحكومة رفض بابان ذلك ولم يقبل ترك منصبه الوزاري على غرار مافعل وزارء التوافق , وبذلك اصبحت هذه الوزارة لشخص مستقل لايمثل التوافق ولايجوز ان يُعتبر من ضمن حصصها الوزارية او نقاطها كما يقولون ، ولهذا ترغب التوافق الان اما ارجاع هذه الحقيبة الوزارية لها او اعطائها بدلاً عنها وزارة سيادية اخرى . لكن وبغض النظر عن كل هذا الامور المرتبطة بتعليق التفاوض بين الحكومة وجبهة التوافق وعن أسبابه وخلفياته ومن يقف وراءه فانني أرى بان على جبهة التوافق ان تفاوض حكومة السيد نوري المالكي عبر الاستاذ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية حصراً وهو الشخصية السياسية التي تمتلك كاريزما تندرج ضمن الشخصيات والسمات التي ذكرها الكاتب جيمس بيربر في كتابة “خواص الشخصية الرئاسية “, وليس عبر شخصية اخرى في التوافق سواء كان عدنان الدليمي او اي شخصية برلمانية أخرى من التوافق , كما ان على الحكومة العراقية ان تفاوض التوافق او الهاشمي عبر رئيس وزارئها السيد نوري المالكي الذي هو المسؤول التنفيذي العراقي الأول لا من خلال مستشاريه الذي يدور حول بعضهم جدل اعلامي كبير .
و قد حصل هذا بالفعل اذ قام الهاشمي والمالكي خلال فترة قصيرة بالقيام باربعة زيارات متبادلة في مؤشر مهم على وجود تفاهمات وفضاءات ايجابية بين الطرفين اللذين يُظهر كل منهما بعد كل لقاء ارتياحاً واضحاً يتجسد في البيانات الأعلامية التي تصدر من مكتبيهما الصحفيين ، بل ان التفاؤل والتبشير برجوع التوافق قد ظهر بوضوح في اخر لقاء بينهما كما عبر عن ذلك بشكل جلي الهاشمي والمالكي كلا على حدة .
وبعد الزيارة الاخيرة بين الهاشمي والمالكي غادر كلا الطرفين العراق حيث غادر المالكي الى السويد لحضور مؤتمر العهد الدولي بينما سافر الهاشمي الى الاردن في زيارة رسمية تستغرق عدة ايام , وفي هذا الوقت او قبل مغادرة المالكي بيوم بالضبط الى السويد جاء خبر تعليق المفاوضات , مع العلم بانني متأكد بانه لو استمر الحوار بين المالكي والهاشمي وجها لوجه دون تدخل أطراف أخرى سواء كانت من طرف المالكي او من جهة الهاشمي ، فان ذلك سوف يؤدي ذلك الى وصول عملية التفاوض الى المبتغى الأصلي منها وهو رجوع جبهة التوافق الى الحكومة وغلق هذا الملف نهائياً .
ويجب عليّ التذكير بانه يجب على مفاوضات الحكومة والتوافق او بصورة ادق مفاوضات نوري المالكي _ طارق الهاشمي أن تكون وفق استراتيجية مبدأ أكسب أكسب Approach Win Win وهو المبدأ الذي يشعر من خلاله كل طرف مفاوض بانه قد ربح شيئاً من هذا المفاوضات سواء كان هذا الربح بالمعنى المادي او المعنوي للكلمة , فالحكومة تربح لان رجوع التوافق لوزاراتها هو خطوة باتجاه تصحيح مسار العملية السياسية الذي يعترف جميع من فيها بحدوث خلل ونقص وانحراف في مسيرتها بل ان ربح الحكومة يكمن في ارجاع وصف حكومة الوحدة الوطنية اليها بعد قبول التوافق بالرجوع , أما التوافق فستربح ايضاً حينما تعود له وزاراتها شأنها شأن اي كتلة وحزب سياسي يرغب ان يشارك في الحكومة العراقية ويسعى الى امتلاك وزارات معينة يمكن من خلالها تجسيد خدمته لشعبه ومواطنيه وتطبيق مهنيته وارائه النظرية فيها وبما يسمح بالنهوض بالواقع الخدمي في العراق وتحقيق الاهداف المرجوة .
وطبقاً لذلك فأننا نرى أن على الحكومة العراقية والتوافق كلا على حدة ان يتجنبوا الانواع الاخرى من التفاوض التي شرحناها أعلاه في انواع التفاوض الخمسة , فلا التفاوض من اجل الكسب الأحادي وفقاً لمفهوم المباريات الصفرية مجدي ومفيد ولا التفاوض التسكيني يصلح هنا ولا التفاوض بحجة التاثير وايصال رسالة الى طرف ثالث أيضاً ولا حتى التفاوض الأستكشافي ، فالمواقف السياسية في العراق وخصوصاً بعد معركة البصرة قد تبينت والاقنعة قد انكشفت وعرف الجميع من يدعم العملية السياسية ويسعى لبناء عراق جديد في الواقع ممن يدعم المليشيات المسلحة ويرتبط بجهات مشبوهة خارجية .
أنني اعتقد أخيراً بان النجاحات الامنية التي تسطرها الاجهزة الامنية كل يوم هنا وهنا لاترقى ابداً الى مستوى التقدم الجاري في العملية السياسية والذي يسير ببطئ شديد ان لم أقل انه يعاني التقهقر في الكثير من الاحايين شأنه شان الوضعي الخدماتي في عراقنا الحبيب الذي يعاني من تدهور شديد لانعرف أسبابه ولا نستطيع الوقوف على علة مصدره .
أن على كل من جبهة التوافق والحكومة العراقية مسؤولية مزودجة وكبيرة في هذه القضية , فعلى التوافق ان تستبعد اي مفاوض متشدد لايجيد هذا الفن ولايعرف كيف يتعامل معه ولا اليات استخدام ادواته والافضل كما قلت أعلاه ان يتولى العملية الاستاذ الهاشمي بدلاً من اعضاء قائمة التوافق , كما على الحكومة العراقية ممثلة بالسيد نوري المالكي باعتباره أعلى جهة تنفيذية في العراق مسؤولية كبرى ايضاً تتمثل في أعادة جبهة التوافق الى الحكومة العراقية وحل قضية وزارة التخطيط عبر الية معينة تُرضي جميع الأطراف , والا كان فشل هذا المفاوضات وعدم رجوع التوافق لحقائبهم الوزارية فصلاً أخر من فصول الانهيار السياسي الذي قد يصيب الحكومة والعملية السياسية في العراق والذي لن يُرضي الا اعداء العراق ومناؤي تجربته السياسية الوليدة .