الرئيسية » مقالات » دراسة في واقع ألسياسة ألأمريكية …

دراسة في واقع ألسياسة ألأمريكية …

لا شك أن ألأحداث ألتي تلت ألحادي عشر من سبتمبر في داخل أروِقة ألبيت ألبيض هي ألتي لعبت دوراً كبيراً في رسم ألمعالم ألسيّاسية وألإقتصادية في ألعالم ، لقد أصيب ألعالم بأسرهِ بألصدمة وألذهول لنجاح ألمنفّذين في إختراق ألحواجز ألأمنية ألتي تحيط وتحمي واحدة من كبريات ألمدن ألأمريكية وألتي لم تكُن قابلة للإختراق وتحتضن ألكثير من ألمنظمات ألدولية وفي مقدمتها منظمة ألأمم ألمتحدة …

نعلم جميعاً أن تفكك ألإتحاد ألسوفيتي قاد ألعالم إلى وضع دولي جديد تمثّل في أحادية ألقطب وإنفراد ألولايات ألمتحدة في ألسيطرة على ألقرار ألسياسي ألعالمي من خلال نفوذها في ألمؤسسات ألدولية ومكانتها في حلف ألناتو وتأثيرها ألأقتصادي على ألأسواق ألعالمية ،فبدأت بممارسة عملية لسياستها هذهِ منذ حدوث ألتغييرات في اوربا ألشرقية بدءاً ببولونيا التي شنت فيها حركة ألتضامن بدعم من ألفاتيكان إنتفاضةً لإسقاط ألحكم ألشيوعي ومروراً بألإنتفاضة ألرومانية ألتي تفجّرت شرارتها في تيمشوارا لإسقاط شاوسيسكو وانتهاءاً عند رغبتها في ضم هذهِ البلدان إلى حلف ألناتو ، وإلى حدٍ بعيد إحتفظت ألولايات ألمتحدة بتوازنها وبناء إقتصادها دون أن يتأثر بتلك ألعاصفة ألتي حملت رياح ألتغيير على أجزاء عديدة من ألعالم ، فإنعكس تأثير تلك ألأحداث إيجابياً على إقتصادها ، غير أنّ ألأحداث ألمتتالية ألتي شهدتها ألساحة ألدولية أخرجت هذهِ ألدولة عن طورها وراحت تتخبط في رسم معالم واقعٍ جديد للسياسة وألأقتصاد ألدوليَين ، وعند تشخيص أسس هذهِ ألسياسة لا بُدّ للمرء ألعودة إلى ألجذور ألتي تقف خلف حركة هذهِ ألسياسة منذ بداياتها ألأولى …

لو أخذنا بنظر ألإعتبار تداعيات ألثورة ألصناعية ألتي أحدثت في أوربا نقلةً نوعية في ألآلة وألحياة ألإقتصادية وألتواصل سنكون أمام ألخطوة ألأبرز ألتي مثّلت ألإنطلاقة في نشوء فكر ألإحتكاربشكلهِ ألواسع ألذي تحوّل فيما بعد إلى توسّع على حساب شعوب ألعالم ،وأخذ هذا ألتوسّع ينمو بالتدريج مع ألتطور ليفرِزَ قوانين جديدة في ألمعادلات ألإقتصادية ألتي صبّتْ في ألنهاية في خدمة ألرأسمالية وتطور وسائل سيطرتها على ألمجتمعات ، ما جعل ألولايات ألمتحدة ألأمريكية تختصر ألكثير من ألمراحل في تطوّرها هو أنها إستفادت من تجربة أوربا وبدأت من ألمكان ألذي وصلتهُ ألقارة من ألتطوّر ، وتم نقل وإستنساخ أغلب ألنظريات ألإجتماعية وألإقتصادية إلى ألأرض ألأمريكية ألتي مثلّت أفضل ساحة لتطبيق تلك ألتجارب ..

وعند تطبيق هذا ألكلام على ألمراحل ألتاريخية ألتي عاشها ألمجتمع ألأمريكي منذ نشأتهِ عام 1513 فأننا نرى أن هذا ألمجتمع أنتقل من ألعبودية إلى ألبرجوازية وألرأسمالية دون ألمرور بمرحلة ألإقطاع وربما تلعب هذهِ ألنقطة دوراً فيما وصل إليهِ هذا ألمجتمع من تخبّط وإنعِدام وضوح ألعقيدة ألتي يمثلها في قاموس ألعلاقات ألإجتماعية …

