الرئيسية » مقالات » الشاعر عبد الرحمن عفيف لوحة المكان والحب والألوان

الشاعر عبد الرحمن عفيف لوحة المكان والحب والألوان



أردتُ أن أصمت وأنظر إلى الناس
وهم يتكلّمون وأمامهم فناجين القهوة الساخنة
وأمامهم طاولة تناسب المقهى
وفي الخارج المساء الذي يناسب موقف الترام الأزرق
والأبيض الآن حينما أفكّر فيه
أردت أن أصمت وأراقب الترام الأبيض الذي سافر
في الثلج وترك الناس في المقهى وهم يدخّنون
ويشربون القهوة ويضحكون ويلغطون


هكذا يطل علينا الشاعر السوري الكردي الذي يكتب بالعربية عبد الرحمن عفيف في شعره متعلقاً بالمكان/البيئة ملتحماً بالناس في حياتهم ومسيرتهم اليومية ملتقطاً صور الواقع المعاش بكل مافيه من لوحات بسيطة المشهد لكنها عميقة الغور الايحائي في معنى الحياة بكل نبضاتها اليومية الصغيرة التي تنحت في الروح لتصوغ منها ارهاصات تخييلية في المضامين الشعرية، وذلك خلافاً للملتقط الشعري البعيد عن واقعية التجربة التي هي المغذي الغني بكل مافيه من فيتامينات اللقطة الفنية المنتخبة بعناية الصائغ الماهر في حرفية عالية متمكنة من أداتها.

عندما يحول الشاعر عفيف اليومي في حركته الى مصاف البرج القصائدي العالي الدلالة ويلقيه على عربة الشعر المنطلقة بأجنحة الخيال والأحاسيس والتطواف في فضاء مملكة الحرف وباتقان فني مشهود تصبح اللوحة المرسومة بريشة الروح والكلام الجميل المنتقى بعناية والمغمس بموقد التجربة المتوقدة، والخارج عن رداء الكلاسيكي بمفهومه القديم والجديد المعاصر الذي أمسى هو أيضاً كلاسيكاً يحاول شعراء اللحظة الراهنة الخروج عن خطه ونزع أرديته الهفهافة التي أصبحت حملاً ثقيلاً على روح الفن بمفهومه المتجدد الدائم الرامي الى خلق كل ماهو مثير للدهشة والمتواصل مع التقدم الحضاري دون التخلف عن ركبه السائر الى الأمام، وبثقافته الحاضرة المهيمنة على كل مناحي الحياة ومنها الفن بمختلف أشكاله.

المتوغل في شعرية عبد الرحمن عفيف يلمس صدق التجربة وحرارتها، وعمق الأثر لحياة المدينة والقرية التي ارتشف نبضها اليومي، وغرس روحه في جذورها الممتدة في كل خفقة قلب وهمسة صدر والتقاط عينين. كما احتسى مشاعرها التي حفرت أخاديدها في صدره فامتزج بها وبنبضاتها وزواياها وأزقتها:

عامودا تأكل من يدي حبّة السنبلة التي أتيت بها من عامودا
والقامشلي تأكل من يد عامودا حبّة الوردة التي أتيت بها من القامشلي
أو من عامودا وبينهما
بين حبّة السّنبلة وحبّة الوردة التي في الشّارع
غير مرميّة
على أسطح الجيران
على أسطح لجيران.

السلّم صعده قمر
قمر يرحل على السّلالم كلّ مساء
وصعد إلى سطح البيت
ماذا ترى من وراء الجدار
وماذا تفكّر في مربيات الجيران.

لو كانت يدك الصفراء

على سور حديقة القامشلي
لقلتُ أنا حديقة القامشلي ويدك حديقة القامشلي
وخبزي حديقة القامشلي وجسدي هو فرن القامشلي الآلي
الذي بغير آلة سوى ذكرياتي العاموديّة
كأنّها آلات في فم الفرن الآلي الذي صار حديقة
القامشلي الآلية.


هذا المزج بين الذات والمكان والمشاعر المتأججة هو مادة شاعرنا المفضلة والطاغية على شعره. ففي كل قصيدة له عودة الى المدينة التي نشأ فيها وترعرع وعب رائحتها بحواريها وبيوتها وحدائقها وجسورها وأفرانها وحرارتها وناسها ولهيب المشاعر الأولى للحب والهيام والذوبان في هدير الرغبة البكر المؤججة للتوق والموقدة للذة العشق اللاذعة بكل ارهاصاتها وشدها العاطفي ونصال الحرمان:

حنفيّة الموسيقى
كيف أعطي أنفي في قصّة حبّ
أنتِ بطلتها على السطوح
لا تتنازلين برمي فستانك لي من فوق السماء
التي لستُ تحتها،
إنما بقرب حنفيّة طائشة
سالت طوال الليل بالموسيقى
التي كانت حبّي لك في المدرسة
وتحت أشجار الصنوبر المتطيّرة في الغبار.

