الرئيسية » التراث » التشريع الميدي ودوره في تطوير الأنظمة القانونية اللاحقة 2-2

التشريع الميدي ودوره في تطوير الأنظمة القانونية اللاحقة 2-2

يشكل الكتاب المذكورالمخطوطة القانونية الوحيدة التي وصلت إلينا من عصر ما قبل الاسلام بهذا الحجم،وهي دون شك ثمينة جدا وتتميز بقيمة علمية خاصة بالرغم من فقدان وتلف بعض صفحات المخطوطة ،كونها تعكس مختلف نواحي الحياة الاجتماعية،الاقتصادية،السياسية،الثقافية والدينية التي كانت سائدة في ميديا وفيما بعد إيران إلى هذا الحد أو ذاك.دون شك حدثت إضافات معينة على هذاالكتاب في أزمنة تاريخية مختلفة وطبقا لمتطلبات التطور الاجتماعي- الاقتصادي والسياسي، مما كان يستدعي الحاجة إلى إصدار قوانين وتشريعات جديدة من جهة، ومن جهة أخرى يستند الكتاب في انشاءه على نوعين من الممارسات الفقهية-القانونية: أ- مجموعة من الوثائق والمستندات الحقوقية وقرارات المحاكم والقضاء[ قانون عقد الزواج الميدي-الساساني مثلا]ب- شتى الآراء والمذاهب والمدارس الحقوقية واجتهادات المشرعين والمختصين في مجال الحقوق والقضاء.لذا لن نبالغ إذا قلنا ان Madikani Hazar Dadistan هو تشريع ميدي- زردشتي بكل مافي هذه الكلمة من معنى،كونه تعبير مكثف عن الأوضاع السائدة في ميديا وإيران في الفترة التي سبقت الاسلام ولاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الزردشتية. تحولت إلى ديانة رسمية في العهد الساساني فقط أي بدءا من العام 224 م وحتى سقوط الامبراطورية الساسانية على أيدي تحالف عشائر الجزيرة العربية في العام 651م.وحسب المصادر المتوفرة لدينا صدرت ثلاثة دراسات أساسية [فضلا عن دراسات أخرى في القرون الماضية] وبثلاثة لغات عن الكتاب المذكور وهي: 1- S.J.Bulsara, The Laws of the Ancien Persian as founded in the“Matiqan e hazar Dadistan, Bombay،2- الكاتبة والمؤرخة الأرمنية أ .باريك خانيان باللغة الروسية تحت عنوان: Сасанидский Судебник أي كتاب القضاء الساساني،الصادر في يريفان في العام 1973 3-الدراسة الأخيرة التي بحوزتنا بشكل كامل هي للمؤرخة والمختصة في تاريخ إيران القديم والمديرة الحالية لمعهد برلين الحر د.ماريا ماكوش،باللغة الألمانية والصادرة في مدينة فيسبادن في العام 1993 وتحت عنوان: Rechtskasuistik und Gerichtspraxis zu Beginn des siebten Jahrhundert in Iran*..ولابد قبل أن نذكر تبويب الكتاب وفصوله، التأكيد على الجوانب الهامة التالية:
أ-المخطوطة بحد ذاتها وكما ذكرنا سابقا،عبارة عن نصوص قانونية،قرارات واجتهادات تشريعية وآرا ء فقهية بدون شروح أو تفسير[ يبدو أن جمع تلك النصوص جاءت بمبادرة شخصية من المؤلف فاروه ماد قهرمان وهو أيضا حقوقي وعمل في مجال القضاء دون شك]
ب- لجأ مؤلفي الدراسات الواردة أعلاها من جراء ذلك إلى الإجتهادات والآراءالشخصية بناء على معرفتهم بتاريخ إيران وتمكنهم من اللغة الفارسية والبهلوية.لذا جاءت أراءهم وتحليلاتهم في الكثير من الأمور والمواضيع متباينة.
ت- لم يرد في المخطوطة تاريخ جمع أو اصدار تلك النصوص والقوانين في كتاب موحد، ولكن جاء في إحدى بروتوكولات التحقيق الصادرة عن المحكمة أسم الملك الساساني خسرو الثاني الذي حكم في سنوات 591-628 م حيث يذكر أن البروتوكول أعد في السنة السادسة والعشرين من حكمه.