لايمكن إغفال أنَّ ألولايات ألمتحدة حاولت في بادئ ألأمر أن تظهر على شكل دولة مُحِبّة للسلم وأن تتقمّص صفة ألحيادية في ألعلاقات ألدولية لكن مصالح ألطبقة ألتي سيطرت عليها طفت تدريجيّاً إلى ألسطح وغطّت على باقي ألصفات وجعلت من ألمصالح ألإقتصادية ألهدف والغاية ألأساسية من هذهِ ألعلاقات ، وبدأت تنشر قيماً لبرالية في محاولة لإعطاء هذهِ ألسياسة سمة تسِمها وتجعلها مقبولة لدى باقي شعوب ألعالم ، لم يكُن من ألسهل على مُنظّري ألسياسة ألأمريكية ألخروج للعالم من ألبداية بذلك ألوجة ألذي يُعبِّر عن مصالحهم وطروحاتِهم وعلى ما يبدو أنَّ ذلك إستغرق وقتاً حتى وصلوا إلى ما هو عليهِ واقع سياستهم في هذا أليوم…

لقد مرّت ألولايات ألمتحدة بمُنعطفات كثيرة قبل أن تتمكن من ألسير بخطى واضحة في جعل ألكثير من ألبلدان تسير في فلكها وخاصةً ألقريبة منها في أمريكا ألوسطى وفيما بعد أمريكا أللاتينية كما سخّرتْ ألدين كأساس بارز في ألسيطرة على تلك ألبقعة من ألأرض لا سيما وأنَّ تلك ألمجتمعات كانت تعيش حالة من ألظلام سهّلَ على ألولايات ألمتحدة إختراقها بسهولة كما أنَّ رأس ألمال ساعدَ في شراء حكومات تلك الدول وألحفاظ عليها كجزء من ألحفاظ على ألمصالح ألأمريكية ولو لم تتمكن من ألنجاح هناك وفي تلك ألفترة بألتحديد من عُمر ألتاريخ لما شاهدنا ألولايات ألمتحدة بشكلها ألحالي أليوم !!

وفي نفس ألوقت خطّطت لإستقبال خيرة ألعقول ألعلمية على أراضيها كي تتمكن من بناء صرح علمي يسهم في ديمومة طروحاتها مهما كان شكلها وتوجّهاتها ، لا يمكن لأي متتبّع للسياسة ألأمريكية ألحالية في ألعالم تقييمها بشكل صحيح دون ألعودة لجذور هذهِ ألسياسة عبر ألقرنين ألماضيين وإنطلاقاً من فكرة ألمصالح ألإقتصادية لأي بلد يرى ألكثير من ألمُحللين للسياسة ألأمريكية أن هذهِ ألدولة تصرّفت على نحو سليم ينطلق في ألأساس من ألحفاظ على مصالحها ألإقتصادية ويلائم توّجهات ألطبقة ألحاكمة فيها وذلك لا غبار عليهِ في ألسياسة وألعلاقات ألدولية …





نعم كما يبدو للوهلة ألأولى لا غبار عليهِ من وجهة نظر ألطبقة ألحاكمة وألفئات ألتي تدور في فلكها لكن …!! من وجهة نظر أخرى تبدو سياسة لا تراعي حقوق ألأنسان ولا حق ألشعوب في ألعيش ألحر ألكريم ولا حتّى في تقرير مصيرها وإختيارها لشكل ألنظام ألإجتماعي ألذي يناسبها لا سيما وأنَّ الطبقة ألحاكمة تدركُ جيداً طبيعة ألأهداف ألتي تسعى لأجل تحقيقها وألمضاعفات ألتي ستترتب على ألشعوب جرّاء هذهِ ألسيّاسات …

