الرئيسية » مقالات » مفهوم التعددية السياسية واين نحن منها في العراق؟

مفهوم التعددية السياسية واين نحن منها في العراق؟

من النادر ان نجد شعبا متجانساً تمام التجانس فلا بد من وجود عوامل تمايز على اساس ما طائفياً كان او مذهبياً او دينياً او اجتماعياً او سياسياً .. الخ فهذه خصال الشعوب فهي تتماثل من حيث تباينها على اساس او اسس معروفة ولكنها تختلف في مديات لاتجانسها او كثرة الاصناف الموجودة فيها فقد تجد شعبا لا يتعدد الا بصنفين فقط في حين تجد شعبا آخر يتعدد الى اصناف عديدة وعلى اسس متعددة.
هذه الظاهرة خلقت عبر التاريخ اشكالية كبيرة لان غالباً يحاول احد الاصناف ان يسود الاخرين ويهيمن على مقاليد الامور معتقداً امتلاك الحقيقة .. كل الحقيقة ولايعترف للصنوف الاخرى بامتلاك الحقيقة او جزء منها ومن هنا تتأتى فكرة الشمولية والاستحواذ.
هناك مبدأ نفسي يرتكز عليه كواحد من اسس علم النفس وهو مبدأ (الفروق الفردية) أي اننا لايمكن ان نحصل على افراد في تمام التماثل في الخصائص والسجايا ولكننا نستطيع ان نحصل على مجاميع يتقارب الافراد فيها بسماتهم ولذا فأن اساس التعددية السياسية او الاجتماعية هو اساس نفسي فردي يقوم على احترام فردية الفرد ولكن بما ان التعددية الفردية لايمكن ان تعامل سياسياً او اجتماعياً من الوجهة العملية اي لايمكن ان يكون لدينا احزاب بعدد افراد المجتمع او طوائفه او .. الخ لذا فان التعددية بمفهومها السياسي التطبيقي تعني اليوم اعتراف الحكومة بوجود الجماعات المتعددة داخل المجتمع وحقها بتشكيل احزاب تمثلها ويتمثل هذا الاعتراف بمنح الحزب المعبر عن الجماعة او التشكيلة الاجتماعية اجازة ممارسة نشاطها السياسي، كل هذا ضمن تشكل اجتماعي عام يمثل تركيبة منظمة قانوناً وهذه التركيبة تمثل اساس المجتمع المدني اذ بدونها لايمكن لأي مجتمع ان يدعي بالمدنية الاجتماعية.
ان ما يمييز المجتمع المدني بتعدديته هذه عن مجتمع يقاد من قبل حزب شمولي ديني او قومي او سياسي ان هذه الاحزاب المجازة قانوناً لاتدعي استحواذها على مفاتيح الحقيقة كلها وانها الحق والاخرون باطل ليس الا هذا اهم مايميز الاحزاب في المجتمعات المدنية عن الاحزاب الشمولية التي تدعي استحواذها على الحقيقة وان من لايسير على نهجها فقد ((ضل الطريق)) لابل قد تجب معاقبته !!
ان اعتراف احزاب المجتمع المدني بالنهج التكاملي للوصول الى الحقيقة هو سر حياة السلم فيه فما من انقلابات وما من اغتيالات وما من عنف وما من دكتاتورية بل هناك مبدأ التداول السلمي للسلطة لان التعددية اساساً مؤمنة بالهدف المشترك مع اختلاف المشارب وتباين الاجتهادات .
مما تقدم فان مفهوم الحكومة في المجتمع المدني يصبح ارحب من مفهومها التقليدي التسلطي اذ تصبح الحكومة الميدان الاوسع والعامل الذي تنشط فيه كل الاحزاب السياسية وفئات المجتمع وليست حكراً على جهة دون غيرها وتصبح السياسية عملاً مشروعاً لكل الاحزاب وللحكومة ان ترعى هذه المشروعية قانوناً.
هنا لابد ان نذكر ان التعددية السياسية مسألة مقرة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان اساساً وممارسة الفرد بحق التمتع بحرية الرأي حق مكتسب وله الحق في الانتماء الى الجمعيات ذات الهدف السلمي وليس من حق احد ارغام الاخرين في الانتساب الى جمعية من الجمعيات وان ارادة الشعب المتمثلة بالانتخابات النزيهة هي مصدر السلطة الحكومية .
من هنا نقول ان التعددية والاقرار بها هي مفتاح الديمقراطية في مجتمع ما مثلما الديمقراطية هي حاضنة النظام التعددي لان العلاقة بين المسألتين الديمقراطية والتعددية علاقة تبادلية جدلية .