إنه حتى في غزلياته يفتح عن الأمكنة التي عايشت معه احاسيسه شذاها المغمس بأنفاس الناس، لنقرأ فيها عمق الصلة بينه وبينها بحرارة وألفة وعمق وبشكل يجعلنا نحن أيضاً نعايش نبضها فنعوم معه في بحرها المضطرب بألوان الأحاسيس الانسانية، ونتعلق بها أمكنة نألف وقعها ونسمع أنفاسها ونشم رائحتها ونعيش حياة ناسها البسطاء بكل معاناتهم اليومية ومفجرات آلامهم. فكل جزئية من خارطة المكان/البيئة الجغراجتماعية هي اطار يلف الروح بغلالة من السحر الكامن خلف الكلمات:

صوت الرّاديو
صوت المقبرة
صوت البئر
صوت المرأة الحيّة
لها خمسة أولاد
صلّى فيها زوجها السكّير
زوجها السكّير
في النّوم
يزور المقامات.

هناك شيء وطيد الوقع والتجذر في نفسه بحيث لا ينفك عن كل تجربة نتلقاها في قصيدة يفجرها، فإذا رائحة المكان والبيوت والأطعمة والناس في حركتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية وتقاليدهم النابعة من طبيعة البيئة التي يحيون فيها، والتي تتجذر أصولهم ومشاعرهم في تربتها، فيجسدها لنا عبد الرحمن عفيف بحميمية ودفء وصدق تدخل النفس بلا استئذان وكأننا كنا نحياها معه:

حنين الغيمة
عشت في حديد اللعبة التي دارت في القامشلي
صنعها زوج خالتي البيضاء من الأعراس والأحزان.
خالتي بعكّاز حماتها على ظهرها
طاردت الغيوم البليدة وضربت زوجها ونامت.
أنا نمت أيضا مثل خالتي على الغيوم
البيضاء وأحيانا البنفسجيّة قبل الغروب
وخرجت شخصا يختلف عن لعبة دوران الحديد
وركض الغيوم أو
انهيارها على الشارع من الحنين.

كما أنه يمر في شعره المكاني/الانساني على ذكر كل ما تحتضنه الجغرافيا من أشياء في الطبيعة ومن مناخ موحٍ بكل أحاسيس الشاعر في تمثلها في صوره المتواترة بشكل تلقائي يعطي الانطباع المضمون في تجربته الشعرية لدى المتلقي المعتاد على أجواء عفيف الشعرية واستبطاناتها للحظة الخلق في استقراء مؤثرات التكوبن الابداعي عنده. كل صغيرة في ظاهرها كبيرة في ايماءاتها الالهامية الموحية، لتأخذنا الى فضاء رحيب من شاعرية متميزة بأدواتها التخييلية وقدراتها التعبيرية والتصويرية والتأثيرية:

وشجرة سامقة في حوش

الجيران تزوّجوا على الشّجرة وحول الشّجرة المصابيح
أضاءت لشتاء طويل مع الثّلج والبرد والأمطار والمعاطف
والأغصان الصّغيرة أو العشب يبس على الفرن
وفي الحوش قنفذ وولد صالح لوالديه
تعني المصابيح لي الكثير
أتعلمين أيّتها الخنفساء تحت الحصير.


هذه العلاقة بين عبد الرحمن عفيف والبيئة والناس البسطاء تصل به الى حد هوس الانغماس في كل تفاصيلها اللحظوية الدقيقة، حتى الأطعمة والمواد لها حيزها الايحائي في شعره مما يتمثل لنا كصورة من صور البيئة التكوينية للحالة الابداعية لحظة خلق القصيدة وعلاقتها بما في نفس الشاعر من الاحاسيس المتوطنة وفي شوق جارف وحنين ناشب ازميله في نفسه ليستخرج مافي الداخل من خزين تصويري ملتقط لكل لوحات الطبيعة والناس الذين عاشرهم وعايشهم وامتزج معهم فصاروا كلاً في واحد داخله وشعراً يتدفق لحظة أن يرى متنفساً وبتفصيل تعبيري بالاحاسيس الجياشة ورسم اللوحات بالكلمات:
وعامودا في غبار المساجد
تحت حافّة نهرها
وصيفها المتسمّم
بقع السنونو المتحيّرة
على السّطوح
البرغل لم يأكله
التنوّر الوحيد في البريّة
وانحدار وادي” دودا”.

