الرئيسية » مقالات » العراق: الإنتخابات والحرية الدينية..!؟

العراق: الإنتخابات والحرية الدينية..!؟

• المادة (2):
اولاً :ـ الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ اساس للتشريع:
أ ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لا يجوز سن قانونٍ يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور.
ثانياً :ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما ويضمن كامل الحقوق لدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين.

• المادة (10):
العتبات المقدسة، والمقامات الدينية في العراق، كياناتٌ دينيةٌ وحضارية،
وتلتزم الدولة بتأكيد وصيانة حرمتها، وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها.

• المادة (20):
للمواطنين رجالاً ونساءً، حق المشاركة في الشؤون العامة،
والتمتع بالحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح.

• المادة (41):
اولاً :ـ اتباع كل دينٍ او مذهبٍ احرارٌ في:
أ ـ ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية.
ب ـ إدارة الاوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية، وينظم ذلك بقانون.
ثانياً :ـ تكفل الدولة حرية العبادة وحماية اماكنها.

• المادة (44):
لا يكون تقييد ممارسة أيٍ من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور
أو تحديدها الا بقانون أو بناءً عليه، على ان لا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية.

كافة النصوص المشار اليها في أعلاه، هي نصوص دستورية ، منقولة من الدستور الدائم لجمهورية العراق المصوت عليه في إستفتاء عام من قبل الشعب العراقي عام/ 2005 ، وبمعنى آخر إقراره من قبل غالبية القوى السياسية وبالذات منها القوى الراعية للعملية السياسية والمشاركة في تكوين الحكومة العراقية المنتخبة من قبل مجلس النواب، وبالتالي فهي قيل غيرها مَنْ يُطالب بالتمسك بهذه النصوص وطبقاً لأحكامها.

بقدر ما يتعلق الأمر بالخلاف الجاري في مجلس النواب حول إقرار قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات، التي من المزمع إجرائها في تشرين الأول من هذا العام، حول مسألة أحد النصوص الواردة في مسودة القانون المذكور، وإعتراض كتلة الإئتلاف العراقي الموحد وبالذات (المجلس الاسلامي الاعلى)، على النص المذكور والمطالبة بإلغائه، فقد التجئنا الى نصوص الدستور الدائم أعلاه لتوضيح جوهر الخلاف، لكونه يتعلق بإستخدام أماكن العبادة، كمراكز للنشاط السياسي، والرموز الدينية كوسائل للدعاية الإنتخابية..!

– لقد أكدت المادة العاشرة من الدستور، طبيعة العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق، بأنها مكانات دينية وحضارية، والزمت الدولة بضمان حرمتها، وضمان حرية ممارسة الشعائر فيها.

– إن التحديد الذي نصت عليه هذه المادة بكون هذه الأماكن (دينية)، يجعل من البدهي الفهم، بأنه لا يمكن إستخدامها لغير القصد الذي حدده الدستور، وبالتالي يصبح من تحصيل الحاصل، حرمة إستخدامها لغير ذلك القصد، وهنا يصبح لزاماً على أي جهة ما، الإمتناع عن إستغلال هذه الأماكن لغايات أخرى غير العبادة وممارسة الشعائر الدينية.

– وما يؤكد تلك الحقيقة، هو النص الواضح في آخر المادة المذكورة، والذي حدد خصوصية هذه الأماكن لممارسة الشعائر الدينية داخلها، وهوتحديد مكاني من جهة، وتخصصي من جهة ثانية. وهو يفترض بالأصل أن ممارسة مثل هذه الشعائر يفترض أن يجري ضمن الأماكن المخصصة لها ، كالمسجد أو الكنيسة أو المعبد أو أي مكان مشمول بالتعريف المنصوص عليه في المادة الدستورية أعلاه.

