الرئيسية » مقالات » ما يعنيه الكلام عن اليسار العربي الجديد…..

ما يعنيه الكلام عن اليسار العربي الجديد…..

اليسار العربي التقليدي مشغول كلية بالدفاع عن مبرر وجوده , هذا يصح على كل تفاصيله : الستاليني و المتلبرل , ذلك الذي يدور في فلك الديكتاتوريات “الممانعة” أو غريمه الذي انتقل إلى خندق الاعتدال و على رأسه المحافظون الجدد , هذا يتمثل في عمل قيادات هذا اليسار على الانخراط بهمة في تبرير القمع ضد المجتمع الذي تمارسه هذه القوى المسيطرة أو في تبرير المواجهات التي يجري التحضير لها بين هذه القوى..هذا في أفضل الأحوال لا معنى له بالنسبة لأحوال الناس التي نعرفها جميعا في كل مكان من شرقنا..إن القضية اليوم ليست في إثبات ضرورة بقاء اليسار العربي الرسمي أو التقليدي بصورته الراهنة و محاولة تكبير الحيز الذي تقدمه له الديكتاتوريات أو القوى المهيمنة , إن التحدي الماثل أمام الجماهير اليوم هو أن تتجاوز وضعية السلبية التي تفرضها عليها الديكتاتوريات و القوى المسيطرة و من ورائها النخب التي تدور في فلكها , أن تبدأ بالتحرك من هذه الوضعية , وضعية التابع , المتفرج , أو بالأحرى وضعية العبيد , إلى وضعية التفكير المستقل و التحرك النشيط وصولا إلى إقامة بنى ديمقراطية جماعية , مؤسسات إدارة ذاتية خارج المؤسسات الفوقية التي تمثل ديكتاتورية القوى الاجتماعية السائدة قبل أن تصبح بديلا عنها..إن المهمة تتجاوز الممارسة و الخطاب التقليديين لليسار الرسمي , ليس المطلوب اليوم تلقين الناس مبادئ الماركسية أو التروتسكية أو الماوية و لا حتى الأناركية أو مقولات اليسار الجديد أو حركات مناهضة العولمة و تحويلهم بالتالي إلى “أتباع مخلصين” و مغفلين في حقيقة الأمر للقيادات اليسارية “المتفوقة” التي يفترض الخطاب التقليدي تفويضها بمجمل المشروع الثوري لإعادة بناء العالم , إن المطلوب هو أن نشجع الناس العاديين على التحدث ببساطة و عفوية , لا مشكلة , لكن بشكل مستقل و دون تابوهات أو أفكار أو تصورات مسبقة أو إجبارهم على الإنصات إلى مونولوج النخب و القوى المسيطرة أي من دون القمع النخبوي و من دون قمع القوى المهيمنة لحراكها الخاص المستقل , هو أن نشجع الناس على التفكير المستقل و وضع خطط عمل لنشاط مستقل يكونون هم أساسه و مركزه و منظريه و منفذيه , و خطط لمؤسسات تنبعث منهم لا أن تفرض عليهم مخططات القوى المسيطرة و النخب و المؤسسات التي تحمي سلطة هذه النخب أو هيمنتها كشكل وحيد للعمل و للحياة..ليست القضية في الانتقال من شمولية الستالينية أو التنظيم الكلي للماركسية أو الشكل التسلطي المسمى بالديمقراطية المركزية اللينينية إلى عفوية مطلقة تقدس الجماهير مكان قدسية الإيديولوجيا كما كان يفعل اليسار الرسمي حتى اليوم , فالفكر الثوري سيبقى حاضرا بشكل أساسي لكن ليس كنصوص مقدسة يجب حفظها و ترديدها من قبل الكوادر على نحو غبي و متكلف , و تلقينها للجماهير بشكل ديني صوفي , كزيت مقدس ضروري لعمل هؤلاء الكهنة الحمر البديل الستاليني عن كهنة آلهة السماء و الأرض , إن المطلوب هو تفاعل حقيقي بين الفكر و الحياة , فالفكر اليساري أو التقدمي أو الباحث عن “الحقيقة” و خاصة عن الحرية الإنسانية إن شئتم في حالة أزمة و ليس في حالة يستطيع فيها أي كان أن يدعي امتلاكه لهذه الحقيقة المطلقة , نعم , المطلوب هو التخلي عن تقديس النصوص إلى تقديس الحياة نفسها متمثلة في وجود الناس , الفقراء , البسطاء , المبدعين , الصعاليك , الباحثين عن معنى لحياتهم , الباحثين عن الحرية , الرافضين للاستبداد و للطغيان , في الوجود الإنساني و بحثه الدائم عن الحرية و الكرامة الإنسانيتين و في تحديه للسائد سواء السلطوي أو الشعبوي نحو آفاق جديدة من الحرية و المساواة و العدالة..سيخدم اليسار التقليدي لا شك هذه الأهداف , فلعقود طويلة كان هو الشكل الوحيد الموجود لليسار , و قد عمل في صفوفه العديد من المناضلين بإخلاص و تفاني منقطع النظير , و بالتأكيد سيأتي من صفوفه أوائل أولئك الذين سيحملون نار المعرفة و الفكر و التنظيم إلى الجماهير كما فعل بروميثيوس , أولئك الذين سيرفضون طبيعتهم النخبوية , كما فعل بروميثيوس في رفضه لجزئه الإلهي “المتفوق” على الإنسان , على الناس , و انتصاره لطبيعته البشرية عندما سرق النار من الآلهة و حملها إلى الإنسان , و يصرون على إنسانيتهم منخرطين بين الناس كحفاز ضروري لهذا الحراك القادم , الذي سيتحدى كل عبودية , كل استبداد و كل اضطهاد تحت أي عنوان أو شعار .