حبّ من الفستق والباذنجان
والتبّولة والعطر الكسيح
قلبي من بصل وبطاطا وجزر
شعري فليفلة وريحان وبعرور
فمي ويدك دبس وفستق
وشراب أخضر
لأننا في الرّبيع.

في قصائد عبد الرحمن عفيف مساحة شاسعة للحب الأخاذ الذي قضى منه وطر الشعر ليتحفنا بنجوم العشق المنبثقة المتلألئة من خلال الكلمات، الخارجة من أعطاف جوانحه ناراً تلتهب وحكايات مضمخة بأريج عاطفة الحب الأول ، وعنفوان اللهاث خلف الأنثى المشتعلة بكل تكوينات الاثارة الحسية والعاطفية:

وشمسيّتك مثلك

تضربها ريح وتقلبها
على الشّارع الممطر وتخجلين من ساقيك البيضاوين
وفخذيك البيضاوين وثدييك وابطيك ونرجستك النرجسيّة
وشمسيّتك الانقلابيّة
ومظلّتك هي شمسيّتك الشّمس خرجت
ببساطة وقليلة
من خلف السّحابة البيضاء
ثديك
أبيض
مثل
ثديك
الأبيض
وجدار الفقراء في حارة الهلاليّة
عاشق مهبول.

يصوغ الشاعر من عاطفته ايقاعاً غزلياً معاصر الايقاع والتشبيب المقترن بالحرارة التي تصعد في أروقة الجسد لتثير مكامن الارتباط بأجلى صور التعبير والعنفوان الرغباتي:

حنفيّة الموسيقى
كيف أعطي أنفي في قصّة حبّ
أنتِ بطلتها على السطوح
لا تتنازلين برمي فستانك لي من فوق السماء
التي لستُ تحتها،
إنما بقرب حنفيّة طائشة
سالت طوال الليل بالموسيقى
التي كانت حبّي لك في المدرسة
وتحت أشجار الصنوبر المتطيّرة في الغبار.

الحبيبة التي لا يفهم كنه سرها الأنثوي إلاه، هو المكتوي الذاوي في بئر النار المشتعلة في كيانه من كيانها الذي التذت بوقع لسعات جمره كل الزوايا والأرجاء والعشب والشمس والقمر والليل والنهار والأرض والسماء والغجر والحضر:

آخ أمينة

لا يعرفك الغجر ولا الحضر
لا الخابور ولا الضّجر
لا النّهار ولا اللّيل ولا الغسق
لا العشب المتبرقع
لا القمر المتسطّع
يا زبيبة حامضة
خلّفها اليانسون السكران
فوق شبّاكنا في العصر المنبّه
والشّمس الشّديدة
قالت أسرارها وقال المطر عيونه
أثناءها وبعدها
وهطل وهطل الذي لا يغتفر
من الحبّ
والحبّ وجمع الشّمل والنّمل
وكلاب الغجر.

إنها أمينة تلك التي أشعلت في صدره حمى العشق في تلك الأزقة المشغولة بالعواطف الانسانية حلوها ومرها، وتأججها ورقتها. فاكتوى بأحاسيس غذت شعره بكل ما يفجر من تجارب مرت وهو يعتلي خارطة المكان بكل تفاصيلها الدقيقة، ليرد اسمها على لسان قصائده بما أنزل الله من سلطان الشعر وشياطينه:

صدت العصفور في اللّيلة قبل هذه اللّيلة
وأعطيته ثدي أمينة الأيمن أمّا الأيسر فتقاسمته
مع السنونو الذي نام نوما طويلا
طوال اثنتي عشرة سنة نام السّنونو من مدينة
الدّرباسيّة وبعضهم قال إنّه كان من عامودا
وآخرون إنّه من المقبرة والمسلخ وآخرون
إنّه لم يكن السّنونو المعتبر الأسود
بل الأبيض وهو ثمن ثدي أمينة الأبيض الأيمن.
أكلت الثّمن دون اعتبار للدائنين

ولنقرأ له أيضاً في أمينة:

نسيتني أمينة

على حصان ميّت بالقرب من نهرالخابور الميّت
ورجعت أمينة زهرة صفراء “العندكو” إلى بيت
إلى قرية تحت الخابور الميّت كحصان ودربكّة
ودبكة.
خنجر وخنجر وسلسلة خرزة العنق
الفتيات الألوان الكرديّة
نقش على أذن الخابور
وبطنه الضجر.
نسيتني أمينة.