– ما يعزز قولنا أيضاً، الفقرة /أولاً: من المادة/41 من الدستور التي جاءت محددة لطبيعة الشعائر وتوصيفها بإعتبارها ذات طابع ديني صرف، وضمنتها لغرض التحديد نفسه، الشعائر الحسينية. وربطت في الفقرة/ثانياً: من نفس المادة، حرية الممارسة المذكورة بأماكن العبادة تحديداً، وأناطة مهمة حمايتها بالدولة، ومن ذلك يبدو أن الدولة قد ألزمت نفسها بضمان وكفالة حرية العبادة وإقامة شعائرها، ضمن أماكن العبادة نفسها. وبالمفهوم المعاكس ، فأن هذا الإلتزام يفقد فعاليته إذا ما أقدم أي شخص أو جهة على ممارسة الشعائر الدينية خارج الأماكن المخصصة لها أصلاً والمعترف بها قانوناً.

– لقد ضمن الدستور حرية العقيدة والممارسة الدينية للجميع دون تمييز، كما ورد ذلك في نص الفقرة/ ثانياُ من المادة/ 2 من الدستور، حين ضمن هذه الحرية لجميع أبناء الأديان الأخرى في العراق، وبالتالي فلم يعطي النص إمتيازاً خاصاً لأي جهة ما، رغم نص الفقرة المذكورة على المحافظة على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي.

– لم يحدد الدستور أحكاماً إستثنائية غير تلك التي حددها لإستخدام أماكن العبادة، والمقصود به ممارسة الشعائر والطقوس الدينية. ومن هنا ينتفي أي تعلل بعكس ذلك.


من كل ما تقدم يمكن القول:

أن الدستور الدائم قد نظم الحرية الدينية وممارسة شعائرها، بشكل واضح المعالم ولا يحتاج الى فهم أعمق من مجرد الربط بين نصوص الدستور نفسها والتمعن في مدلولاتها المنطقية، والإبتعاد عن التأويل خارج المبنى والمعنى الذي قصده الدستور نفسه، وإنطاقه بغير ما يريد، من أجل تحقيق مصلحة خاصة.


فالدستور وبقدر ما يتعلق بالحرية الدينية، قد أوجز الأمر في النقاط التالية:

1. حق جميع أفراد المجتمع في حرية العقيدة والممارسة الدينية.
2. ضمان الدولة لحماية أماكن العبادة.
3. ربط الممارسة الدينية وأمور العبادة وإقامة الطقوس الدينية بما فيها الشعائر الحسينية، بأماكن العبادة.
4. ضمان الدولة لحرية ممارسة الشعائر الدينية وحمايتها داخل أماكن العبادة تحديدا.


ومن هنا يمكن القول: بأن أي إدعاء عكس ذلك، سيجد نفسه في تعاكس مع منطق الدستور، بل وأي ممارسة عكس هذا المنطق، يمكن إدخالها ضمن هذا السياق، بإعتبارها مخالفة لنصوص الدستور نفسه. ويصبح من نافل القول؛ بأن أية قوة سياسية تحاول إستغلال ممارسة الشعائر الدينية خارج أماكن العبادة المتعارف عليها، أو إستغلال هذه الأماكن لممارسات سياسية أو غير دينية، خارج إطار الممارسة الدينية، فإنها ستضع نفسها في موضع الخارق لنصوص الدستور على الصعيد العملي، حتى في تلك الحالات التي تسبغ عليها الصبغة الدينية ظاهراً ولكنها تبطن مقاصد سياسية خاصة..!


ويصبح الأمر أكثر تعقيداً حينما تحاول بعض الجهات السياسية ومنها الأحزاب السياسية ذات اللبوس الديني، او ما تُدعى “بالإسلام السياسي” أو الأحزاب الدينية من الطوائف الأخرى ، أن تستغل الأماكن المخصصة للعبادة من مساجد أو عتبات مقدسة أو كنائس أو مقامات دينية مثل الحسينيات أو مدافن ومراقد الصالحين، لأغراض سياسية بحتة، مستغلة التحشدات الجماهيرية أثناء أوقات العبادة أو الزيارات في المناسبات الدينية، كما هو متعارف عليه في صلاوات الجمعة أو أيام الآحاد في الكنائس والمناسبات الدينية الأخرى، لتحولها الى مهرجانات سياسية تطرح فيها برامجها وخططها الخاصة التي تخفي ورائها مصالحها السياسية. كما هو الحال في أوقات الإنتخابات على سبيل المثال..!