ث- بهدف الوصول إلى نتائج علمية نسبيا، استعانت د. ماريا ماكوش بالعديد من النصوص والوثائق الزردشتية الكلاسيكية والمكتوبة بالبهلوية مثل: ويديفداد،Herpadistan u Nirangistan; Yasna ,Purrishinha; dadistan u denig. وغيرها.وتعترف المؤرخة الألمانية أن كتاب :Din Kurd [ ديانة الكرد] ولاسيما الجزء الثامن منه والذي يحتوي على الصيغة البهلوية من نسك أفيستا والكثير من المعلومات القيمة لعب دورا كبيرا في دراستها عن تلك المخطوطة[ بيد انها لا تشير إلى الأصل الميدي لهذا الكتاب،بل تعتبره مجرد مؤلف يحتوي على طقوس دينية زردشتية لا أكثر] ومن الملفت للنظر أن د.ماريا ماكوش تذكر على سبيل المثال بعض المصادر:1- Medömahig-Medömahigan.،2- Mögan-handarzbed ،وهما كتابان لرجال الدين الزردشتيين الماج، دون الإشارة إلى ماهية هذه المصادر وأصلها وتاريخها.وحسب اعتقادنا أن تلك التسميات الميدية كما يتوضح من العناوين بالذات،هي الأخرى كتب ميدية من موجودات مكتبة القصر الملكي : Nûşê can.استخدمت المؤلفة أيضا كتاب أعمال أنوشيروان: Kar Namag بالإضافة إلى مؤلفات الطبري،الخوارزمي والمسعودي.
ج- عدم وجود أية علاقة بين كتاب التشريع الذي نحن بصدده وفترة هيمنة العرب على فارس وميديا، لذا تؤكد د. ماريا ماكوش في مقدمة دراستها: ليست هناك في هذا الكتاب التشريعي أية إشارات إلى الإسلام أو اية أسماء لأشخاص ربما قد فرضت كتابة تأريخ متأخرعما هو وارد أعلاه.يستنتج من ذلك أن محتويات الكتاب،بما فيها الكلمات،التعابير والمصطلحات كلها تعود إلى فترة ماقبل الغزو الاسلامي.
ح- يمكن تقسيم المؤلفين أصحاب تلك الدراسات إلى فئتين1- فئة لديها اضطلاع جيد على تاريخ ميديا ولغتها وعاداتها و أديانها ولكنها استندت إلى مصادر فارسية فقط، أي اتخاذ موقف غير موضوعي ومتحيز،لذا جاءت استنتاجاتها وتحليلاتها لصالح الفرس وتجاهلت المرحلة الميدية تماما 2-فئة أخرى اتسمت دراستها بطابع أكاديمي-مهني صرف دون تحليل المرحلة التاريخية التي سبقت استيلاء الفرس على الإمبراطورية الميدية وغياب المعلومات عن التاريخ الميدي ولاسيما اللغة واللهجات السائدة،التركيب الاجتماعي أنذاك والإهمال، ربما بشكل مقصود لعامل التواصل والإرث الحضاري وانتقالها من السلف إلى الخلف.فأبسط مقومات التحليل العلمي للتاريخ يفترض في المحلل دراسة الظروف والمقدمات التي سبقت ظهور هذه الإمبراطورية أو تلك،بهدف التوصل إلى اسنتاجات علمية موضوعية وصحيحة.وحسب المصادر الموجودة لدينا هناك قلة جدا من المؤرخين درست وحللت بشكل أكاديمي وموضوعي الفترة الميدية،التي هيأت الأرضية المناسبة على جميع الأصعدة،لاسيما الإجتماعية واالسياسية،والعسكرية والثقافية والتشريعية، لظهور الإمبراطوريةالأخمينية وعوامل استمراريتها وحتى المرحلة الساسانية.سيما إذا أخذنا بالحسبان أنها دامت حوالي 150 سنة،حيث تم انجاز الكثير في هذه الحقبة.فمن المعروف أنه حتى بعد مرور سنوات طويلة بعد سقوطها بيد كورش و مجموعة من الخونة العسكريين والنبلاء الميديين،كان المؤرخين والشعراء الأجانب يذكرون الميديين والإمبراطورية الميدية في نتاجاتهم وليس الفرس.فهاهو الشاعر الأغريقي الشهير كسينوفانيس الذي عاش في بداية القرن السادس ق.م يقول في إحدى قصائده:من أنت وإلى أي صنف من الرجال تنتمي؟كم هو عمرك يا أفضل صديق؟وكم كان عمرك عندما جاء الميدي؟
خ- استنادا إلى عدم معرفة د.ماريا ماكوش باللغة الكردية المعاصرة،لهجاتها الرئيسية وبصفتها وريثة اللغة الميدية السائدة أنذاك،اتسمت دراستها ليس بطابع متحيز وغير موضوعي فقط،بل ارتكبت وللأسف الشديد العديد من الأخطاء اثناء الترجمة من البهلوية إلى الفارسية ومن ثم إلى الألمانية،كونها انطلقت من فرضية خاطئة ألا وهي: أن الكتاب المذكور فارسي وليس ميدي!دون شك من ينطلق من فرضيات خاطئة سوف يتوصل إلى استنتاجات خاطئة أيضا.وهنا سوف نورد مثالين فقط للبرهان على وجهة نظرنا:1- فهي قد كتبت العبارة الكردية : çiş-iz êwarih بشكل متصل ومتداخلة مع بعضها البعض وبالتالي ترجمتها بشكل غير صحيح: أمان أو ضمان شيء ما(sicherheit einer Sache)، والأصح كتابتها هكذا: çi îşî êwarih ومعناها أي عمل مسائي. وشتان مابين العبارتين2- كتبت د.ماريا ماكوش المصطلح الميدي والذي مازال متداول في اللغة الكردية إلى يومنا هذا: ] gunehkar مذنب] بشكل خاطئ تماما: winahgar وترجمته بصورة أخرى بعيدة كل البعض عن الغرض المقصود، على هذا النحو: تعويض،Entschädigung.هناك المئات من الأخطاء الفاحشة التي أثرت طبعا على القيمة الأكاديمية والعلمية لدراستها المشار إليها في سياق المقال.ولكن مع هذا فهو عمل كبير وخدمة لاتقدر بثمن للثقافة البشرية.
