الرئيسية » مقالات » وقفة متأخرة مع شهادة تقديرية

وقفة متأخرة مع شهادة تقديرية

وقفة متأخرة مع شهادة تقديرية عبدالله قره داغي لا تشكل هذه الاسطر محاولة لتقييم الشهادة الفخرية التي منحتها جامعة واشنطن وجيقرسن للسيد رئيس حكومة أقليم كوردستان . فمسألة التقييم يمكن أن تنبع من حقيقة أن نجيرفان بارزاني هو الشخص الوحيد الذي يمنح تلك الشهادة من خارج الولايات المتحدة الامريكية . هذه المحاولة يمكن تسميتها بتحليل التقييم الذي ناله رئيس حكومة أقليمية شاب في منطقة تعصف بها الاحداث وتتنافس فيها قوى أقليمية لها عناصر قوتها و هيبتها النابعة أساسا من إعتيارات سياسية وتأريخية وجغرافية تكاد تكون عصية على الحصر . أن يمنح شاب في بدايات الاربعين من عمره وفي حكومة حديثة التكوين وتابعة لشعب هددته عوامل أقليمية عديدة طوال التاريخ مسألة تستحق أن تدرس داخليا وخارجيا وأن توضع في الاطار اللائق بها بحق . فعلى الصعيد الداخلي ينبغي أن نلاحظ توقيت تسلم السيد بارزاني لهذه الشهادة ، وأهم ما في هذا التوقيت هو كونه رئيسا للحكومة الاقليمية ككل وليس رئيسا لادارة فيها مما يعكس حقيقة ان الشهادة منحت للوحدة لا للخلاف . كما انه تسلمها رئيسا لحكومة لايشترك فيها الحزبان الرئيسيان فحسب , بل وليس الكرد فحسب ايضا ,و هذا يدل على انها تعكس الطابع الكوردستاني باطيافه و تلاوينه كافة . وبهذا المعنى يمكن اعتباره تكريما للتجربة الكوردستانية ككل ، بكل ما لهذه التجربة من خصوصيات تميزها عن غيرها و تجعلها محط الانظار . وبهذا المعنى ايضا ، فان الشهادة قد منحت لشعب كوردستان بمختلف اعراقه و اديانه مذاهبه و اتجاهاته السياسية. تتميز كوردستان عن باقي العراق داخليا بأنها استطاعت أن تحافظ على مستوى من الامن رغم أن منظمة القاعدة فد ادخلت الاقليم قبل باقي مناطق العراق في محاولة لوأد التجربة قبل وقوفها على اقدامها و قبل اثباتها لقدرتها على أن تتميز عن غيرها ، و هذا التميز هو ما كانت الاطراف ، و ما زالت تخشاه . و تتميز ايضا بأنها استطاعت أن تقطع شوطا كبيرا في الاعمار و خلق فضاء اخضر جميل في منطقة بدأت ظاهرة التصحر تلتهم مافيها من جمال .. في منطقة سخر النظام كل جهوده لهدم كل ما تم بناؤه فيها على مدى آلاف السنين و حاول مسح مظاهر الحياة فيها مسحا كاملا . و لهذا السبب فان نيل الشهادة المتعلقة بالخدمات العامة أمر له أهمية بالغة و استثنائية. . . من ناحية اخرى فان المنطقة برمتها تشهد واقعا يتميز بتنوع وجوهه . فمن ناحية توازن القوى نلاحظ وجود استقطابات تبدو , في ظاهرها على الاقل ، متناقضة مع بعضها . تركيا ، على سبيل المثال ، دولة علمانية يقودها حزب اسلامي معتدل اثبتت تجربة السنوات الاخيرة بأنه اكثر مرونة من جميع الاحزاب العلمانية التركية ، بمختلف اتجاهاتها ، كما اثبتت احترافها السياسي العالي أيضا . هذه الدولة و في ظل قيادة هذا الحزب طورت علاقة متميزة مع اسرائيل ، الدولة المصنفة على أنها العدوة الاولى للعالم الاسلامي ، لتكون وسيطة في جهود متميزة لحل مشكلة شائكة ومزمنة بين اسرائيل و سوريا التي عرفت ، و ما تزال ، بكونها زعيمة التوجه المناهض لإسرائيل في المنطقة . لحل أزمة شهدت محاولات عديدة فاشلة . أما ايران ، فإنها نقطة إستقطاب اخرى قادرة على تحريك بيادق كانت تعتبر الى أمد قريب عصية على التحريك من قبل دولة مذهبية تتبنى آيديولوجية مذهبية لايمكن أن تتفق مع آيديولوجيات مذهبية عرفت هي الاخرى بالتشدد ايضا . فالشييعة القائمة على ولاية الفقيه التي تقودها ايران اليوم ،مثلا ، كان يفترض ، عقيديا وسياسيا ، أن لا تلتقي