ففي هذه الحالة لا ترتكب تلك الأحزاب مجرد خرق لأحكام الدستور حسب، بل تضاعف هذا الخرق بخرق آخر، يتعلق بحقوق المواطن في التمتع بحقوقه السياسية؛ بما فيها حق التصويت والانتخاب والترشيح كما نصت عليه المادة /20 أعلاه من الدستور، مما يعني أن هذه القوى قد إحتكرت لنفسها حق إستخدام أماكن العبادة، والإستئثار بالتأثير على الجمهور من خلال التأثير على عواطفه الدينية، بإستخدام الرمز الديني، سواء من خلال أماكن العبادة نفسها أو الشخصيات التي ترمز لها هذا الأماكن ؛ كالأماكن المقدسة لدى الجمهور، ومنها العتبات المقدسة والكنائس، في الوقت الذي تحرم فيه أطرافاً أخرى من القوى السياسية المنافسة لها في الإنتخابات من هذه الميزة، إذا ما علمنا بطابع التحشد الجماهيري الكبير والتلقائي في أماكن العبادة والأماكن المقدسة الأخرى، ومن هنا يصبح الخرق لنصوص الدستور مزدوجاً من عدة نواحي:

– خرق بإستخدام أماكن العبادة والأماكن المقدسة خارج القصد المحدد لها دستوريا.
– خرق للمساواة بين الأفراد في الحقوق السياسية التي كفلها الدستور بهذا الشأن.
– خرق لمباديء الديمقراطية التي نص عليها الدستور.

وبقدر ما يتعلق الأمر باللجوء الى إستخدام (الرموز الدينية) سواء كانت لوحات مصورة لرجال دين مميزين لدى العامة، أو لهم مكانة قدسية أو إعتبارية، أو لافتات وشعارات تشير الى مرجعيات دينية لها مكانتها الإعتبارية لدى الجمهور، فهي الأخرى تدخل من حيث التفسير في نطاق الإستخدام الديني لهذه الرموز الدينية، خارج الأطر المكانية التي حددها الدستور بالنسبة لممارسة الشعائر الدينية وكل ما يدخل في نطاقها كما بينت أعلاه..!

أما ما يتعلق بنص قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات المطروح للنقاش على مجلس النواب، بمنع إستخدام الرموز الدينية في الدعاية الإنتخابية أو إستخدام أمكنة العبادة بمختلف أشكالها لذلك الغرض، فهو يقع دستورياً ضمن الأطر الدستورية التي أشرت اليها فيما تقدم، ويعتبر تجسيداً واقعياً وإلتزاماً قانونياً يتوافق مع أحكام الدستور وخاصة أحكام المادة/20 والفقرة/ب من المادة/2 من الدستور الدائم، التي نصت على عدم دستورية أي نص يتعارض مع مباديء الديمقراطية..!

من جميع ما تقدم، لا يجد المرء في الإعتراض على ما جاء في تحريم مشروع قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات من إستخدام للرموز الدينية وإستغلال أماكن العبادة في الحملة الإنتخابية القادمة، من قبل بعض القوى السياسية، وبالذات منها المجلس الإسلامي الأعلى، ما يسنده دستورياً أو يدعمه ديمقراطياً حسب، بقدر ما يخلق هذا الإعتراض، حالة من إعاقة إقرار مشروع القانون، وخرقاً لمنطوق نص الفقرة/ب من المادة /2 من الدستور، بشكل علني، خاصة إذا ما كان الإعتراض ينصب على مبدأ من مباديء الديمقراطية، المتعلق بالمساوة لجميع المتنافسين في العملية الإنتخابية في الحقوق التي منحها الدستور، مع التأكيد على أن العملية الإنتخابية بجميع تفاصيلها وآلياتها ووسائل تطبيقها، تدخل جميعاً ضمن مباديء الديمقراطية التي نص عليها الدستور في المادة /2 الفقرة /ب أعلاه..!