.يبدأ مقدمة الكتاب باسم الإله أهورامزدا سيد الكائنات الروحية والمادية، والخصائص والفضائل الحميدة للديانة الزردشتية،مؤكدا أن الهدف الأساسي للكتاب هو:إظهار جوهر الخصائل الأساسية للطبيعة البشرية: العظمة،الطيبة،الكرامة يؤكد المؤلف أن الكتاب هو نتاج و قوة فعالة للخالق بهدف تحطيم مملكة الكذب أي الشر والظلم وإقامة السيادة الكاملة للتقوى والإيمان حتى يوم القيامة.
و هو يحتوي على الفصول التالية:
1-القانون الإداري
2-وثائق قانونية
3-موظفين أو مأمورين
4-قواعد قانونية
5-قرارات رسمية
6-سوابق أو قرائن قانونية
7-قانون الملكية
8-حوادث قضائية
9-قضايا عدلية
10- قانون الزواج والأسرة
11- قانون الوقف الزردشتي
وهناك بعض الفصول القصيرة تتتعلق بقضايا الميراث،الزواج،الطلاق،التبني، الزكاة[Ahlew dad] التي اقتبسها المسلمون فيما بعد.يشمل الكتاب أيضا على الكثير من الآراء الفقهية التي دونها مختلف الفقهاء الميديين وفيما بعد الساسانيين في شتى مجالات التشريع والقضاء مع ذكر أسماءهم ومناصبهم.
سوف نورد بعض الكلمات،المصطلحات والتعابير المستخدمة في كتاب الألف فقه تشريعي،الذي لا نشك في هويته وأصله الكردي، كي يقتنع القارئ بالدليل الملموس على مدى صحة استنتاجاتنا التي تؤكد على ميدية ذلك الكتاب.لقد حاولنا ومن باب المقارنة إيراد الكلمة،المصطلح أو العبارة الكردية وما يقابلها بالفارسية والعربية:
كردي فارسي عربي
Dadgeh خوراك،عدالة خانة،Dadgah محكمة
Dadwar قاضي قاضي
pêşmêrag شاكي المدعي
paşmêrag مدعى إليه المدعى عليه
Dadistan-Namag حكم خوراك قرار المحكمة
Payman قرار داد،معاهدة، معاهدة،اتفاقية
Dad حق قانون،حق
Abarmand وارث وريث،ورثة
Gunehkar گناه‌آلود
مذنب
Sahwan-namag صورت جلسه إظهار محضر الإفادة
êwar سرشب،شامكاه مساء
Pahr سهم،قسمت حصة
Bendag دهقان عبيد،أجير
bê gûman بدون شك،بي شك دون شك

على الرغم من وجود المئات من الكلمات والمصطلحات القانونية والاجتماعية والدينية،الأخرى، حيث ما تزال غالبيتها تستخدم في اللغة الكردية الحديثة بيد اننا سوف نكتفي بهذا القدر من الأمثلة،التي توضح وبجلاء أن الكتاب المذكور ميدي،بينما المصطلحات المشار إليها، غير موجودة في اللغة الفارسية أو حلت محلها كلمات ومصطلحات عربية.
كل دراسة أو بحث يجب أن يهدف إلى تحقيق غاية معينة أو الخروج بإستنتاجات محددة.وفيما يتعلق بهذا البحث المؤلف من جزئين،توخينا التوصل إلى الاسنتاجات التالية
1- كان لدى أجدادنا الميديين،ليس فقط أبجدية للكتابة بل انهم امتلكوا ناصية العلم في العديد من المجالات وأبدعوا فيها تماما،لاسيما القانون والتشريع والعلوم العسكرية والإدارية.