إن كانت امينة قد نسيته، إلا أن ابداعه وفنه قد اكتوى بنارها واعتلى نجوم صدرها نبعاً متدفق الدوام من الشعر الغني بكل ما يسمن التلقي والقراءة والاستمتاع، ويلهب الذائقة ويفجر الاحاسيس، ويخلق الصور، ويمد المخيلة بأجمل ما قيل في العشق، وأبسط ما عبر عنه بالكلمات. وهو ما يمتاز به شاعرنا من التقاط اللغة اليومية بكل بساطتها وأخيلتها الواقعية التي يرفعها الى مصاف التخييل العالي، والصور النابضة، واللوحات المرسومة بريشة الكلمات المجنحة التي تحلق بنا الى أعالي عرش ربة الشعر بكل ارهاصاته ومؤثراته وجماليات التعبير بالبساطة المرتقية الى بلاغة متجددة الأسلوب والصياغة.

يعمل الشاعر عبد الرحمن عفيف على تفكيك الصياغات التقليدية في العلاقات اللغوية المتوارثة، وفي بلاغتها المجازية والتشبيهية والمنهجية التواصلية المتسلسلة الايقاع والحدث، والمرتبطة المعنى في المشترك النعتي الوصفي والتلاقي التشبيهي ووجه الشبه وما شاكل من مصطلحات. ولنأخذ الآتي مثالاً:


نسيتني أمينة

نسيني الشّارع الذي مرّت فيه
والدكّان الذي نظر إلى فستانها الذي اشتراه الجسر
والصرّة المعلّقة على عينيّ
كلّها
كلّها
وصلاة في فنجان
على سطح المساجد
والصّلوات
صلوات البقدونس المفروم
من أحشائه إلى أحشائه.

فحين القراءة الأولى للنص يمر بخاطر المتلقي تساؤل هو: ماالعلاقة بين كل الصور التي يرسمها لنا الشاعر؟ الدكان الذي نظر والجسر والفستان والصرة والصلاة في فنجان والمسجد والبقدونس والاحشاء؟ يقع المتلقي لأول وهلة في ارباك تخيلي لجمع الصورة التي تبدو مفككة الآجواء، حيث لا علاقات بين الأشياء والمجازات والصور العديدة لخلق لوحة متوحدة الأجزاء في تسلسل عضوي مطلوب في فن القصيدة. لكننا حين نتوغل داخل التشكيل المتعدد للنص نجد وحدة في التجربة من خلال محيطها الملتقط وتحت سقف العاطفة المكتوية بنسيان الحبيبة للحبيب وبذا نسيته كل جزئيات الجغرافية التي جمعتهم وألفت العشق الذي اشتعل في القلب ثم اختفى لتختفي الخارطة التي خطت خطواتهم وعاشت كل ما كان يتفجر من الصدر من ملتهبات الحب. وهذا يتطلب معايشة ما خلف النص وتلقي تأثيره بدايةً من دون الرجوع الى ظاهره الشكلي، لأن النظر الى الظاهر الشكلي أولاً يقتل الباطن إذ يفككه من تداعيات التجربة ومفجرات الأحاسيس التي أججتها. وذلك حين ننظر بعين المنهجية الدرسية الى النص الابداعي الذي يتطلب المعايشة قبل التفكيك والبحث عن الأدوات، والتي هي مهمة المفكك وهو الناقد والباحث والدارس.

قراءة الشعر تفترض الدخول الحسي الى عوالم القصيدة والتجربة الشعرية لحظة الخلق أولاً، ثم النظر والبحث في التفاصيل الشكلية التي استخدمها الشاعر في ايصال ابداعه لاحداث الأثر المطلوب، وبأي شكل ولغة كان، ومدى نجاحه في ذلك.