لا يمكن ألحديث عن طبيعة هذهِ ألسيّاسة من منظور عاطفي أبداً لأنَّها تنطلق في ألأساس من مقوّمات جدّية في ألتعبير عن نفسها حتى ولو كانت في ألكثير من مراحل ألتاريخ قد إستندت إلى ألمكر وألدهاء في بسط نفوذها لقد إعتمدت في بناء قوّتها على ألأسس ألثلاث ألتي تعطي أيّةِ دولة إنْ إمتلكتها ألتفوّق وألنفوذ وهذهِ ألأُسس ألثلاث هي رأس ألمال وألقوة ألعسكرية وألعقول ألعلميّة ألمفكِّرة ، فرأس ألمال لم يكن بعيداً عن متناول ألأوليغاركية ألمالية فهي نفسها ألتي كانت تحكم ألقارة ألأوربية وجلبت معها أيضاً مصانع ألأسلحة ألتي كانت بحوزتها ولم تتمكن في بادئ ألأمر من تغيير ألواقع ألديموغرافي على ألأرض ألجديدة بسهولة لأن ذلك كان يتطلّب ألكثير من ألوقت وألجهود وإستغرقَ بالفعل ما يزيد على ألقرن ولم تتمكن من حسم هذا ألأمر جذريّاً بل تركت قسماً من ألولايات دون تطهير كامل من سكّانها ألأصليين ، لكنها في جانب آخر أدركت أنَّ بناء ألقاعدة ألعلمية يحتاج لبناء ألآلاف من ألجامعات وألمراكز ألعلمية على أن تكون هذهِ ألمراكز وألجامعات تابعة للمجموعة ألتي تحكم كل ولاية حسب ألإتفاق الذي وقّعوه فيما بينهم من أجل إقتسام ألولايات وعائداتها وفي نفس ألوقت تكون هذه ألجامعات تساهم في ألإطار ألعام في ألتقدّم ألذي ستشهدهُ ألدولة ، وقد حقّقت هذهِ ألجامعات فعلاً ألأهداف ألمرسومة وتمكنت ألولايات ألمتحدة من إستقطاب وإستقبال ألكثير من ألعقول على أراضيها وأعطتها إمتيازات تفوق بكثير تلك ألتي كانت تتمتّع بها في بلدانها ألأصلية حتى جعلتها تشعر بأنّ وطنها ألأصلي هو ألولايات ألمتحدة ..!!

لم يكن سهلاً تصوّر نمّو ألدولة ألأمريكية عبر مراحل تطوّرها بهذهِ ألسرعة لكنَّ واقع ألأمر يعكس دراسة مُتأنّية في طبيعة ألسيطرة على مفاصل ألدولة وربطها ببعضها ألبعض بطريقة لا تجعل ألمطلِع يتصوّر أن هناك تحكُّم يشبة ألدول ألمركزية في ألسيطرة على أقاليمها ، لقد مَرَّت ألولايات ألمتحدة بمراحل ومنعطفات جعلتها تتحمّل تلك ألصدمات ألتي تأتيها من ألخارج بعد أن عانت طوال مراحل تأسيسها من مشاكل

وصدمات من نوع مشابة وأغنتها بألتجربة لتتمكّن في نهاية ألمطاف من ألسيطرة بقوة على ألواقع ألسيّاسي ألذي تعيشهُ وألذي تفرزهُ معطيات ألحياة ألجديدة ، مشكلة ألقادة ألفعليين للولايات ألمتحدة أنّهم لا يستطيعوا رؤية ألعالم على صورتهِ ألحقيقية بل من ألزاوية ألتي تلائم مصالحم فقط لا غير وسخّروا كل قدراتهم من أجل ذلك وهو ما ساعدهُم في ألتقدّم خطوات واسعة إلى ألأمام وخلق نظام إقتصادي خاص بهم أفرز فيما بعد صراع ألطبقات ألذي بدأ بكوّمنة باريس ولم يتوقف لحد يومنا هذا بل بألعكس فأنّهُ يتعاظم يوماً بعد آخر لاسيما بعد أن أدركت مُعظم شعوب ألعالم طبيعة ألوضع ألذي يتحكّم بميزان ألقوة في حركة ألمجتمع وأدواتهِ ألإقتصادية ، وألمُلفت للنظر في تاريخ ألسياسة ألأمريكية عبر مراحلها ألمختلفة هو أنّها إتخذت لنفسها خطّاً ثابتاً لم يتغير حتى نهاية ألحرب ألباردة حيثُ بدأت فعليّاً إنعطافة خطيرة في هذهِ ألسياسة حيث برزت للعلن تلك ألوجوه ألمعبِّرة عن طبيعة ألأهداف ألمرسومة بشكل واضح ، كما أنّها لم تعد تتخوّف من غضب ألشعوب أو ثوراتهم على إعتبار أنَّ ألمعسكر ألذي تصدّى لهم إنهار وتلاشى من ألوجود وأنَّ نظرية فوكوياما أثبتت خلود ألرأسمالية وهو طبعاً نوعاً ألوهم وقعت بهِ ألطبقة ألتي تريد ألتحكُّم بالعالم كما تشاء دون وعي ، لقد أسهمَ إنسحاب ألإتحاد ألسوفيتي من ألساحة ألدولية في حدوث ألتخبُّط في خطوات مُنظري ألسيّاسة ألأمريكية ألذين إنتشوا للأمر أكثر من ذهابهم خلف ألمنطق في تفسير ألحدث لأن ذهاب ألكتلة ألسوفيتية من ألساحة ألدولية لا يعني بألضرورة إنتصاراً للرأسمالية ونظامها فعالم أليوم يمُر بأحداث متسارعة لا يمكن ألسيطرة عليها كما كان عليهِ ألحال في ألحرب ألباردة عندما كانت ألخطوات مدروسة ومحسوبة قياساً لطبيعة ألصراع ، أما في ألوقت ألحاضر فإنَّ ألصراع يفتقد لمقياس ثابت ومُحدّد في ألعلاقات ألدولية ويمكن ألقول أن نظام ألغابة هو ألسائد ويدفع هذا ألأمر بألأحداث إلى ألمجهول أكثر من دفعها بإتجاه واضح ألمعالم لمُختلف شعوب ألعالم ، وهو ألأمر ألذي يشكِّل نقطة ألصراع ألمركزية في حل ألتناقضات في ألعلاقات ألدولية …

