الرئيسية » مقالات » الرصيد الأول للدهشة

الرصيد الأول للدهشة

الكتاب الأول هو الرصيد الأول للدهشة المتمكنة، إذا اعتبرنا كل كتابة دهشة، أو ابنة للدهشة كما رأى سان جون بيرس الشعر. وهو الكدمة الأولى في الجبهة من جراء الاصطدام القاسي مع العالم، وهو عصارة اللذة المتواصلة للعزلة، ولانغلاق الذات الباحثة عن التفتح في هذا الانغلاق، حيث الكتابة تحتاج إلى عزلة خالصة، لأنها فعل فردي لا يحتمل التشويش. إنها انفراد الكائن بنفسه وسفكها على البياض.
قد تكون للقصيدة الأولى لذة لا مثيل لها. لذة الانتشاء الأكبر. وربما لنشرها لذة مثل اللذة السابقة، وهي لذة ليست عابرة بأي حال، بل تستوطن بواطن المبدع وتطفو كلما همت قصيدة جديدة بالاستواء، إلا أن للكتاب الأول، للديوان الأول في حالتي، لذة أكبر وأبعد، فهو مؤشر لتجربة توشك أن تبدأ. أن تبحث عن ملامحها الخاصة. والديوان الأول يتيح للشاعر أن يحاكَم نقديا بشكل أفضل، كما يمكنه من تشذيب التجربة وتطويرها بتغطية النواقص. النواقص التي لن يخلو منها أي كتاب لاحق، مادام أن القصيدة الكاملة أو النهائية قاطنة في أقبية المستحيل.
صراحة، لم أجد صعوبات كثيرة في نشر محاولاتي الأولى منذ سنة 1987 في جرائد الميثاق الوطني والعلم والاتحاد الاشتراكي، فقد كان الزمن الذي يعز فيه أن يجد الشاعر منفذا للقصيدة إلى القراء قد انتهى.
وأججتِ الطريقُ السالكة إلى هذه الجرائد الإصرار على الاستمرار والبحث عن عبارات تليق بالحلم الذي يبدأ الباحثُ عن نفسه في الزحام يرسمه، ويعلقه فوق رأسه حتى أنه لا يفارقه. وأفضى هذا الإصرار إلى الخروج باتجاه آفاق أخرى، فكان انفتاح هذه الآفاق الخارجية أمام تلك النصوص التي كتبتها في أوائل التسعينيات بمثابة وقود زاد من الرغبة في الحصول على صفة بدت مستحقة. تلك الصفة هي الشاعر، بالرغم من أنها صفة لم تعد بذات البريق الآسر عند الناس، كالذي كان لها أيام امرئ القيس والمتنبي والمعري والسياب وغيرهم، فما الذي يمكن أن تمنحه لك حاليا صفة يعتقد الآخرون أن حاملها مجرد حالم يعيش في الخيال أكثر، ويبحث عن موت متفاوَض معه؟!
ربما كانت الكتابة قدرا قبل أن تكون قلقا وجوديا نابعا من حيرة الكائن أمام الكون. وقبل أن تكون انفجارا لألغام الذات وهي تراوح بين الشك واليقين، وتبحث لها عن مستقر بين بين. مستقر يبدو مستعصيا أو مستحيلا. وهنا، عندما يأتي الكتاب الأول فهو يأتي لِلَمْلَمَة أشلاء الذات التي تناثرت في غير ما معركة وجودية، ويعمل على تسويتها هيكلا يقوم البعض بزيارته، للاطمئنان، وللبحث عن أنفسهم ، ذلك أنهم قد يكونون مروا بنفس المعارك وانتثرت أشلاؤهم بنفس الطريقة، لكنهم لم يتمكنوا من لملمتها. هذا البعض هم القراء. قراء الشعر. قراء الأدب. قراء الكتاب الأول، وربما ما يليه أيضا، وهؤلاء يتناقصون لأسباب شتى!
إذا كنت قد أسلفت القول إن الطريق إلى الجرائد كانت سالكة في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي فإن الطريق إلى الكتاب الأول لم تكن كذلك. وهكذا تمطط الحلم من النشر هنا وهناك ليتحول في الذهن إلى كتاب، ولو على ورق غير صقيل. ديوان وكفى.هذا الحلم هو ما حفز على المشاركة في جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، لكنها مشاركات لم تثمر شيئا جميلا يدخل الفرح إلى قلب الشاعر الذي بدأ يشعر بنفسه ينمو في داخلي، وهو الآن لم يتخط مرحلة الحبو بعد.