2- هناك الكثير من نتاجات وميراث الفكر الميدي وفيما بعد الكردستاني،جرى السطو عليه ونهبه، وبعضه قد دمر،أبيد أو أخفي تماما، لحرماننا من تراثنا الثقافي وبالتالي تفريغ ذاكرتنا الجماعية،مما يسهل عملية صهرنا وتذويبنا.
3- تذخر المكتبات الأوربية والأمريكية بالعديد من الكتب التي تعود إلى العهد الميدي والعهود المتأخرة ولكنها تحمل أسماء فارسية،تركية،عربية أو غيرها،ما علينا سوى البحث عنها ودراستها واكتشافها وإعادتها للمكتبة الكردية،خدمة للحقيقة والتاريخ ومساهمة في تطوير ثقافتنا المعاصرة التي تعاني ليس الكثير من الصعوبات.فقط،بل تتعرض لحروب الإبادة والتدمير.
4- دون أدنى شك هناك في تاريخنا القديم والحديث العديد من الحلقات المفقودة لأسباب لا تخفى علينا،ومن هنا واجب كل مثقف،كاتب،أكاديمي،أو باحث كردي البحث عنها،العثور عليها ووضعها في متناول الأجيال القادمة للإستفادة منها.
5- لم تحظى الديانة الايزيدية،لا سيما انها ديانة قومية كردية بامتياز،أصولها،عادات وطقوس أخوتنا الكردالايزيديين بالعناية والدراسة من قبل الكتاب والمؤرخين الكرد،لذا آن الأوان كتابة أبحاث ودراسات علمية،جدية في هذا المجال ومن وجهة نظر كردية.
6- إذا شئنا تجنيب الأجيال الكردستانية القادمة المصير المأساوي التي عانته الأجيال السابقة والحاضرة والحيلولة دون تحولهم [كما حدث مرارا وتكرارا في تاريخنا] إلى القط الذي يلتقط البلوط من النار،كي يأكله الآخرون،علينا بذل المستحيل في مجال البحث العلمي وأعداد كوادر علمية مرموقة لكتابة التاريخ الكردي والكردستاني بشكل موضوعي وصحيح وليس الاستناد إلى مئات الدراسات والكتب المشبوهة والمتحيزة والمكتوبة من قبل مستعمري كردستان أو أشباه الكتبة.
ربما تكون هذه الدراسة المتواضعة لصفحات مجهولة من تاريخنا القديم خدمة بسيطة لتاريخنا وثقافتنا،وقد تحفز كتاب وباحثين كرد آخرين إلى بذل المزيد من الجهود والعمل في المكتبات، لإستجلاء الحقيقة وتسليط الضوء على محطات هامة من ماضي أحفاد الميديين،غابت عنا بحكم عامل تقادم الزمن أو من جراء أعمال المستعمرين،بهدف سرقة الذاكرة والعمل على حشر الكرد في متاهات النسيان وزوايا التاريخ المظلمة.
المصادر:
Rechtskasuistik und Gerichtspraxis zu Beginn des Siebten Jahrhunderts in Iran Dr. Maria Macuch–1
Wiesbaden,1993
2- Richard Frye Persien bis zum Einbruch des Islam, Essen 1975
3- Josef Wiesehofer Das Antike Persien von 550 v.Chr. bis 650 n.Chr. Düsseldorf 2005
4- Bertrand Russell Philosophie des Abendlandes,Zürich 2007
إيران في عهد الساسانيين ،ترجمة د.يحي خشاب الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998-كريستنسن آرثر-5
6-Justin V. Praşek Geschichte der Meder und Perser Gotha 1906-1910
7-Michael Stausberg Zarathustra und seine Religion München 2005
*بعد اضطلاعنا ودراستنا للكتاب المذكور بادرنا إلى كتابة رسالة شكر وتقدير للمؤلفة في بداية 2008على هذا الانتاج العلمي القيم وغزارة المعلومات،وطرحنا فيها بعض الأسئلة حول الفترة الميدية ودور الميديين في تطوير حضارة الشعوب الإيرانية.أستلمنا الجواب من د.ماريا ماكوش وشكرتنا بدورها على تلك الكلمات اللطيفة ولكنها اعتذرت عن الجواب على تلك الاسئلة، بسبب ورود الكثير من الاطروحات الفردية المشابهة وأشارت إلينا بالرجوع إلى دراساتها وأبحاثها العديدة في تاريخ إيران.
————
*د. آلان قادر حقوقي وكاتب كردستاني