وتتحمّل ألولايات ألمتحدة ألقسط ألأكبر من ألمسؤولية في وصول ألعالم إلى هذا ألمنعطف من ألفوضى لإنها تقود ألأطلسي ببساطة وتعتبر مركزاً مالياً وسيّاسياً عالميّاً مُهمّاً وأعطت لِنفسها ألحق في ألتصرّف بمختلف ألقضايا ألدولية بصورة منفردة دون أن تعير ألأُسرة ألدولية ومنظماتها أيّةِ أهمية وتحاول قدر ألإمكان تهميشها وتلجأ إليها في ألوقت ألذي تتطلّب حاجتها

فقط لإنها تعلم جيّداً طبيعة ألوضع ألدولي إذا ما تمَّ إلغاء دور ألأمم ألمتحدة من ألعالم وبألتالي ألواقع ألجديد ألذي يصاحب حدوث حالة كهذهِ وهي بألتأكيد لن تصبَّ في مصلحتها ، هنا يبرز سؤالاً مُهِّمّاً لا بد من طرحهِ كي تقود ألإجابة عليهِ إلى تفسير واقعي لماهيّة ألسيّاسة ألأمريكية في عالم .. وهو هل تُعبِّر ألسياسة ألحالية للولايات ألمتحدة ألتي تمارسها في عالمنا عن جوهر ألفكر ألسياسي ألواقعي ألذي كانت تُمارسهُ طوال ألقرن ألعشرين؟؟

للإجابة على هذا ألسؤال ينبغي ألقول أنَّ هذهِ ألسيّاسة كانت قائمة على أُسس ثابتة حتى نهاية ألحرب ألباردة وكانت تقوم على محاور أثّرت إلى حد بعيد في ألمجتمع ألدولي ومن هذهِ ألمحاور ألتبشير بألحرية وألديمقراطية وحقوق ألإنسان وبغضّ ألنظر عن مدى جدّيّة ألطروحات ألتي روّجت لها إلاّ أنّها دخلت مُنعطفاً آخراً جعلها تفقد صوابَ توجّهِها بشعورها ألوهمي بألإنتصار وولوج شخصيّات مراهقة إلى مركز ألقرار ألسيّاسي فيها بسبب طاعتها ألعمياء للطروحات ألتي تمثّل صلب ألعقيدة ألرئيسية للأقلية ألحاكمة ، وبألعودة للسؤال يجب ألقول أن ألإطار ألعام للسيّاسة ألحالية ألتي تمارسها ألإدارة ألأمريكية تٌعبّر بصدق عن ألوجة ألحقيقي للطبقة ألحاكمة وهي تسير وفق برنامج يهدف أولاًُ وأخيراً للحفاظ على مصالحها ويتّم تسخير كل أدوات سياساتها وعلاقتها ألدولية في هذا ألإطار وتقييم هذهِ ألسياسة يختلف من طرف إلى آخر لكن طبيعتها ألتي تجاوزت كل ألقيم وألأعراف ألدولية وضعتها في خانة ألسيّاسة ألطائشة ألعمياء ألتي لا ترى غير نفسها في ألساحة وهو ما يسهِم يوميّا في مضاعفة أعداد ألمعادين لها على صعيد ألعالم …

لقد وجدت ألولايات ألمتحدة نفسها صدفةً زعيمةً للعالم وشعرت بأن عليها نشر نموذجها ألإقتصادي ـ ألإجتماعي في باقي بلدان ألعالم مما يعطيها صفة ألدولة ألأكثر تقدّماً عالميا ، لم يكن صعباً نشر ألنظام ألأقتصادي ألذي تتبنّاه لأن ذلك لا يمثل خطوة مستحيلة ولأنَّ ألرأسمالية لا بدَّ لها من ألإنتشار في أغلب بلدان ألعالم كمرحلة من مراحل تطوّر ألمجتمعات إقتصاديّاً ، لكنَّ ألصعوبة ألتي وقفت بوجهِ هذا ألنموذج هو تركيبة ألمجتمع ألأمريكي نفسها في لم تكن ناتجة عن تطور طبيعي للنمو ألسكاني وألحضاري فيها بل هي تركيبة هجينة لمجتمعات وشعوب قدِمتْ للعيش على ألأرض ألأرض ألأمريكية عبر فترات متتالية من عجلة ألتاريخ ..