لم يكن، بالرغم من ذلك، واردا أن أعبر إلى الكتاب الأول بالاعتماد علي، لذلك انتظرت “كتاب الظل” طيلة فترة امتدت من سنة 1994 إلى غاية سنة 2001، حيث وجد لنفسه أخيرا باباً باطنه فيه الرحمة وقد كان ظاهر النشر من قِبَله العذاب. العذاب المادي والمعنوي. فصدر “كتاب الظل” ضمن سلسلة الكتاب الأول لوزارة الثقافة بعد قصة تروى.
خلال فعاليات مهرجان المعتمد بن عباد بمدينة الشاون في العام 2000، قرأت نصوصا في قاعة المسيرة إذا لم تخني الذاكرة اللعوب، وبينما كنت أهم بالعودة إلى مكاني في القاعة، وجدت الأستاذ أحمد زيادي يفتح لي ذراعيه ويعانقني بحرارة أبوية غامرة، ويسألني ما إذا كان لدي ديوان مطبوع أم لا. عندما أجبته بالنفي نهرني بصوت حاد، وهل أنت عضو في اتحاد كتاب المغرب.نعم. فضغط على كلمات شديدة الوقع ملحة من أجل أن أعد مجموعة، على وجه السرعة، وأذهب بها إلى الصديق الشاعر حسن نجمي لنشرها ضمن منشورات الاتحاد. ولأن “كتاب الظل” كان هناك، لكن باسم آخر هو “الخندق”، حملته إلى حسن نجمي الذي تكفل به بعد ذلك وأنبته نباتا حسنا في سلسلة الكتاب الأول.
هكذا زجت بي المحبة في سوق الكتاب، السوق التي لم أعد إليها بكتاب آخر منذ ذلك الوقت. منذ 2001، السنة التي ولد فيها “كتاب الظل” بعد حمل طويل ومخاض. وعندما يكون لديك كتاب مطروح للتداول، مهما كان هذا الكتاب، فإنك تجد نفسك مباشرة في مأزق الأرقام المتعلقة بالقراءة، وتبدأ في التساؤل أكثر فأكثر عن جدوى كل هذا، جدوى أن تستقر الجمرة بين يديك وفي قلبك دون أن تجد من يحملها عنك قليلا لتستريح، فيصبح سؤال الكتابة أكثر حرقة، وأشد إيلاما، ولا تستطيع الحصول على جواب شاف لسؤال الكتابة وجدواه. لكن الشاعر غالبا ما يجد نفسه مدفوعا إلى المساحات البيضاء لينثر قلقه، وانتفاضاته ضد الرداءة المحيطة بالعالم، وشيئا فشيئا يبدأ في اختلاق الأسباب التي تجعل سيرته تحتضن أكثر من الكتاب الأول، وكأن الكتابة هي فعلا، قبل كل شيء قدر. قدر لا يمكن التخلص منه، فهي تتحول مع الوقت إلى فعل خالص لإثبات الحضور ومقاومة كل أشكال التآكل والغياب، فينقطع عندئذ الاهتمام بأزمة القراءة والقراء، بالعودة إلى تلك الكلمة الجميلة “قل كلمتك وامش”.
امش، نعم، لكن مع الاحتفاظ بتلك الشعرة التي تربطك بالسؤال والتساؤل، ذلك السؤال الذي يحتفظ بك حيّا. تماما كما صوره أندري مالرو عندما قال ” ثمة شيء من خلود يبقى في الإنسان… الإنسان الذي يفكر، هو استعداده لأن يجعل الدنيا موضع سؤال”.
من هنا تتشعب الكتابة وتتحول من مجرد سواد على بياض، إلى نوع من الفلسفة في الحياة، ويتحول الكتاب الأول والكتب اللاحقة، إلى رغبة في بلورة الأسئلة التي تمنح للوجود معنى حقيقيا، معنى يحرر الشاعر أو الكاتب عموما، ويحرر معه القارئ والمهتم، من احتمال التحول إلى مجرد رؤوس وسط قطيع.

** نص الورقة التي شاركت بها في ندوة الكتاب الأول بالدار البيضاء 17/2/2007 ضمن فعاليات المعرض الدولي للكتاب حول “تجربة الكتاب الأول”

جمال الموساوي
شاعر وصحفي مغربي