يمكن لنا أن نعتبر ما يمتاز به عفيف في هذا الجانب هو تجديد لغوي في بناء قصيدة متجددة من خلال خلخلة العلاقات اللغوية بمألوفها البلاغي والتصويري قديمه وجديده والخروج على الفضفاف التعبيري المترهل في حشد لغوي من تشبيهات ومجازات وأساليب بيانية. في حين نجد اختزالاً في لغة عبد الرحمن عفيف وصوره اللماحة المكثفة والمركزة والمعبرة عن عمق في الصورة والتجربة واتساع في مساحة المضمون المعبر عنه، ولنقل ببخل في اللغة مع ثراء في التخيل والصورة. وهو ما يجعله خارجاً عن اطار روتينية العلاقات اللغوية وجمودها وثباتها على نفس النسق التاريخي المنهجي:

حبّ من الغبار
رأسه على تلّ شرمولا
رجلاه صفراوان
في الآبار.

في الشبّاك رأيتك
ذات ربيع
الرّبيع كان الولد الصّغير
يشتري العلكة لك
ويبقى في الشّارع
أمّا شعرك
في النّافذة
إلى الصّباح.
ولنقرأ له أيضاً:

المزهريّات

أين تضع المزهريّة أعباءها
من الفساتين والمكاحل الأرجوانيّة والبيضاء والبنفسجيّة والخضراء
والصفراء والمرأة الصفراء وأختها الخضراء وابنة عمّتها حبّة الزيتونة
وابن الخال الضالّ الذي فتّشت عنه الفساتين والمكاحل
واللفاح الدافئ والزعفران المنتشي
كلّ هذا في أنفي المغروس جيّدا على مزهريّات
الغرباء والأصدقاء.
إلى أين أيتها المزهريّات


يستخدم الشاعر في قصائده اللون بشكل ملفت، وهو ما ينبع من تأثيرات البيئة الجغرافية والطبيعة، وتاثره بالألوان ودلالاتها المعنوية ليضفي على شعره صورة اللوحة المرسومة الموحية باللون بعيداً عن الايضاح والاستطراد الذي يؤدي ربما الى ضعف في الصورة الشعرية، وذاك الى جانب المشاعر الحارة وبطيف من الجمال:

نوروز أصفر وعشب أحمر قبل النّوروز
الذي هو نيروز أبيض قبل المطر الأخضر
فوق المدرسة البيضاء من اختفائنا
معا
أنا وأنت
وجدار مدرسة المعرّي الأصفر
سياج يسبح في الهواء
منذ ذلك الوقت
منذ رقبة صفراء إوزّة الوقت
ورقة اسمنا الفضيّ
الرّيح
الرّيح من بين طيّاتها.

وحين نجمع الألوان هذه في النص أعلاه يمكن لنا ومن خلال ذكره لعيد النوروز الكردي أنها اشارة الى العلم الكردي بألوانه وخاصة من ملاحظة هذا التعلق الشديد والكبير والعميق بالأصل الكردي وبالأرض التي ولد وعاش وترعرع فيها، عامودا، الدرباسية، القامشلي وهي مدن كردية سورية، وكمثال على تعلقه هذا يقول:

نسيتني أمينة

على حصان ميّت بالقرب من نهرالخابور الميّت
ورجعت أمينة زهرة صفراء “العندكو” إلى بيت
إلى قرية تحت الخابور الميّت كحصان ودربكّة
ودبكة.
خنجر وخنجر وسلسلة خرزة العنق
الفتيات الألوان الكرديّة
نقش على أذن الخابور
وبطنه الضجر.
نسيتني أمينة.

إن الشاعر عبد الرحمن عفيف صوت شعري متميز، يتدفق بالمكان والمدن والأزقة والبيوت والأشياء التي عايشها وعاشر نبضها ونبض الناس اليومي بكل ما يعانونه ويحيونه من مشاعر وتجارب وآلام، وهو يرتدي العشق والعنفوان والألوان والذكريات أردية مثيرة مدهشة الايقاع والفضاء رائعة الأجواء. كما أنه يمتاز بالتكثيف التصويري والاختزال اللغوي والخروج على المألوف البلاغي، ليحدث صدمة شعرية شعورية لدى المتلقي فيغوص معه في باطن تجربته. إنه صوت شعري متفرد من خلال كل ما مررنا به من خصائص يتميز بها من غير تلاقٍ أو تناص مع غيره من الشعراء أو تقليد. إنه إمارة تجديدية معبأة بالشعرية الخلاقة، وفنان تشكيلي يرسم لوحته بالكلمات ويلونها بحرارة الأحاسيس وثراء الأخيلة. إنه محيط من الدهشة والصدمة الشعورية.


عبد الستار نورعلي
السويد
الخميس 29 مايس 2008