هذهِ ألتركيبة لم تمنح ألنفسيّة ألأمريكية نفس ألشعور ألقومي أو ألوطني في ألإنتماء كحال باقي أُمم ألأرض حتى لو تمَّ ألإدعاء بهذهِ ألقيم فهو يبقى إدعاءاً ليس إلاّ !!

ويبقى ألشعور ألحقيقي بألإنتماء من نصيب ألسكان ألأصليين للأرض ألأمريكية لا سيما في ظل نظام مدني يبحث في أصول ألأفراد لحد يومنا هذا كممارسة داخل ألدوائر ألأمريكية وهو ما يعطي هذا ألشعور بألإنتماء نوعاً من ألغبن ، ففي ألكثير من ألحالات يتم تعريف ألمتفوّقين في ألمجتمع ألأمريكي كأن يكون سياسي او أكاديمي جامعي أو مجالات ألحياة ألأُخرى بأنهُ من جذور أفريقية أو إسبانية أو ألمانية ..ألخ وهذا ألتمييز لا يزال سارياً حتى أليوم كما يتم تعريف ألشخصيات ألسياسية أليوم..

وقفت هذهِ ألنقطة بالتحديد أمام إنتشار طروحات ألعولمة كفكرة إجتماعية لكل ألمجتمعات فكيف يمكن لشعوب أخرى أن تتأثر بطريقة حياة لا تمتلك بُعداً حضارياً مغرقاً في ألقِدَمْ أو ألتاريخ ؟

ورغم إندفاع مروّجي ألسياسة ألأمريكية في تطبيق آرائهم على ألساحة ألدولية إلاّ أنهم يعلموا جيداً ألمدى ألذي يمكن أن تصل إليهِ هذهِ ألطروحات ، لذلك يكون ألوجة ألحقيقي لهذهِ ألسيّاسة قائماً على ردود ألأفعال أكثر من أن تكون سيّاسة قائمة على أسس ثابتة نابعة من دراسة واقع ألتصرّف حيال ألقضايا ألدولية …

وبدات هذهِ ألسيّاسة تُلاقي ألكثير من ألرفض في بقاع عديدة من ألعالم بسبب غياب ألفهم ألحقيقي لواقع ألمجتمع ألدولي أو أنَّ هذهِ ألإدارة غير قادرة على رؤية ألعالم من ألزاوية الصحيحة وعلى صورتهِ ألحقيقية دون خداع ، بل أنَّ ألكثير من وسائل ألإعلام في ألولايات ألمتحدة تروِّج لفكرة أن ألعالم مُتأثر كثيراً بأفكار ألحرية ألأمريكية تنلاقي قبولاً منقطع ألنظير كما كانت تُشيّع لرد فعل ألشعب ألعراقي في حالة غزوهِ وإسقاط ألدكتاتورية فيهِ ، فقد كانت توهم ألشعب ألأمريكي بأنَّ ألعراقيين سيستقبلون ألقوات ألأمريكية بألزهور وألحلوى وألحقيقة أن هذهِ ألصحف نفسها تابعة لجهات

مُتسلّطة داخل ألإدارة ألأمريكية ألتي تُمَوّلها وتتابع عمل صحفييها بطريقة عجيبة !! ربما طبيعة ألمواضيع ألتي تخوض فيها هذهِ ألصحافة تختلف عن تلك ألتي تتناولها باقي وسائل ألإعلام ألعالمية لسبب بسيط وهو أنَّ هناك مصالح وتنافس حول ألمواضيع ألتي تثار وتوقيت إثارتها ..

فمثلاً يمكن تمرير موضوع حسّاس بعض ألشئ إلى ألصحافة للتغطية على موضوع أخطر تريد ألطبقة ألحاكمة تمريرهُ ومناقشتهِ دون ضجيج أو

للتغطية على أحداث لا ترغب أن يُعطيها ألإعلام حجمها ألطبيعي بل أقل، وهي سيّاسة ربما غدت واضحة للكثيرين من ألذين بدأوا يفهموا طبيعة ألنظام ألحاكم في ألولايات ألمتحدة من ألأمريكيين وغيرهم …