ولست هنا في معرض الحديث عن الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذا الإعتراض، بقدر ما أردت التوضيح بأن الإعتراض التي تتمسك به بعض القوى السياسية من أطراف “العملية السياسية” ، على النص الوارد في مسودة مشروع قانون إنتخاب مجالس المحافظات، المتعلق بمنع إستخدام الرموز الدينية وأماكن العبادة في العملية الدعائية للإنتخابات، إنما يدخل في إطار خرق أحكام الدستور المتعلقة بالمباديء الديمقراطية؛ وفيه من خلال ذلك، تجاوز على حقوق الآخرين من المشاركين في العملية الإنتخابية، إذ يمنح المنادين به من هذه القوى إمتيازاً خاصاً لا يتوفر مثله للقوى السياسية الأخرى، وبالتالي، فإن أية خطوة بهذا الإتجاه، لا تخرج عن كونها عملية تسييس وإستغلال للدين ومرجعياته ورموزه الإعتبارية، بشكل ينسف “العملية السياسية” من جذورها “الديمقراطية” التي تتمسك بها كافة القوى المنضوية تحت خيمتها بما فيها القوى المعترضة على نص المنع الوارد في القانون أعلاه..!

كما ولا يبدل في الأمر شيئاً الإدعاء بعدم توفر أماكن مناسبة في بعض النواحي والمدن الصغيرة والقرى، مما يضطر المدعون معه، الإلتجاء لإستخدام أماكن العبادة لإغراض الدعاية الإنتخابية، وفي تقديري إن قولاً مثل هذا إنما يعبر عن إعترافٍ ضمني بالنصوص الدستورية ، ولكن في نفس الوقت وعلى الصعيد العملي، رفضاً صريحاً لهذه النصوص، ولا يمثل الإستشهاد بعدم توفر الأماكن المناسبة في المدن الصغيرة مثل النواحي والقرى إلا غطاء لتبرير هذا الرفض للنصوص الدستورية، فعلى سبيل المثال، بالإمكان ممارسة النشاط الدعائي الإنتخابي في هذه الأماكن، عن طريق بناء الخيم في الساحات العامة وفي الفضاء، وبالتالي تصبح الممارسة شرعية ولا تتعارض مع حرمة أماكن العبادة التي ضمنها الدستور من أي إضرار أو تجاوز مهما كان، هذا من جهة، كما وسيعبرُ مثل هذا المقترح عن حالة المساواة بين كافة الأطراف المتنافسة في العملية الإنتخابية، دون محاباة، وهو تقليد متبع في أغلب دول العالم بما فيها الدول المتحضرة، التي تمارس الدعاية الإنتخابية من خلال أكشاك مؤقتة تبنيها في الساحات العامة، ولم تلجأ الى أماكن العبادة بأي حال من الأحوال، من جهة أخرى..!

الأمل أن يأخذ مجلس النواب وهو الهيئة التشريعية العليا في البلاد وكذلك المفوضية العليا للإنتخابات، والقوى السياسية المشاركة في العملية السياسية أو خارجها وكذلك مؤسسة القضاء الدستورية، أن يأخذوا بالإعتبار الجدل القائم بشأن مشروع قانون الإنتخابات لمجالس المحافظات، والتمسك بالنصوص الدستورية التي تحكم أسس وآلية العملية الإنتخابية، وبالذات قواعد الإلتزام التي تتعلق بعدم تسخير وتسييس الدين في العملية الديمقراطية، من قبل أي جهة سياسية كانت. فالجميع مسؤولون عن حيادية هذه العملية وتجنيب الناخب من أي تأثيرات دعائية خارج ما حددته النصوص الدستورية وما تقرره المفوضية العليا للإنتخابات طبقاً للمباديء الدولية العامة، مع التشديد على مبدأ الرقابة الإنتخابية..!

والتساؤل الأخير وربما السابق لأوانه وهو موجه الى كافة الجهات المذكورة أعلاه قبل أن يوجه الى المواطن؛ وهو:
هل بالإمكان بناء الدولة المدنية الديمقراطية في العراق طبقاً لمباديء العدالة والديمقراطية والمساواة..؟!
وهل سنبني حقاً، الدولة الدستورية..؟!