ابدا مع الوهابية التي تمثل جوهر الاطار الفكري لمنظمة القاعدة ، إلا أن مجريات الاحداث في العراق و فلسطين و لبنان قد أكدت بأن القاعدة قد شهدت أشكال من الدعم تقترب من الدعم الذي يلقاه حزب الله اللبناني الشيعي و حركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية ذات التوجهات الاخوانية التي يفترض بها هي الاخرى أن تكون معادية للاسس المذهبية التي تتبناها ايران . بحكم هذه الاوراق و بحكم انقسام في السياسة العالمية تمثلها تقاطع مصالح روسيا مع مصالح الولايات المتحدة تلعب ايران اليوم ورقة خطيرة تتتمثل في الملف النووي الايراني الذي ارق اوساطا اوروبية عديدة عرفت هي الاخرى بعدم تناغم مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة . و استنادا الى ما سبق ، فإن ايران أيضا أصبحت تمثل مركزا من مراكز القوى المهمة في المنطقة . سوريا بدورها ، بكونها تتزعم الاتجاه المعادي لاسرائيل و بكونها حليفة ايران في دعمها واحتضانها لعدد من المنظمات و الاحزاب التي تتخذ طابعا مسلحا ، تشكل مركزا من مراكز القوى التي تلعب دورا فاعلا في المنطقة ، لاسيما بعد سقوط نظام صدام حسين و تركه فراغا واضحا لدى شريحة واسعة ممن ترك لديهم ذلك السقوط شعورا بالهزيمة و المرارة و الإحباط ، فأصبحت سوريا ملاذ اولئك ، مما جعلته نقطة استقطاب كبيرة للعناصر التي وجدت في العداء لأمريكا مدخلا لتفريغ همومها التي اثقلت كاهلها كثيرا . السعودية تشكل مركزا آخر من مراكز القوى لآسباب عديدة تتمثل أهمها في كونها اهم مراكز الدعوة السلفية المناهضلة لتيارات عديدة كالتشيع ، و كونها المركز الابرز للإعتدال السياسي و تزعمها لدول مجلس التعاون الخليجية ، بالإضافة الى ثقلها الإقتصادي و الدور المتميز الذي لعبته . بالإستناد الى تلك الإعتبارات ، في الحفاظ على سقف معقول لأسعار النفط من وجهة النظر الآمريكية آنذاك . و رغم أن متغيرات عديدة كان من شأنها أن تعكر صفو العلاقات بين المملكة العربية السعودية و الولايات المتحدة الامريكية من قبيل اطروحة الشرق الاوسط الجديد و اتهام أوساط إعلامية و حتى سياسية أمريكية لعناصر سعودية ، ينتمي بعضها الى العائلةإ المالكة بدعم الارهاب العالمي المتمثل منظمة القاعدة ، الا ان عوامل اخرى من بينها انقلاب القاعدة على حاضنتها الذي تمثل بالعمليات الارهابية التي استهدفتها و دعوة العائلة الماالكة كبار علماء المملكة لعدم الانجرار وراء تطلعات القاعدة ونبذهم لها و استجابة العلماء لتلك الدعوة ، و الاستعداد الذي ابدته الاجهزة الامنية السعودية للتعاون مع الاجهزة المتخصصة الامريكية ، و تصدي السعوديين الحازم لعناصر القاعدة ، و قبل كل هذا و ذاك بروز أدلة اقنعت المسؤولين الآمريكيين بتورط الايرانيين في معظم ما يحدث في العراق من أعمال ارهابية عبر دعمهم للتيار الصدري و ميليشيا جيش المهدي ، اعادت العلاقات الامريكية السعودية الى ماضيها الزاهر . وسط هذه المراكز و المعادلات المعقدة تم منح رئيس حكومة اقليمية حديثة تلك الشهادة التكريمية . و في نظري فإن هذا الأمر يجعل السيد بارزاني امام مسؤوليات اكبر من ذي قبل ، وترفع مهام جديدة من قبيل جعل الحكومة مؤسساتية و شفافة ، و العمل على جعل احترام الانسان و حقوقه الهدف المنظور الابرز في دوائر الحكومة و نقاط التفتيش في الاقليم الى مستوى مهام آآنية ملحة كتوفير خدمات الماء و الكهرباء و الوقود و محاربة الفساد الاداري ، مع التركيز على أهداف مهمة لكنها غير منظورة كحماية الارث الثقافى و الحضاري المتمثل في مواقعنا الأثرية و آثارنا و مخطوطاتنا و ابنيتنا التراثية .