وهناك مؤسّسات عملاقة تعمل في هذا ألإطار لخدمة تلك ألطبقة وهي ممّولة ومُدرّبة لقضايا من هذا ألنوع ولا يقتصر مهامها على ألصحافة فحسب بل يمتد حتى للتجسّس على دول من خلال هذهِ ألمهنة وألتراخيص ألتي تعطيها لهم أدوات ألإدارة ألأمريكية للوصول إلى أهدافها ، لا يوجد موضوع حياتي مُعيّن دون أن تُفكّر بهِ ألأوليغاركية ألمالية لخدمتها وخدمة مصالحا مهما كان صغيراً ، ما يمكن تشخيصهُ مُنذ زمن بعيد هو أنّها كانت تنجح دائماً في ما ترسم لهُ بسبب إنشغال ألشعوب بقضايا ثانوية في ألكثير من فترات ألتاريخ تجعلها تفقد ألسيطرة على ألتركيز على ألحدث ألذي يهدد وجودها وطريقة حياتها في ألمجتمع لهذا تمَّ تمرير ألكثير من ألمعاهدات ألدولية ألمشبوهة وإقرار قوانين لا يمكن إعتبارها محسوبة على ألقيم ألحضارية للعصر ألحديث أو أنّها لا تُجسِّد ألحالة ألواقعية ألتي تعيشها ألبشرية في ظل هذا ألواقع ألذي وصلت إليهِ …

لقد عاشت ألسيّاسة ألأمريكية صراعاً مع ألذات بدأ هذا ألصراع من فكرة ألتفوّق على ألنفس وتجاوز محنة ألهويّة ألمفقودة ألتي سيطرت على تصرّفات ألجيل ألأول من ألمهاجرين إليها ومكثت معهم لأكثر من جيل حتى وصلت مرحلة ألتحضير للتفوّق على ألغير ، لكن ما ترسّب في هذهِ ألنفسيّة هو ألشعور ألعميق بفقدان ألإنتماء ألحقيقي وهذا ما دفع ألكثير من ألمُسيطرين على ألقرار ألسياسي إلى محاربة ألشعور بألإنتماء عند باقي شعوب ألعالم وسخّروا كلَّ قدراتهم من أجل قتل هذهِ ألكلمة عندهم ، وربما تكون هذهِ ألحالة واحدة من ألخطوط ألأخرى ألتي يعملوا بجديّة من أجل طمسها ، وتُعبّر ألعولمة في عالمنا ألمعاصر بطريقة واضحة عن هذهِ ألأفكار ألتي تتبناها ألأقلية ألحاكمة في ألولايات ألمتحدة وألتي تريد نشرها في ألعالم بأساليب مختلفة بحجة جعل ألعالم قرية واحدة لا غير…

ومن خلال فهم هذهِ ألنقطة بالتحديد يمكن ألتوسّع في فهم باقي مفردات ألسيّاسة ألتي تُمارَسْ أليوم على أرض ألواقع في ألكثير من بقاع ألعالم سواء من خلال نشر قِيَمْ ألعولمة أو من خلال ألحروب ألتي تشنّها أليوم لتأمين مصالحها ولتكملة ألوجة ألآخر لمخططاتها …

لا يستطيع قادة أمريكا فهم وإدراك أنَّ شعوب ألعالم لايمكنها ألتخلّي عن ثقافاتها وتراثها من أجل ألأفكار ألمثالية وألخيالية ألتي ترغب بنشرها في جهات ألأرض ألأربعة !!

إنَّ ألصيغة ألتي طرحها هينتغتون في صراع ألحضارات وحوارها لا تمثّل ألاّ ألصيغة ألتي تريد ألطبقة ألحاكمة نشرها وهينتغتون هو أحد مروجي سيّاساتها وطروحاتها وفق ألرؤية ألتي تُسهِم في تقدّم طروحاتهم وأفكارهم وتطبيقها على أرض ألواقع ، فألكثير من دول ألعالم تمتد حضاراتها إلى آلاف ألسنين في أعماق ألتاريخ ولا ترغب في ألتخلي عن مقوّمات تلك ألحضارة بسبب ألعولمة وتأثيراتها ،من ألممكن للجميع أن يُغيّروا ألكثير من ألقِيَم بما يلائم عملية ألتطوّر لا أن تكون ألعملية تذويب لها من أجل ألخضوع لقيم ألعولمة ألتي لا تمتلك تعريفاً واضحاً ومُحدّداً في قواميس ألمعرفة …

لقد إتسمت ألسياسة ألأمريكية لفترة طويلة من ألزمن بالواقعية وعكست هذهِ ألواقعية سمعة جيدة لها لكن ألمصالح ألإقتصادية وصراع ألقوى كشفَ أن هذهِ ألواقعية لم تكن مُتجذرة بقدر ما كانت حالة من ألممارسة لمواجهة ألعوائق ألتي كانت تحيط بتحقيق أهداف سياستها على أرض ألواقع …