السؤال المهم هنا الى اي حد يمكن ان تتحقق هذه المعادلة بين التعددية والديمقراطية وهل هناك ما يؤثر سلباً على هذه العلاقة في تحقيق الديمقراطية – التعددية في المجتمعات ؟
نقول نعم والواقع العملي السياسي ماضياً وحاضراً يبين لنا التلاعب في هذين المصطلحين الديمقراطية – التعددية امر ممكن وللاسف كثير من النظم السياسية الشرق اوسطية تمكنت من الالتفاف على مسألة التعددية وذلك بايجاد احزاب او كتل مصنوعة لتضفي على النظام السياسي طابعاً تعددياً ومن هذه النظم بعض الانظمة السياسية في تاريخ العراق فعلى سبيل المثال اوجد واجاز عبد الكريم قاسم حزباً شيوعياً كارتونياً بديلاً للحزب الشيوعي الاصل الذي كان يخشاه وبدأ يتعامل معه وكذلك اوجد صدام حسين حزبين كورديين صنيعين ليضفي على نظامه طابعاً تعددياً في الوقت الذي كان حزب البعث حزباً شمولياً وحتى ايام الجبهة مع الحزب الشيوعي العراقي سمى هذا الحزب نفسه بالحزب القائد في محاولة للالتفاف على مسألة التعددية فليس هناك شيء اسمه حزب قائد عندما نعترف بالتعددية السياسية .
ومن المخاطر التي تحدق بالديمقراطية – التعددية استغلال الحزب الاكبر عدداً او الحزب الممتلك للسلطة (الحكومة) موقعه في مصادرات مباشرة او غير مباشرة لحقوق وحريات الاحزاب الاخرى او تشجيع العناصر الانتهازية في خلق حالة من الجماهيرية الواسعة حول نفسه وعلى حساب اضعاف جماهيرية الاحزاب الاخرى.
وكذلك فان من مخاطر التآمر على الديمقراطية – التعددية محاولة الانظمة السلطوية احتواء عملية الانتخابات فالانظمة اللاديمقراطية في اساسها والمعلنة عن ديمقراطيتها تلعب لعبة الانتخابات البرلمانية وكذلك تلعب لعبة المجالس المحلية وذلك لانها تدرك جيداً ان في الانتخابات نهايتها فتعلن عن (ترسيم) الانتخابات وهي في الاساس انتخابات مزورة خلاصاً من مشكلة تداول السلطة فتضمن لنفسها مشروعية البقاء في السلطة ومن المشكلات التي تترتب على ضعف الاستيعاب الديمقراطي مناصبة حقوق الجماعات الاثنية او المذهبية ولدينا امثلة عديدة في الشرق الاوسط والعالم العربي على ذلك وما حرب الابادة الجماعية التي شنها النظام السابق على الكورد وعلى شيعة العراق الا من الامثلة الصارخة على عدم تقبل مبدأ التعددية في المجتمع هذا هو الدافع الاساس والخفي لمثل تلك الحروب اللاانسانية وبالتأكيد فان تلك النظم تبحث عن مبررات وعن واجهات تتستر وراءها للقيام بحرب ابادة الاثنيات او المذاهب ليس في العراق وحسب بل يمكن ان نجد امثلة اخرى على عدم تقبل التعددية الاجتماعية وحتى ليست السياسة مثل مسألة الموارنة في لبنان او الامازيق في شمال افريقيا ومسيحيي السودان.
السؤال الان اين يقف العراق من مسألة التعددية؟
بعد تجربة قاسية شهدها في انفراد حزب واحد بالحكم وحتى بمقادير الفرد وحياته وغذائه ووزنه وطريقة تفكيره واغانيه وطقوسه ؟ نعم اين يقف العراق من مسألة التعددية التي كان ينظر اليها على ((انها الهدف)) والدواء الذي سيشفي العراق من سقامه؟
نقول وبكل واقعية وصراحة ان التعددية مطروحة على العيان احزابا وجماعات وكتلا وجمعيات ومنظمات وصحفا وفضائيات واذاعات… هذا امر جميل ويعكس حالة من التعددية ولكن اذا حاولنا ان نسبر او نستقصي طبيعة هذه التعددية او بعبارة اخرى ماهو الخيط الذي تنتظم به قلادة التعددية العراقية،هل هو خيط الديمقراطية واحترام رأي الاخر وتقبل الاخر؟
بكل صراحة كلا؟ ان الخيط الذي تنتظم بواسطته تعدديتنا العراقية اليوم هو خيط مبروم على الازدراء والتحاقد الخفيين واتخاذ ادوار الديمقراطية تمثيلاً، وليس الديمقراطية الاصيلة كل فئة تتقبل الاخر على طريقة (مجبر اخاك لابطل) وهذه كارثة او بعبارة اخرى قنبلة اجتماعية موقوتة، والسبب في هذا ان هذه الجماعات المتعددة لم يتسن لها ولم تحاول ان تتفهم الاخر السنة والشيعة يقولون لم يكن في العراق تنابذ بين السنة والشيعة والعائلة الواحدة تجد فيها السني والشيعي والقبيلة الواحدة ممكن ان يكون فيها السني والشيعي، حسناً اذن هل نقول ان النظم الدكتاتورية كانت توحدنا؟ ولماذا نحاول ان نتجاهل واقعنا السني والشيعي ولماذا لا تتفاهم هذه المذاهب لاسياسياً بل دينياً اولاً ماهي نقاط الخلاف وما هي نقاط التماثل الا يمكن ان نتصالح مذهبياً وعلى اساس من الفهم المشترك بدلاً من نقل الخلاف من اطاره المذهبي الى اطار سياسي.
وما ينسحب على المذاهب ينسحب على القوميات نسمع من الناس ان الكورد والعرب في العراق عاشوا متآخين وان العائلة الواحدة تجد فيها اكثر من قومية حسناً وهذا امر جيد ولكن هل جرب العرب والكورد ان يتدارسوا مشاكلهم القومية ماذا يريد الكوردي ولماذا اعدم الالاف منهم وماذا يريد العربي وما المقصود بانتمائه الى امة عربية هل يمكن ان نخدر انفسنا بعبارات مثل الكورد والعرب يتعايشون معاً منذ مئات السنين والعائلة العراقية تجد فيها الاب عربياً والام كوردية او بالعكس واطفالهما ينتمون عاطفياً الى القوميتين؟ هل يكفي هذا اذن لماذا هناك حروب وتنابذ وثورات كوردية على حكومة عراقية (عربية) مارس الجيش العراقي كل قدراته منذ تأسيس الدولة العراقية لتدمير ارادة الشعب الكوردي …لماذا كل هذا؟ لماذا لا نتخلى عن اسلوب النعامة في اخفاء راسها؟
نعم تعايش المسلمون والمسيحيون في العراق معاً هذا امر واقع وجميل ولكن الم يشعر المسيحيون طوال عيشهم في ظل الحكومات العراقية بمشاكل سببها انهم مسيحيون.. شعور بالغبن وانتقاص من المواطنة الامر الذي جعل المسيحيين اول شريحة تفكر بالهجرة ومنذ قيام الدولة العراقية والهجرة مستمرة حتى شيد المسيحيون لانفسهم مدناً (عراقية!) في المهجر وكانت هذه الهجرات تعيش حالة مد وجزر واخرها الهجرات الاخيرة .
وبغداد تكاد ان تكون اليوم خالية من مسيحييها. ماذا فعلنا نحن المسلمين في بغداد والمحافظات الاخرى من اجلهم؟ لم نفعل شيئاً ولم تفعل الدولة شيئاً غير الصمت وحسناً فعل اقليم كوردستان الذي اواهم وبكل اخاء ومحبة.
لم تفعل الدولة أي شيء نعم لانها ربما لاتستطيع ان تفعل شيئاً ولكن ماذا عن الاعلام في العراق … ماذا فعل الاعلام عن اضطرار آلاف العائلات المسيحية الى مغادرة بغداد وغير بغداد؟ وهل خرجت مظاهرة واحدة اسلامية تستنكر ماجرى للاخوة المسيحيين ؟ هنا تكمن حكاية الخيط الذي اشرنا اليه والتي تنتظم عليها حبات(التعددية العراقية) .. كل الذي تقدم كان في الواقع اجابة عن ماهية تعدديتنا المطروحة على ارض الواقع.
لن تكون لدينا تعددية بما للتعددية من مفهوم ديمقراطي مالم يبدأ الفرد العراقي بفهم عراقيته الملونة قومياً ودينياً ومذهبياً وتقبل هذه الالوان وصولاً الى فهم الجماعات بعضها البعض والا فان التعددية مأساة على حالها اليوم وهي سر المحاصصة وعدم قيام حكومة تكنوقراط وطنية.
لانريد تعددية قائمة على سايكولوجية الدحر ولانريد تعددية قوامها (التمثيل) والمجاملة الكاذبة نريدها حباً صادقاً وتقبلاً حقيقياً قائماً على الفهم الحقيقي.
والا نعود ونقول .. مأساة هي ان بقيت على حالها اليوم.