قوة كانت رأسمالية وتطوّرت حتى غدت أخطبوت إمبريالي يهدد بلدان ألعالم بألإبتلاع تفتقد لإدنى ألقيم ألأخلاقية في ألنظر لحقوق ألشعوب في ألعيش بإستقلالية وتطمح إلى جعل ألجميع يسير خلف أوهامها ، وعبر قرنين من ألزمن كانت للقوة ألدور ألأبرز في صعودها عالميّاً ومن ألخطأ ألقول أنّها كانت تتمتع بمصداقية في طروحاتها او أنّها تتمتع بصحّة ألتقدير عند قرائتها للأوضاع ألدولية في أغلب فترات ألتاريخ لاسيما أثناء ألحرب ألفيتنامية أو في حربها ألأخيرة ضد ألإرهاب وخاصةً في ألعراق …

لاشئ إذاً يوحي بأنّها قادرة على تحقيق برامجها في إبادة حضارات ألشعوب ألأخرى من خلال ألعولمة لأنّها مع أوّل خروج لها من قوقعتها راحت تتكبد خسائر لا يمكن لإقتصادها تحمّلهُ على ألمدى ألبعيد وستلازم عقدة ألنقص هذهِ ألشخصية ألأمريكية بإستمرار بإستثناء ألسكان ألصليين للأرض ألأمريكية !!

يتسائل ألبعض كيف يمكن لها إبتلاع ألعالم ؟

تريد ألإدارة ألأمريكية تحويل إقتصاديات ألدول إلى ما يشبه سواقي تصب جميعها في خدمة وديمومة ألإقتصاد ألأمريكي وتعمل ألآلة ألعسكرية ألأمريكية كعامل أساسي حاسم لتحقيق هذهِ ألغاية من خلال تحركاتها

ألتي تنفذ أوامر تلك ألإدارة ألتي ترغب على ألمدى ألبعيد لتحقيق أبدية ألفكر أللبرالي وألنظام ألرأسمالي ، لم تكن ألعملية أسيرة ردود أفعال معيّنة للقائمين على هذهِ ألسيّاسة تجاه حركة ألإقتصاد ألدولي بقدر ما كانت عملية مدروسة تعتمد في ألأساس على متخصّصين في مجالات متعدّدة مترابطة تجعل ألنتائج واضحة ومتوقعة من خلال ألفرضيات ألتي يقدّمها هؤلاء ألإختصاصيون …

ربما لعبَ ألتخصّص دوراً محورياً في تقدم مجالات ألحياة في ألمجتمع ألرأسمالي بشكل عام رغم أنَّ هذا ألتخصّص حول معاني كثيرة عند ألإنسان في هذا ألمجتمع إلى قيم سطحيّة لا تأثير لها في حياتهِ ألعامة وهو ما لم تكن ألمجتمعات ألأشتراكية تقبل ألتضحية بهِ لأنّهُ كانَ يشكّل قيمة أخلاقية مهمّة لتقدم ألمجتمع نحو ألشيوعية …

أما أليوم فعصر ألعولمة شهد تطوّراً ملحوظاً في هذا ألإتجاه وأقدمت ألولايات ألمتحدة ومعها أليابان وألمانيا إلى ألإنتقال لمرحلة تسمى بتخصص ألتخصّص ، وفي هذهِ ألمرحلة بألتحديد يحصل تشعُباً واسعاً في مجال ألبحوث ألعلمية ونقلة في ألعلوم ألتطبيقية في هذهِ ألعوالم كما ودفعت هذهِ ألحالة ألشركات ألعالمية ألكبرى إلى تحديث أجهزتها كل شهر تقريباً بدلاً من كل عام وخلّف ذلك حدوث طفرة هائلة في تكنولوجيا ألآلة مكّنت هذهِ ألبلدان من ألتفوّق وإحداث هوّة واسعة تفصلهم عن باقي دول ألعالم ألتي لا تزال تعاني من مشاكل كثيرة تُعيق عملية تطوّرها ألطبيعي …

وتنتشر في ألولايات ألمتحدة ألأمريكية ألكثير من مراكز ألبحوث ألسياسية وألأقتصادية وغيرها تُسهِم إلى حد بعيد في رسم معالم ألسياسة وألإقتصاد ألأمريكيّين في ألداخل وألخارج وتعتمد هذهِ ألمراكز على كوادر متخصّصة من ألكتاب تنحدر أصولهم من ألبلدان ألتي تنصّب بحوثهِم عليها وهو ما يعطي هذهِ ألبحوث قيمة واقعية إلى حدّ بعيد ، فمثلاً هناك مراكز بحوث متخصّصة للدراسات ألأمريكية أللاتينية وأخرى للدراسات ألشرقية تتخصص في ألصين والهند مثلاً وآخر للشرق ألأوسط تصبُّ جميعها في إعطاء تصوّراً متكاملاً عن واقع ألحال في تلك ألمناطق من ألعالم ، وتعمل وكالة ألمخابرات ألأمريكية على تحليل أغلب هذهِ ألدراسات وألإستفادة منها في عملها من أجل بسط سيطرة ألولايات ألمتحدة على بقاع واسعة في ألعالم وهي تنفّذ عملياً طموحات ألأقلية ألحاكمة فيها والتي ترغب في جعل أغلب إقتصاديات ألعالم ومجتمعاتها توابعاً لها ..



لقد تمكنّت ألإدارة ألحاكمة في ألولايات ألمتحدة من خداع شعوب هذهِ ألقارة من خلال تشويه ألكثير من ألحقائق ألعلمية وألتاريخية ، فأغلب ألأمريكيون يعتقدون أنَّ أول َ من أوجد ألحرية وألديمقراطية على ألأرض هي ألولايات ألمتحدة َ ويُفاجئوا عند سفرهِم إلى ألبلدان ألأخرى بحقائق مختلفة موجودة في متاحف ومكتبات تلك ألبلدان تؤكد لهم أن ألديمقراطية موجودة منذ ألآف ألسنين في حضارة ألفراعنة والسومريون والأغريق ..

كما أنَّ ألحضارتين ألهندية وألصينية ألتي تمتد هي ألأخرى ألآف ألسنين في أعماق ألتاريخ كانت قد ناضلت شعوبها من أجل مفهوم ألحرية قبل ولادة ألولايات ألمتحدة ألحالية بثلاثة ألآف عام أو أكثر …

ليس ألقصد هنا ألتقليل من شأن شعوب هذا البلد بقدر ما يكون توضيحاً لطبيعة ألأساليب ألتي تتبعها ألسلطة ألعسكرية ألحاكمة في ألولايات ألمتحدة برداء مدني من خلال تضليل تلك ألشعوب وتلقينها بأكاذيب لا تمت بصلة لأرض ألواقع ، لقد وضعوا ألمجتمع ألأمريكي بأسرهِ إلى ساحة لتجارب تصبُّ أسوئها في مصلحة تلك ألطبقة ، وحتى ألنقد وألتذمُّر وقلّة ألحيلة يتم تصويرهُ على أنّهُ جزءاً من تلك ألحريّة !!

وتتجه تلك ألإدارة لتصدير هذا ألنموذج إلى باقي بلدان ألعالم كي يتّم ألسيطرة على ألموارد من خلال أقليات تتحكم بألأموال وتعمل لمصلحتهم في كل بلد ، وتم تطبيق هذا ألنموذج في ألكثير من ألبلدان وتم حصر مواردها في أيدي أقلية من ألتجار وألمهرّبين ساهموا إلى حد بعيد في إفقار بلدانهم قبل أن تطيح بهم ثورات شعبية أعادة مسيرة ألمجتمع وألإقتصاد فيها إلى ألإتجاه ألصحيح …

لقد أسهم رأس ألمال ألذي تمكنوا من جمعهِ وتكديسهِ في تحقيق ألكثير من ألأهداف ألتي عمِلت لأجلها هذهِ ألأقلية ، وتفهّمت معظم بلدان ألعالم بعد إنهيار ألإتحاد ألسوفيتي أنَّ ألوقوف في وجهِ هذهِ ألقوة يتطلب عوامل عديدة مجتمعة كي تُحدِث تأثيراً في ألصراع لمصلحتها كما أنَّ ألواقع ألدولي ألمتمثل بأُحاديّة ألقطب دفع إلى خلق قواسم مشتركة تجمع ألكثير من ألبلدان خلف هدف واحد وهو إضعاف هذهِ ألقوة وإستنزافها قبل أن تتمكّن من تحقيق أهدافها ، وتدخل ألحرب ألحالية ألتي تمَّ إدخال ألولايات ألمتحدة فيها مجبرة في هذا ألإطار لإنّها لن تتمكن من ألقضاء على ألإرهاب قبل أن تفقد ألكثير من نقاط قوّتها وتفوّقها وكذلك تتخلى عن إدعائاتها بمناصرة ألحرية وألديمقراطية أو تفكر بجدّية في طبيعة دورها ألعالمي وتعيد ألنظر بهِ قبل أن يصبح دخول ألأمريكي إلى أيِّ بلد في ألعالم محفوفاً بألمخاطر نتيجة ممارسات حكومتهِ ألعسكرية …